هل يطالب الدين أتباعه بالإيمان الأعمى؟

.

“والمسلم المتعلم إنما يكون مسلماً متعلماً بالاستقلال في العقيدة الدينية. ولا يجوز للمسلم تقليد غيره من المسلمين في العقيدة فما ظنك بتقليد غير المسلمين؟”

شيخ الإسلام مصطفى صبري

الحمد لله،

كنت في زيارة بعض الأصدقاء لما سألتني خطيبة أحدهم عن طبيعة عمل المؤسسة التي أعمل بها. فلما شرحت لها بعض نشاطات المؤسسة والتي من ضمنها مبادرة سؤال، قالت لي: “كيف تستدلون على صحة المعتقدات الدينية؟ أليست هذه الأمور تؤخذ بالإيمان وتحتاج لشيء من الثقة مع غياب الدليل؟” وفي موقف آخر كنت أشرح لأستاذ لي في كلية الاقتصاد الأسباب التي جعلتني أترك مجال الاقتصاد وأتجه لتعلم العلوم الشرعية، ومن ضمن الأسباب أن الشباب تائه في معترك الأفكار الرائجة في عصرنا مما يجعل تمسكه العقلي والروحي بالدين أصعب. فقال لي الأستاذ: “الدين يكون بالإيمان وليس بالدليل.” والحقيقة أن هذه الفكرة وإن دلت على قوة إيمان أصحابها، فهي ليست من المفاهيم الإسلامية بالمرة، وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام مصطفى صبري في الاقتباس الموجود أعلى المقالة وهو من كتابه: (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين).

هذه الفكرة التي تدعو إلى كون الإيمان قرار غير مبني على دليل تسمى بالقفزة الإيمانية (leap of faith)، وهذا المصطلح مدين في نشأته في هذا السياق للفيلسوف الدنماركي المسيحي البروتستانتي الوجودي سورن كيركغارد. ولكل وصف من الأوصاف السالفة صلة بمعنى القفزة الإيمانية.

فكونه دنماركيا يشير أنه كان يعيش في عالم وسياق فكري مختلف عن العالم والسياق الفكري للمسلمين، وكونه مسيحيا يشير إلى أن معتقداته التي يقفز إليها ليست هي معتقدات المسلمين، وكونه بروتستانتيا يشير إلى أنه من طائفة مسيحية لم تمتلك الأدوات الفلسفية والمنطقية التي تعينها على الخوض في المباحث الميتافيزيقية بخلاف الكاثوليك فإنهم لديهم تراث فلسفي أرسطي شديد القوة، وكونه وجوديا يشير إلى كون كتاباته فيها ردة فعل المجتمع المادي الصناعي الأوروبي. والقاريء لفلسفة كيركغارد أو تبعاتها لا ينبغي أن يخلي ذهنه عن هذه الاعتبارات.

ولنا أن نضيف أن كيركغارد عاش في الحقبة الزمانية التالية لهيغل مباشرة، وكان ناقدا لهيغل لأسباب من ضمنها التعقيد الذي عقده هيغل للفلسفة المسيحية. فهو قدمها بطريقة فلسفية غير سلسة، لا يسهل على المسيحي العادي أن يقرأها ويستلهم منها أسلوبا للمعيشة يتوافق مع مسيحيته. أما كيركغارد فقد كتب بلغة سهلة، وفي مواضيع مرتبطة بما يمر به الإنسان المتوسط في الحياة، مما يجعل فلسفته معينة للإنسان المسيحي على حياته وعلى تطبيق المسيحية في حياته اليومية.

ومن الجدير بالذكر أن هيغل كان يرى إمكان اجتماع النقيضين، وقد تأثر في ذلك بكانط تأثرا قد لا يكون مباشراً. فالذي دفع بكانط إلى تأسيس مذهبه الفلسفي هو ما وجده في عصره من إمكانية الاستدلال العقلي على الشيء ونقيضه في أربع مسائل مهمة في الميتافيزيقا، مما أدى به إلى القول بأن العقل غير قابل للحسم في مثل هذه القضايا. ومن المعلوم أن الميتافيزيقا التي ينتقدها كانط هي الميتافيزيقا التي سادت أوروبا في القرن والنصف السابقين لكانط والتي بدأت مع ديكارت ولا علاقة لها بالنظام الميتافيزيقي الأرسطي.

بهذا يتضح أن كيكغارد مرتبط في فلسفته بالسياق التاريخي والفكري الذي بدأه ديكارت إلى أن وصل إلى كيكرغارد عن طريق فلاسفة الغالبية العظمى منهم مسيحيون، وبالتالي هو مرتبط بسياق خاص لا ينبغي اسقاطه على ديانة غير ديانتهم (الإسلام) وعلى نظام فلسفي غير نظامهم (الأرسطي).

