السببية ونشأة الكون صدفة

السؤال:

ما رأيكم فيمن يقول إن العالم قد نشأ من العدم بمحض الصدفة، ودون حاجة لخالق بناء على ما يقوله بعض المفكرين في الغرب بأن قانون السببية غير حتمي ولا ضروري، ويستدلون ببعض الفرضيات الفيزيائية مثل السفر عبر الزمن، وظهور الجزيئات في المستوى تحت الذري بلا سبب فيما يسمى بنظرية تذبذب الفراغ الكمومي quantum vacuum fluctuations.

الجواب:

تمهيد:

الذين لا يؤمنون بوجود خالق وينسبون أنفسهم للعلم الحديث والفلسفة المادية صار لهم طريقة دوغمائية مشهورة لنفي وجود الله تقوم على عدة ادعاءات وهي:

 1- أن الكون أزلي قديم، وكان هذا الادعاء في الماضي أقوى حججهم، إلا أن الأدلة العقلية والعلم الحديث أثبت بطلانه. كما ذكرناه من قبل من أدلة حدوث العالم وإقامة البراهين العلمية والعقلية على استحالة أزلية مادته.

2- أن هذا الكون نتاج لعدد لا نهائي من الأكوان قبله. وقد أبطل العلماء هذا الفرض بإقامة الأدلة على استحالة التسلسل، وبعضهم يقول إن هناك كون أزلي هائل هو الذي أنتج عددا من “الأكوان” منها كوننا الحالي، وهذه كلها فرضيات ثبت بطلانها كما قلنا بالأدلة المنطقية والعلمية، ويؤكد عالم الكونيات البارز بيبلز P .J . E . Peebles  (مجلة العلوم الأمريكية Scientific American  عدد فبراير 2005 ) أن كل هذه افتراضات لا دليل عليها، ولا تقف وراءها حقائق أو معلومات أو حتى ملاحظات مقبولة، إنها أقرب للخيال العلمي منها إلى العلم.

3- ادعاء أن للكون بداية، لكن بدون احتياجه لوجود خالق، ويقولون أنه ليس من الضروري أن كل موجود له بداية لابد له من موجد ومصدر سابق عليه؛ بناء على نفي مبدأ السببية.

والذي يهمنا الآن أن نوضح النقطة الثالثة، وهي أن كل موجود قد ظهر وانتقل من العدم لحيز الوجود لابد أن يكون له مسبب ضرورة، واستحالة أن توجد الصدفة شيئا موجودا له خصائص وسمات واضحة، وأن وجود الحق سبحانه لا يحتاج لموجد ليس فيه تناقض.

ضروريـــــــة مبدأ السببيـــة، واستحالة الترجيح بدون مرجح:

إن العقلاء قد أجمعوا ببرهان العقل أن كل حادث متحقق فلابد أن يكون لوجوده سبب، وأن هذا المبدأ “السببية” ليس مختصا بحالة دون أخرى ولكنها مطردة في جميع الأسباب والمسببات لأنها ضرورة عقلية وليست برهانا مبنيا على المشاهدة والتجربة.

ولذا كان أرسطو منذ آلاف السنوات قد عبر عن المبادئ العقلية الضرورية بأنها التي يدركها العقل ضرورة وإليها ترد أغلب قوانين المنطق والاستدلال وهي المبادئ الأربعة: «مبدأ الهوية، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع، ومبدأ السببية».

ومعنى هذا إن إدراك أن لكل شيء حادث سببا أمر ضروري في النفس، وسنذكر برهانا عقليا على صحته واطراده بلا تخصيص.

الأحكام العقلية الثلاثة وأهمية دلالتها على قضية السببية:

 لكن قبل أن ندلل عليه نقول في البداية إن جميع الأمور والمفاهيم والأشكال المفروضة في الذهن لا تعدو بأن تتصف بأحد أوصاف ثلاثة، وهي الوجوب والإمكان والاستحالة، والتي يسميها المتكلمون المسلمون الأحكام العقلية الثلاثة، فالواجب هو الذي يقطع العقل باستحالة عدمه أو انتفائه، والمستحيل عكسه أي ما يقطع العقل باستحالة وجوده أو ثبوت تحققه، والممكن أو الجائز ما يقضي العقل بثبوته أو بانتفائه.

وهذا العالم بكل مكوناته وأجزاءه لما حكمنا عليه بالحدوث واستحالة كونه أزليًّا كان يقع ضمن المفهوم الثالث وهو الممكن؛ لأننا لما أدركنا حدوثه وعلمنا أن لوجوده بداية علمنا أنه ليس ضروري الوجود دائما وأبدًا، وكذلك فإنه ليس مستحيلا لأنه لا يترتب على فرض وجوده محال، وإلا فهو موجود ومتحقق بالفعل.

