2-حول مزاعم ستيفن هوكنج موت الفلسفة.

.

مصطفى أحمد ثابت

إحدى وجهات النظر الشائعة في تبيين ماهية الفلسفة، وما وظيفتها وجدواها، هي تلك الوجهة من النظر التي يتبناها كثير من الفلاسفة المعاصرين لاسيما التحليليين منهم، التي تنظر إلى الفلسفة بوصفها تحليلا للمقومات والأركان والدعائم التي تقوم عليها الحياة العقلية في العصر الذي توجد الفلسفة فيه، فإن كانت تلك الأركان دينية كالعصور الوسطى كانت مهمة الفلسفة تحليل دعائم الدين وإثبات مقوماته، بعبارة أخرى كانت الفلسفة هي فلسفة الأديان. وإن كانت تلك الأركان (سياسية -اجتماعية) مثلاً كما حدث في فرنسا أثناء الثورة الفرنسية كانت مهمة الفلسفة هي تحليل النظم السياسية القائمة وما هي الأسس التي قامت هي، وما هي معيارية صحتها، والبحث في مقومات المجتمع وعناصره وطريقه إلى الحياة …. وهكذا.

ومعلوم طبعا أن عصرنا هذا يحتل العلم مكان السبق من واجهته العقلية والفكرية والثقافية حتى شاع وصفه بأنه “عصر العلم”ـ وتمشيا مع هذه الوجهة من النظر، تكون فلسفة العصر الراهن أولا وقبل كل شيء هي الفلسفة التي تحاول فهم ظاهرة العلم فهما يعمقها؛ فتبحث في خصائصه ومقوماته، والتنظيم الأمثل لمناهجه، ومحاولة حل مشاكله التي تخرج عن دوائر اختصاص العلماء…… أي فلسفة العلم.

هذه هي رؤية بعض أقطاب المدارس المعاصرة الآن الذين بهر التقدم الهائل للعلم أنظارهم فآمنوا بعلمية الواقع وعلمية الحياة الإنسانية، ثم أرادوا أن تنسحب هذه الخاصية العلمية على الفلسفة مثلما انسحبت على سائر قطاعات الحياة فتكون الفلسفة إما علمية أي تحل المشاكل الفلسفية التقليدية مستفيدة بإنجازات العلم، كما يرى برتراند راسل مثلاً[1]، وإما أنها مقصورة على فلسفة العلم أي تبحث في مشاكل العلم فقط كما يرى الوضعيون المناطقة مثلا. إنهم معبرون عن تيارات انبهروا بالعلم انبهارا شديدا؛ فنجد الكثيرين من المشتغلين من المشتغلين بالفكر الفلسفي خصوصا في الغرب حيث معقل العلم، يقرّون كبديهة ومن غير حاجة إلى نقاش أن كل ما عدا فلسفات العلم ومناهج البحث، من مخلفات عصور الجهالة، ينبغي أن يوضع في متاحف التاريخ.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب في السنوات الأخيرة مدى أبعد من ذلك؛ حيث رأينا بعض رجال العلم الطبيعي التجريبي يعلنون موت الفلسفة، وعدم جدواها، والإفساح للعلم ليكون هو المجيب عن كل أسئلة العقل المعاصر بما فيها الأسئلة الوجودية الكبرى التي تحدد نظرته للكون والحياة، ومن هؤلاء عالم الفيزياء النظرية الذائع الصيت ستيفن هاوكنج حيث يقول في مقدمة كتابه التصميم العظيم:

«طالما طرح الناس العديد من الأسئلة: كيف يمكننا فهم العالم الذي نجد أنفسنا فيه؟ كيف يتصرف الكون؟ ما هي طبيعة الواقع؟ من أين أتى كل هذا؟ هل احتاج الكون إلى خالق؟

معظمنا لا يقضي غالبية وقته في القلق بشأن هذه الأسئلة، لكن جميعنا تقريباً يقلق بشأنها في بعض الأوقات. تقليدياً، كانت هذه أسئلة للفلسفة، لكن الفلسفة قد ماتت. لم تواكب الفلسفة التطورات الحديثة في العلم، لا سيما الفيزياء. لقد أصبح العلماء هم حملة شعلة الاكتشاف في سعينا للمعرفة».[2]

إذن فهاوكنج هنا يُحاول استبدال البحث الفلسفي بالبحث العلمي؛ للإجابة عن الأسئلة التي هي أسئلة فلسفية بالمقام الأول؛ لأنه يعتبر أن الفلسفة ماتت منذ زمن، ولو أردنا أن نكون موضوعيين أكثر لقلنا إن تلك الأسئلة هي مثل العملة التي لها وجهان؛ أحد الوجهين يتعلق بالعلوم الطبيعية، والوجه الآخر يتعلق بالفلسفة والبحث العقلي لأن البحث عن مكونات العالم وكيفية عمله هو بحث فيزيائي ولكن البحث عن تفسير احتياج الكون للسبب الموجد له هو بحث فلسفي؛ ولذلك فليس ذلك مبررا للاستغناء عن الفلسفة، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن هناك سؤالا قبل ذلك هو أهم: إذا كان العلم التجريبي هو صاحب السلطة العليا على جميع العلوم والمعارف كما يروج كثير من العلماء التجريبيين اليوم فمن الذي يمتلك حق وضع المبادئ الحاكمة لهذا العلم؟، وهل القوانين العلمية المتبعة في العلم التجريبي مستمدة من الواقع المادي فقط أم بعضها مُستَنبَط ومعتمد على معارف قبلية لا يمكن تجاهلها؟ بعبارة أخرى هل القواعد العقلية والفلسفية هي الحاكمة والمهيمنة على القوانين التجريبية؟ أم أن العكس هو الصحيح؟ هذا هو السؤال لذي نحاول أن نقدم إجابة عليه في المقال القادم.


[1] See: Bertrand Russel: An Outline Of Philosophy, George Allen and Unwin, London 1927.

[2]  التصميم العظيم (The Grand Design)، ستيفن هوكينج وليونارد ملودينو، ص 1

قم بتقييم المحتوي