في كلمة ألقاها في جامعة السوربون، قال الدكتور محمد الخشت أستاذ الفلسفة ورئيس جامعة القاهرة السابق حول العلم والفلسفة والدين: «إن العلم التجريبي يقوم معرفيا حول فكرة الضرورة والكلية، إلا أن الغزالي رفض الضرورة والكلية والسببية تبعا للتقليد الأشعري، وهذا التقليد رغم أن ظاهره لا يتعارض مع العلم، إلا أنني شخصيا أرى أنه ضد مفهوم العلم؛ لأنه يفتح المجال للقول بالخوارق والكرامات، وهو ما يؤدي إلى انهيار فكرة السنن الطبيعية.
ثم يُتبع الدكتور الخشت كلامه قائلا عن الأشاعرة: هم يتخيلون الكون بحاجة دائمة إلى الله سبحانه وتعالى، لأنهم يزايدون على الإيمان، وكأن الكون آلة ميكانيكية خربة تحتاج إلى تدخل إلهي بشكل مستمر، فنحن لا نحتاج إلى القول بأن الله يتدخل بشكل مستمر حتى نُعظّمه، لكني أتصور أن عظمة الله تتجلى أكثر إذا كان الكون قادرا على أن يعمل ذاتيا بشكل مستقل، فالغزالي كان كارثة على العالم الإسلامي لأنه تسبب في حصول الانحدار الذي حصل بعده في التيار العقلاني البرهاني، ثم جاء ابن رشد بعده واستطاع إنقاذ البرهان، لكنه أنقذ البرهان بطريقة كتب لها النجاح عندما انتقل هذا الفكر إلى أوروبا، وطبعا كانت السوربون إحدى المعاقل لنقل الفكر الرشدي إلى اللاتينية، لكن للأسف هذا الفكر الرشدي لم يُكتب له الانتصار في العالم الإسلامي؛ وسادت الأشعرية وساد الغزالي وسادت الأسطورة، فالموقف الأشعري والغزالي ظاهره مع العلم وباطنه ضد مفهوم التقدم العلمي». اهـ [1]
هذه الدعاوي سردية مشهورة أطلقها بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر وتبناها الدكتور محمد عابد الجابري والرشديين العرب، وكررها الدكتور الخشت تقليدا بلا أي نظر نقدي
وفي سبيل إنكار هذه الدعوى، فقد ادعى الفلاسفة أن الحوادث كلها إن كانت مستندة إلى الفاعل المختار لاستلزم ذلك أمورا مستبعدة كإمكان أن تنقلب الجبال إلى ذهب، وأنهار المياه إلى لبن، وينقلب أهل السوق حكماء وأقمشتهم كتبا وصيرورة أواني المطبخ أئمة زهادا، لإمكان ذلك وجواز تعلق قدرة الله به، ويلزم من ذلك ألا يعود شيء من علومنا يقينيا.
ويكفي في صحة القوانين العلمية التجريبية الديمومة والاستمرار والثبات، وهو ما يسميه الغزالي العادة المُطّردة
يقول البروفيسور ميشيل مرمورة 1929- 2009 م الأستاذ في قسم حضارات الشرق الأدنى والأوسط بجامعة تورنتو في كندا، والمتخصص في فلسفتي ابن سينا والغزالي وهو الذي قام بترجمة قسم الإلهيات من موسوعة الشفاء للإنجليزية: «رغم نوايا الغزالي اللاهوتية في هجومه على السببية؛ فإن حجته القائلة: إن العلاقات السببية الضرورية في الطبيعة لا يمكن البرهنة عليها منطقيا ولا تجريبيا، تظل حجة فلسفية في الأساس». [2]
[1] لمشاهدة كلمة الدكتور الخشت: https://youtu.be/8Mf-BqH6DhE?t=421
[2] دليل كيمبريدج في تاريخ الفلسفة العربية، تحرير بيتر آدامسون وريتشارد تايلور. ص 192 ط مؤسسة مؤمنون بلا حدود.