الأدلة على ضرورية قانون السببية العقلية:

ومن يفهم المعنى الذي ذكرناه لمفهوم الممكن، وهو الذي يستوي طرفا الثبوت والانتفاء في حقه، علم أن ترجيح جانب الوجود على العدم يحتاج إلى مرجح، ويبعد ويستحيل أن يكون هذا الترجيح من تلقاء نفسه، لأن ماهية الممكن أي “هويته” تقضي بأنه يستوي جانبا الوجود والعدم فيه لذاته، ومن ثم فإننا نناقض مبدأ الهوية -وهو المبدأ الأول من المبادئ العقلية لأرسطو التي اتفق عليها جميع العقلاء حتى الذين ينفون المبدأ الرابع وهو السببية- إذا قلنا بـأن “الممكن” أوجد نفسه دون حاجة إلى مؤثر خارج عن ماهيته، ومختلف في حقيقة “الإمكان” الذي قد ثبت له.

وقد عبر المتكلمون المسلمون عن المعنى السابق بعبارات عديدة وساقوا هذا الدليل مرارا بوضوح في التدليل على وجوب احتياج المـمكن إلى المؤثر، فقال الإمام فـخر الدين الـرازي ت606 هـ في كتابه (المطالب العالية من العلم الإلهي، 1/88): « لاشك أن الممكن هو الذي تكون نسبة الوجود إليه كنسبة العدم إليه، ومادام يبقى هذا الاستواء، فإنه يمتنع حصول الرجحان، فثبت أن دخوله في الوجود موقوف على حصول الرجحان وهذا الرجحان لما حصل بعد أن لم يكن، كان أمرا وجوديا ثبوتيا، والصفة الوجودية الثابتة لابد لها من موصوف موجود، ويمتنع أن يكون الموصوف بهذه الصفة الوجودية هو وجود ذلك الشيء؛ لأنا بينا أن حصول هذا الرجحان سابق على وجود الممكن، فثبت أنه ليس محل هذا الرجحان هو ذلك الممكن الذي هو الأثر، فلابد من شيء آخر يغايره» اهـ

وقال أيضا في (المطالب العالية، 1/ 89): « لو كان رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر غنيا عن المؤثر والمرجح لامتنع توقف هذا الرجحان في موضع من المواضع على حصول المؤثر والمرجح، وهذا الثاني باطل، فذلك المقدم أيضا باطل، أما بيان الملازمة: فهو أنه لما كان ذلك الرجحان غنيا عن المؤثر امتنع افتقاره إلى المؤثر في شيء من المواضع أصلا، لأن مقتضيات الحقائق والماهيات لا تتغير البتة، فإذا كان رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر غنيا عن المؤثر من حيث هو هو، كان هذا الاستغناء حاصلا في جميع الصور، والغني لذاته عن الشيء يمتنع أن يكون محتاجا إليه؛ وأما بيان أن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر قد يتوقف على حصول المؤثر؛ فلأن العلم البديهي حاصل بأن حصول الكتابة في هذا الكاغد تتوقف على حصول الكاتب، وعلى حصول كل ما لابد منه في كونه كاتبا، وكذا القول في القطع والضرب والكسر وأمثالها من الأفعال». اهـ

فهذه العبارات والبراهين كلها ترد لأصل المبادئ العقلية القبلية وهي مبدأ الهوية واستحالة التناقض، وتوضح أن مبدأ السببية حتم لازم لها، وأن وجوبه ضرورة عقلية وليس مبنيا على المشاهدة والتجربة.

ولمزيد إيضاح يقول الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (كبرى اليقينيات الكونية ص 80 ): « لاريب أنه قد أتى حين من الدهر لم يكن هذا الكون شيئا مذكورا إذا كان العدم المطلق هو المنبسط في مكان الوجود اليوم، ومعنى ذلك أن كفة العدم كانت إذ ذاك هي الراجحة، وكان الأمر مستمرا على ذلك. ثم إن الأمر انعكس بعدئذ فترجحت كفة الوجود على كفة العدم المطلق. فإن قلت إن العالم وجد بقوة ذاتية فيه دون حاجة إلى موجد، فمعنى ذلك أن تقول برجحان كفة الوجود على كفة العدم وانعكاس الأمر الذي كان مستمرا دون وجود أي عامل لهذا الرجحان أو الانعكاس الطارئ. وهذا أمر يعرف الإنسان محض بطلانه بمحض الفطرة». اهـ