فكيركغارد نشأ في فترة كانت أوروبا قد فقدت الأمل في إمكانية الاستدلال على صحة معتقداتها بالعقل، ورأت أن العقل إما أن يصطدم مع نفسه وإما أن يصطدم مع معتقدات دينية مثل حلول الإله في جسد عيسى مع احتفاظ الإله بماهيته، ومثل المعجزات. وقد استأنس كيركغارد في كلامه عن القفزة الإيمانية بقصة سيدنا إبراهيم لما أمره الله سبحانه وتعالى بذبح ابنه اسحق (الرواية الانجيلية للقصة تقول أن الابن هو سيدنا اسحق عليه السلام بينما تقول الرواية القرآنية أن الابن المأمور بذبحه هو سيدنا إسماعيل عليه السلام). فيقول كيركغارد أن الله سبحانه وتعالى أمر سيدنا إبراهيم بما يخالف عقله وطبيعته مما يستدعي قفزة إيمانية من قبل سيدنا إبراهيم تعينه على تقبل أن الله –مع ما أمر به من مشقة– م يأمره إلا بما فيه الخير له. والمعنى الذي يشير إليه كيركغارد هو معنى رائق في التدين والصلة بالله والتسليم لمراد الله لكنه لا يتعلق بأصل الإيمان ولكنه ثمرة من ثمراته.

هذا فيما يتعلق بنشأة فكرة القفزة الإيمانية وتلقي المعتقدات بدون دليل، وكونها فكرة ناشئة بعيدا عن الفكر الإسلامي. أما ما يتعلق بموقف الفكر الإسلامي من هذه القفزة فهو معروف عند طالب العلم المبتديء الذي درس متن جوهرة التوحيد للإمام إبراهيم اللقاني، وهو متن يدرسه المبتدئون في العقيدة. يقول الإمام اللقاني:

إذ كل من قلَّد في التوحيد * إيمانه لم يخلُ من ترديد

والتقليد هو أخذ القول بغير دليل. فالإمام اللقاني يقول أن كل من بنى إيمانه على غير دليل بنى إيمانه على أصل ضعيف يجعله مترددا في إيمانه. وطرح العلماء الأسئلة حول إيمان هذا المقلد، فقالت المعتزلة أن إيمانه غير صحيح، وهذا الرأي لم يقبله أهل السنة، إذ قالوا أن إيمانه صحيح لكن اختلفوا هل هو عاصي أم لا. فقال بعضهم أن كل مقلد في الاعتقادات عاصي، وقال غيرهم وهو الرأي الراجح عند أهل السنة أنه يكون عاصيا إن كانت عنده أهلية النظر، ولا يكون عاصيا إن لم تكن عنده هذه الأهلية. وبذلك نتوصل إلى أن الإنسان الذي لديه قدرة على معرفة الدليل على صحة اعتقاده يجب عليه أن يعرفه وإلا أثم، وهذا معنى قول شيخ الإسلام مصطفى صبري أن المسلم لا يجوز له تقليد غيره من المسلمين في الاعتقاد. ولم يكتف العلماء بعَدِّ معرفة العقائد بالدليل من الواجبات الدينية، بل عدوه أول الواجبات. قال الإمام اللقاني:

واجزم بأن أوَّلاً مما يجب * معرفةٌ وفيه خُلف منتصب

أي أن أول الواجبات على المكلَّف هي المعرفة، والمعرفة هي الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل. وأما الخلاف الذي يذكره في البيت أعلاه هو خلاف بين العلماء حول أول واجد على المكلف، فمنهم من قال بأنه المعرفة، ومنهم من قال أنه النظر والبحث المؤدي إلى المعرفة، ومنهم من قال أنه القصد إلى النظر والبحث. وهذا الخلاف لا يغير من طبيعة المسألة ولا من كون هناك أولوية لترسيخ الإيمان بمعرفة الأدلة.

وهذه الأقوال للأئمة ليست بأقوال جديدة ناشئة عن ردة فعل للهجوم الذي يتعرض إليه الدين من كون اتباعه يؤمنون به إيماناً أعمىً مخالف للعلم والعقل، بل هي أقوال ترجع إلى القرون الأولى للإسلام. وأما مفاهيم القفزة الإيمانية والإيمان الأعمى فهي مفاهيم لا تمت للفكر الإسلامي بصلة، وقد أوضحت أنه نشأت في بيئة غريبة عن الإسلام وأهله. وبهذا يندفع الإشكال الذي يورده القائلون بان الدين يدعو الإنسان لترك عقله.

وأنا أطلب من الشباب المسلم أن يحصن إيمانه بالأدلة العقلية على صحة الإيمان في هذا الزمن الذي كثر فيه التطاول على الدين والتشويش على معاني الإيمان وقيمه ومن قبل وسائل شتى. كذلك أطلب من المستوردين للأفكار الغربية بدون فهم لحقيقة الفكر الغربي ولا لحقيقة الفكر الإسلامي أن يكفوا عن ترويج أفكارٍ هم يجهلون بها وبالفكر الذي تستند هذه الأفكار المروجة عليه. فالضرر المعنوي الذي يتسبب فيه هذا الجهل المروج له لا يقل عن أي ضرر مادي من الممكن أن يسببه أحد إلى غيره. بل الضرر المادي يؤدي بالأمم من الغنى إلى الفقر والضرر المعنوي يؤدي من العلم إلى الجهل، فأي الضررين أكبر وأخطر؟

قم بتقييم المحتوي