ونحن نقول: إن من يزعم أنه يمسك ميزانا من حلقه الدقيق ويترك الكفتين فيه بوزن واحد دون وجود أي ثقل إضافي في إحداهما؛ وبينما الكفتان متساويتان إذا واحدة منهما ترجح والأخرى تطيش دون أي مؤثر خارجي يتصوره الذهن- لأشفق الناس على فكره وعقله، فكيف لو زعم لهم بأنه قد وضع ثقلا في إحدى الكفتين، وبينما هو يمسك الميزان والكفة الثقيلة راجحة تنوء بحملها، إذ الأمر يختلف: تطيش الثقيلة بثقلها وتهبط الخفيفة بخفتها؟!

تناقض الماديين والتجريبيين في مبدأ السببية:

والأعجب أن من يروجون للكلام في جواز وجود العالم من لا شيء أو بدون سبب، وينسبون أنفسهم للعلم الحديث والفيزياء، هم الذين يقولون باستحالة تغير المادة أو الطاقة الموجودة في نظام مغلق Closed System  واستحالة استحداثها من العدم، ما لم يوجد مؤثر خارجي من خارج هذا النظام يكون سببا في التغيير أي لابد أن يكون النظام مفتوحا Open system . وهذه قمة التناقض، والدوغمائية العمياء، والبراجماتية من أجل الأيدلوجيا.

اعتراضان والجواب عليهما:

 وهاهنا يرد على ما سبق اعتراضان، الأول: قد يقول قائل إن القائلين من المؤمنين والموحدين بحدوث العالم وإسناد خلقه إلى الله وهو الفاعل الأول يؤمنون أنه قد صار فاعلا للعالم بعد أن لم يكن فاعلا له، وهذه الفاعلية أو الخلق ليست لسبب يرجحها عن وقت آخر كان يمكن فيه إيجاد العالم، فهم اتفقوا على حصول معنى الحدوث والخلق لا لسبب، وذلك يرجع بالتناقض على قولكم بإثبات وجود افتقار العالم لسبب وعلة.

الاعتراض الثاني: أنكم قلتم أن الممكن هو الذي يستوي فيه جانب الوجود والعدم لذاته ولا يترجح أحدهما على الآخر، وهذا معارض بالعدم إذ هو سابق على الوجود وراجح عليه بلا سبب.

والجواب عن الاعتراض الأول أننا نقول: إن دعوى أن هذه الفاعلية أو الخلق قد ترجحت دون سبب يخصص ذلك الوقت بإيجاد العالم دون غيره – غير صحيح؛ لأنا نقول إن المخصص هاهنا هو الإرادة الإلهية القديمة، فهي التي خصصت إيجاد العالم وخلقه بتلك الفاعلية من حيز القوة والجواز إلى حيز الفعل والوقوع.

ثم قد يقول السائل: فلنكرر السؤال وهو أن الإرادة قد تعلقت بالحدوث في وقت مخصوص لا قبله ولا بعده، مع تساوي نسب الأوقات إلى تلك الإرادة، فإنكم إن تخلصتم عن خصوص الوقت بإسناده إلى الإرادة فكيف تتخلصوا من خصوص الصفات، أي لماذا خصصت الإرادة هذا الوقت بخصوصه دون ما عداه، فإن كان بإرادة أخرى لزم التسلسل وهو محال، وإذا لم يكن بإرادة أخرى عاد بالنقض عليكم في تخصيص هذه الفاعلية بتلك الإرادة؟

والجواب أن هذه الشبهة قد ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي ت 505 هـ في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) وردها على أحسن ما يكون، فقال ص 64، 65: « وأما أهل الحق فإنهم قالوا إن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها فميزتها عن أضدادها المماثلة لها، وقول القائل إنه لم تعلقت بها وأضدادها مثلها في الامكان، هذا سؤال خطأ فإن الإرادة ليست إلا عبارة عن صفة شأنها تمييز الشيء على مثله.

فقول القائل لم ميزت الإرادة الشيء عن مثله، كقول القائل لم أوجب العلم انكشاف المعلوم، فيقال: لا معنى للعلم إلا ما أوجب انكشاف المعلوم، فقول القائل لم أوجب الانكشاف كقوله لم كان العلم علمًا، ولم كان الممكن ممكنًا، والواجب واجبًا، وهذا محال؛ لأن العلم علم لذاته وكذا الممكن والواجب وسائر الذوات، فكذلك الإرادة وحقيقتها تمييز الشيء عن مثله.

فقول القائل لم ميزت الشيء عن مثله كقوله لم كانت الإرادة إرادة والقدرة قدرة، وهو محال، وكل فريق مضطر إلى اثبات صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله وليس ذلك إلا الإرادة، فكان أقوم الفرق قيلًا وأهداهم سبيلًا من أثبت هذه الصفة ولم يجعلها حادثة، بل قال هي قديمة متعلقة بالأحداث في وقت مخصوص، فكان الحدوث في ذلك الوقت لذلك، وهذا ما لا يستغني عنه فريق من الفرق وبه ينقطع التسلسل في لزوم هذا السؤال». اهـ

هل سبق العدم على وجود العالم يناقض قانون السببية ؟

والجواب على الاعتراض الثاني: وهو قول القائل أن العدم ترجح جانبه في الزمان الأول على جانب الوجود بلا سبب أو مؤثر، فنقول: إن هذه مغالطة؛ لأن السبب والمؤثر الذي نوجب استناد الممكن إليه هو الذي له أثر، والعدم نفي محض فيمتنع استناده إلى المؤثر، وهذا ليس تناقضا أو تخصيصا في الأحكام العقلية كما لا يخفى، والله أعلم.

وقد أشار الإمام المعقولي الكبير سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ت 791 هـ إلى هذا الاعتراض، فقال في كتابه شرح المقاصد في علم الكلام (1/ 125): «ومنها -أي من الشبه- أنه لو احتاج الممكن في وجوده إلى المؤثر لاحتاج إليه في عدمه لتساويهما. واللازم باطل؛ لأن العدم نفي محض لا يصلح أثرا.

 والجواب: أن العدم إن لم يصلح أثرا منعنا الملازمة لجواز أن يتساوى الوجود والعدم بالنظر إلى ذات الممكن لكن لا يحتاج العدم إلى المؤثر لعدم صلوحه لذلك بخلاف الوجود؛ فإن المقتضى فيه سالم عن المانع، وإن صلح أثرا منعنا بطلان اللازم وهو ظاهر.

 وتحقيقه أنه وإن كان نفيا صرفا؛ بمعنى أنه ليس له شائبة الوجود العيني لكن ليس نفيا صرفا بمعنى أن لا يضاف إلى ما يتصف بالوجود، بل هو عدم مضاف إلى الممكن الوجود فيستند إلى عدم علة وجوده بمعنى: احتياجه إليه عند العقل حيث يحكم بأنه إنما بقي على عدمه الأصلي أو اتصف بعدمه الطاري بناء على عدم علة وجوده مستمرا أو طارئا». اهـ

ضرورة استناد خلق العالم إلى سبب وفاعل مختار:

إن نظرية الانفجار العظيم The Big Bang Theory وهي أكثر النظريات قبولا لتفسير نشأة الكون، حيث تؤكد أن الكون قد نشأ نتيجة لانفجار هائل في نقطة مفردة ٍSingularity، وثبت علميا أن الكون له بداية ترجع إلى 13.7 مليار سنة، كما أن العلم قد طرح مفهوما شديد الدلالة، وهو أن الكون نشأ من عدم فالفيزيائي إدوارد تريون Edward Tryon أستاذ الفيزياء في جامعة هنتر في مانهاتن: أن طاقة الكون عند بدايته كانت صفرا، لأن قوة الجاذبية الممسكة بالكون تمثل بالسالب في المعادلات الفيزيائية؛ إذ أنها تعمل في اتجاه معاكس للقوى الأخرى كالقوة الطاردة المركزية التي تدفع بالإلكترونات بعيدا عن النواة، وتدفع بالكواكب بعيدا عن شموسها. كذلك إذا عادلنا الشحنات الموجبة بالشحنات السالبة لذرات الكون أصبحت طاقة الكون صفرا. (رحلة عقل، د عمرو شريف ص 80)

والسؤال المطروح وسيظل مطروحا دائما: كيف تعطي طاقة مقدارها صفر، كل ما الوجود حولنا من بناء وطاقة وإبهار وجمال ؟؟

فالمتدينون يعتقدون جزما أن الله هو الذي أنشأ الكون كله من لا شيء بقدرة تامة وإرادة، تبعا لما قدمناه من وجوب افتقار الممكن والحادث إلى فاعل واجب، وسبب أول قديم.

يقول الفيلسوف واللاهوتي المسيحي الأمريكي ويليام لان كريج في كتابه”The Cosmological Argument”: « إذا كان الشيء فعلا يدخل في الوجود بلا سبب، فإنه يصبح من المتعذر بيان كيف أن أي شيء وكل شيء لم يدخل في الوجود بلا سبب. أي: لِمَ وُجِدَ هذا العالم بالذات دون غيره من الممكنات؟». اهـ

وقال أيضًا: « حينما نقول كل حادث له سبب. Whatever begins to exist has a cause فهذه المقدمة تبدو بوضوح صحيحة أكثر من نقيضها، فإنه من المتأصل في الحسِّ الفلسفي أن الحادث لا يدخل في الوجود بلا سبب، فإن مثل هذه الدعوى ترجع إلى ادعاء نوع من السحر! ». اهـ

فالذي لا يؤمن بوجود خالق، مضطر إلى قبول هذه المقدمة خاصة إن كان مشتغلا في العلوم الطبيعية.

اعتراضات الفيلسوف (ديفيد هيوم) والجواب عليها:

والذين لا يسلمون أن السببية مبدأ أولى، يدعون أنه لا يتوقف فهم الأثر على فهم السبب، وأشهر من انتصر للقول بنفي السببية الفيلسوف الشهير (ديفيد هيوم)، حيث نفى أن يكون مبدأ السببية قائم على أساس الضرورة العقلية، وأن السببية ليست إلا انتظاما معينا لتسلسل ما من الملاحظات، أما الانتقال إلى حتمية هذا الارتباط فيما سيكون لا ينبغي أن يكون مبنيا على أسباب واقعية أو ماضية، فهو يقول مثلا: “لو سلمنا السببية فيما شاهدنا من أجزاء العالم، فلا يمكن تطبيقه على العالم كله لأنه لم يقع تحت إدراكنا”.

والجواب: أننا قدمنا أن مفهوم الارتباط السببي بين الأثر والمؤثر هو ضرورة عقلية يلزم عن نفيها نفي الهوية، ومادام كذلك فأنه يصح لنا أن نطبقه على كل ما ثبت حدوثه وإمكانه كالعالم.

كما أننا نقول: إن العقل يجرد من المحسوس العقل قضايا كلية تكون أعم من المحسوس بحيث تصدق عليه وعلى غيره، ويجعلها مقدمات لقياساته الصادقة على الشاهد والغائب.

فحينما نقول إن كل جسمين لابد أن يكون أحدهما في جهة من الآخر، فهذه قضية كلية تلاحظ من تجريد المعنى الحسي المشاهد للجسم، ولا يلزم لصدق هذا الحكم مشاهدة كل ما يصدق عليه وصف الجسمية، فكذلك نقول إن قانون السببية لازم لماهية الممكن دون النظر ومشاهدة كل جزء من أجزاء العالم بخصوصه.

دعوى مغالطة إعطاء الكل حكم الجزء (مغالطة التركيب) والرد عليها:

وهذا الاعتراض قد وجهه هيوم وكثير من القائلين بنفي السببية، وادعوا أن فيه مغالطة التركيب، وهي إعطاء المجموع حكم الأجزاء ؛ لأننا إن حكمنا مثلا على مادة كالكربون بأنها مادة غير ضارة، والأكسجين غاز غير ضار، فلا يلزم أن ثاني أكسيد الكربون وهو المركب المتكون منهما أن يكون غير ضار، لأن الحكم الذي تأخذه الأجزاء وهي مركبة ليس بالضرورة أن يكون نفس الحكم الثابت لأجزائها مفردة.

والجواب عن هذا الاعتراض: أن الشرط في مغالطة التركيب وهي إعطاء المجموع حكم الأجزاء أن تكون الهيئة الاجتماعية الحاصلة للمجموع المركب مختلفة ومباينة عن حقيقة الجزء أو الفرد، كما لو قيل إن الواحد فرد والثلاثة فرد فيلزم أن يكون المجموع المكون منهما فردا وهو الأربعة، فهذا وجه الغلط لأن الهيئة الاجتماعية المتركبة من مجموع الأفراد مختلفة عن أجزائه، لكن أن يقال: إن كل مجموع لا يأخذ حكم الأجزاء أو الأفراد المكونة له مطلقا فغير صحيح ولا يلزم؛ إذ قد يأخذ المجموع حكم الأجزاء أن تساويا في الماهية أو الهيئة الاجتماعية كأن نقول مثلا كل جزء من أجزاء العالم: حادث ومخلوق فيلزم أن يكون العالم بأسره مخلوق؛ لأن إمكان الماهية قد ثبت للعالم كله بإقامة الدليل على استحالة القدم والتسلسل. وقد تقرر أن علة المجموع هو علة لكل واحد من أجزائه؛ لأن المؤثر إذا كان مؤثرا في مجموع الآحاد مع الهيئة الاجتماعية فقد أثر في كل جزء من أجزائه. ولو لم يؤثر في كل جزء من أجزائه جاز انتفاء ذلك الجزء، وعليه جاز انتفاء المجموع وهو وباطل.

فكرة السفر عبر الزمن وهل تبطل السببية؟

أما من يرددون بأن السفر عبر الزمن ينقض السببية إذ يمكننا السفر للماضي أو المستقبل، وعليه فيجوز وجود السبب قبل المسبب.

فنقول: إن فرضية السفر عبر الزمن Time Travel  حسب النظرية النسبية العامة لأينشتاين مبنية على اعتبار الزمان ذا وجود نسبي، فالزمن يسري في الموجودات بسرعات ونسب متفاوتة وذلك حسب اختلاف حقول الجاذبية، وفي الحقل الأعمق يتباطأ الزمان.

حقيقة مفهوم الزمان:

ونحن نعتقد أن الزمن ليس له وجود نسبي، بل هو مفهوم اعتباري يلاحظ من اشتقاق التغير والحدوث في أجسام العالم، أي هو دالة حسابية بين متغيرين، وعليه فالانتقال عبر الزمن مستحيل عقلا، ومعظم العلماء لا يعتقدون بجوازه، ولا يوجد تجربة واحدة تدلل عليه.

يقول الدكتور جواد بشارة في كتاب ( الكون المرئي بين الفيزياء والميتافيزيقا، ص 35): «أضافت النسبية الزمن كبعد رابع بالإضافة إلى الأبعاد المكانية الثلاثة، تقول إن الزمان والمكان مرتبطان معا ولا يمكن أن يوجد أحدهما بمعزل عن الآخر، إننا نستطيع أن نتحرك في الأبعاد المكانية بكل حرية ويمكننا ركوب آلات مثل الطائرة أو الصاروخ التي تنقلنا في البعد المكاني الثالث “الارتفاع” ومن هذه الفكرة البسيطة عن الأبعاد يمكن أن ننتقل عبر الزمن بهذه الصورة، لكن النظر إلى ما سبق يعد مفهوما كلاسيكيا فحسب، حيث يفترض أن الزمن مقياس مطلق لسرعة حركة هذه الأجسام، وقد توصلت باحثة ألمانية معاصرة إلى إثبات عدم إمكانية السفر عبر الزمان إلى الماضي، وذلك من خلال دراستها لنظرية أينشتاين بواسطة أي وسيلة تقنية سواء كانت خيالية أو افتراضية تسمى آلة الزمان» اهـ.

اعتراض للفيزيائي الأشهر ستيفن هوكنج والرد عليه:

كذلك من المفاهيم التي يقدمها الفيزيائي الكبير ستيفن هوكنج في كتابه الأشهر «تاريخ موجز للزمن» للتدليل على جواز أن ينشأ العالم من العدم دون احتياج إلى الخالق أو الفاعل – مفهوم “الزمن التخيلي” Imaginary Time ، وهو تطبيق  لمفهوم الرقم التخيلي، ومعناه أننا إذا بحثنا عن الجذر التربيعي لرقم مثل (-4) فلن نجد رقما حقيقيا إذ أن ( -2 × -2 = 4)  لذلك قام هوكنج بوضع رمز (x) يشير به إلى هذا الرقم الذي لا وجود له، ووضع (x) في معادلاته الخاصة بحساب الزمن، فنتج زمن تخيلي، عندما استخدمه هوكنج في حساباته أزال الحاجة إلى موجد أول.

وهذه مغالطة واضحة لأن مفهوم الأرقام التخيلية إذا كان صحيحا من الناحية الرياضية، فلا اعتبار له من الناحية التطبيقية، وهذا أشبه بمفهوم الما لانهاية ∞ في الرياضيات، فإنه وأن كان مستخدما رياضيا، لكن تطبيق الما لانهاية تطبيقيا على الموجودات يستحيل عمليا وفيزيائيا كما برهن العلماء.

يقول سير هيربرت دنجل  Sir Herbert Dingle رئيس الجمعية الفلكية الملكية بإنجلترا، «أنه إذا كان مفهوم الأرقام التخيلية صحيحا من الناحية الرياضية، فلا اعتبار له من الناحية التطبيقية، ويستدل على ذلك بمثال بعرفه كل التلاميذ الدارسين للرياضيات: وهو إذا كان عدد الرجال المطلوبين لوظيفة ما هو (x)، وكانت x في بعض المعادلات: موجبة أو سالبة، عددا صحيحا أو كسرا، عددا تخيليا أو مركبا أو صفرا أو حتى لا نهاية، أو أي شكل من الأشكال التي ولدتها عقول الرياضيين، فإننا بالتأكيد سنعتبر x (عدد الموظفين المطلوبين) رقما صحيحا موجبا، ونرفض باقي الاحتمالات.

فالرياضيات لا تستطيع وحدها الاختيار بين البدائل في المثال السابق، وسنعتمد على المنطق العقلي والخبرة والتجربة. اهـ

ومن ثمّ نقول: إن الزمن التخيلي الذي نشأ عن وضع الأرقام التخيلية في معادلات هوكنج، لا اعتبار له، وسينقلب إلى زمن حقيقي إذا استبدل الرقم التخيلي برقم حقيقي، عندها ستظهر الحاجة إلى “المسبب الأول”.

هل الفيزياء الكمية تثبت نقض السببية وتجوز وجود موجود من لا شيء؟

وأما ما يتعلق بنظرية تذبذب الفراغ الكمومي quantum vacuum fluctuations، وظهور الجسيمات الافتراضية في المستوى تحت الذري بلا سبب، وأنه ينافي السببية، فالمقصود بهذا الكلام هو محاولة تفسير من بعض الفيزيائيين الملحدين بجواز وجود شيء لا من شيء أو بدون سبب ومؤثر، وحقيقة الأمر أن فيزياء الكم هي تصف العلاقات ما دون الذرية التي لا تستطيع ميكانيكا نيوتن وصفها، لأن للجسيمات دون الذرية خصائص ومواصفات مناقضة ومختلفة عن خصائص الجسم العادي.

وهؤلاء يقولون إن الجسيمات الافتراضيةVirtual Particles   تنشأ من مكان فارغ إذا الشيء يمكن أن يوجد الشيء من العدم وبلا سبب.

والجسيمات الافتراضية هي جسيمات تنشأ خلال فترة قليلة جدا من الزمن في موقع ما ثم تختفي لتظهر في مكان آخر وهي في الحقيقة تنحل من إشعاعات كهرومغناطيسية عند انخفاض الضغط عند التفريغ.

وينبغي التوضيح أن ليس هناك مشكلة في القول بأن الأجسام الافتراضية بأنواعها الكثيرة المتعددة قد وجدت من الطاقة سواء كانت هذه الطاقة موجبة او سالبة.

فيبقى السؤال هل كان في هذا الفراغ طاقة أم كان فارغا حقا وكان عدما محضًا؟

وفقا لمبدأ عدم الدقة لهايزنبرج فإن قيمة مجال معين ومعدل تغيره يلعبان نفس الدور مثل الموضع والسرعة لجسم معين حيث كلما كان أحدهما أكثر دقة في التحديد كان الآخر أقل دقة في التحديد ونستفيد من هذا فائدة مهمة وهى أنه لا يوجد شيء اسمه فضاء فارغ وذلك بسبب أن الفضاء الخاوي يعنى أن كلا من قيمة المجال ومعدل تغيره يساويان صفر بالضبط (إذا كان معدل تغير المجال ليس صفرا بالضبط الفضاء لن يبقى فارغا ) ومبدأ عدم الدقة لا يسمح لقيمة كلا من المجال ومعدل تغيره أن يكونا محددين معا ولذلك الفضاء لن يكون فارغا أبدا ولكنه سيبقى في الحالة الدنيا من الطاقة التي تسمى فراغ.

وبناءً على الطريقة التقليدية غير الحتمية: فإن الجسيمات لا تأتي إلى الوجود من غير شيء، كما يقولون، بل إنها تظهر كتذبذب لحظيّ للطاقة الكامنة في الفراغ الكميّ Quantum vacuum، مما يشكل سببًا غير محدَّد لنشأتها.

ولذلك فلا حجة لمن يقول: إنَّ الفيزياء الكمية أثبتت أنَّ الأشياء تظهر في الوجود بلا سببٍ، فضلا عن القول بأن العالم كله ظهر فجأة إلى حيز الكون (الوجود) من لا شيء حرفيًّا!

ونحن إن فرضنا حالة حدثت وعلمنا أنه ليس لها سبب فيزيائي، وبالضرورة المنطقية لها سبب، إذن: لها سبب غير فيزيائي، وهذا الذي نثبته نحن “المؤمنين” انتهاء!

فهم يجعلون عدم اكتشاف السبب، دليل على نقض السببية وهو باطل.

نشأة الحياة في الكون وضرورة وجود خالق ومصمم متقن:

وكذلك من ينظر في نشأة الحياة في هذا الكون ويدعي أنها جاءت اتفاقا وصدفة، فإن هذا القول يكاد يكون مستحيل عمليا وأكثر غرابا ولا منطقية من القول بنشأة أجسام الكون، فلو كان كل هذا بالصدفة والاتفاق، فكم من الزمان استغرق تكوينه بناء على قانون الصدفة الرياضي؟

إن الأجسام الحية تتركب من (خلايا حية) وهذه (الخلية) مركب صغير جدا ومعقد غاية التعقيد، وهى تدرس تحت علم خاص يسمى (علم الخلايا)Cytology. ومن الأجزاء التي تحتوى عليها هذه الخلايا: البروتين وهو مركب كيماوي مكون من خمسة عناصر هي الكربون والهيدروجين والنتروجين والأوكسجين والكبريت،  ويشمل الجزيء البروتيني الواحد أربعين ألفا من ذرات هذه العناصر!

وفي الكون أكثر من مائة عنصر كيماوي كلها منتشرة في أرجائه، فأية نسبة في تركيب هذه العناصر يمكن أن تكون في صالح قانون (الصدفة) ؟ وهل يمكن أن تتركب خمسة عناصر-من هذا العدد الكبير-لإيجاد (الجزيء البروتيني) بصدفة واتفاق محض؟

إننا نستطيع أن نستخرج من قانون الصدفة الرياضي ذلك القدر الهائل من (المادة) الذي سنحتاجه لنحدث فيه الحركة اللازمة على الدوام ؛ كما نستطيع أن نتصور شيئا عن المدة السحيقة التي سوف تستغرقها هذه العملية.

لقد حاول رياضي سويسري شهير هو الأستاذ (تشارلز يوجين جواي) أن يستخرج هذه المدة عن طريق الرياضة، فانتهى في أبحاثه إلى أن (الإمكان المحض) في وقوع الحادث الاتفاقي-الذي من شأنه أن يؤدى إلى خلق كون، إذا ما توفرت المادة-هو واحد على 60/10 (أي 10×10 مائة وستين مرة). وبعبارة أخرى: نضيف مائة وستين صفرا إلى جانب عشرة! وهو عدد هائل وصفه في اللغة.

إن جزيء البروتين يتكون من (سلاسل) طويلة من الأحماض الأمينية Amino-Acids وأخطر ما في هذه العملية هو الطريقة التي تختلط بها هذه السلاسل بعضها مع بعض فإنها لو اجتمعت في صورة غير صحيحة سما قاتلا، بدل أن تصبح موجدة للحياة.

لقد توصل البروفيسور ج. ب. ليتزG. B. Leathes  إلى أنه لا يمكن تجميع هذه السلاسل فيما يقرب من 48/10 صورة وطريقة. وهو يقول: إنه من المستحيل تماما أن تجتمع هذه السلاسل-بمحض الصدفة-في صورة مخصوصة من هذه الصور التي لا حصر لها، حتى يوجد الجزيء البروتيني الذي يحتوى أربعين ألفا من أجزاء العناصر الخمسة التي سبق ذكرها.

ولابد أن يكون واضحا أن القول بالإمكان في قانون الصدفة الرياضي لا يعنى أنه لابد من وقوع الحادث الذي ننتظره، بعد تمام العمليات السابق ذكرها، في تلك المدة السحيقة ؛ وإنما معناه أن حدوثه في تلك المدة محتمل لا بالضرورة، فمن الممكن على الجانب الآخر من المسألة ألا يحدث شيء ما بعد تسلسل العملية إلى الأبد!

وهذا الجزيء البروتيني ذو وجود (كيماوي) لا يتمتع بالحياة إلا عندما يصبح جزءا من الخلية، فهنا تبدأ الحياة، وهذا الواقع يطرح سؤالا مهما: من أين تأتى الحرارة عندما يندمج الجزيء بالخلية؟ ولا جواب عن هذا السؤال عند غير المؤمنين.

وعليه، فيستحيل عقلا القول بأن نشأة الكون جاءت بمحض الصدفة، وأنه ظهر للوجود من العدم بدون سبب قديم، وأن هذه الحقائق لا تتعارض مع العلم والفيزياء، والله أعلم

قم بتقييم المحتوي