هل “القرآن الكريم” يؤيد القول بصحة جميع الأديان؟

د. جاد الله بسام

د. جاد الله بسام
باحث في العلوم العقلية وتفسير القرآن

من المفكر الإسلامي الذي لا يعرف قولَ الله تعالى في القرآن الكريم: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]؟ ومن يمكنه أن يتغافل عن قول الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ؟!

لمن هذه الكلمات؟!

لعلّ بداية كهذه قد تكون صادمة لمن يحبّ البحث ويكره النهايات الحتمية، بل هي غير مرغوبة لمن يتشوق إلى مطالعة مقال ذي حرارة دينية وفلسفية بين أتباع الأديان، أعترف بهذا!! ولكن.. يهدف مقالي إلى تسجيل موقف قرآني واضح من “فلسفة التعددية الدينية”، ويقصد منها في المعنى الفلسفي الدقيق: “صحة جميع الأديان”، والتي لا يمثل الإسلام إلا ديناً واحداً منها فقط.

وإنما جعلت معرفة موقف القرآن هدف مقالي؛ لأنّ بعض المفكرين في الأوساط الإسلامية من توجّهات شتى زعموا أنّ القرآن الكريم يؤيّد التعددية الدينية -بمعناها الفلسفي لا بمعنى التعايش، ويقرّ بصحة الأديان الأخرى المغايرة للإسلام، والمراد بالصحة هنا أنه مطابق للواقع، ويكفل النجاة في الآخرة والخلاص بين يدي الله تعالى، فكلامي هنا موجه إلى المسلمين في الخصوص، فكلهم يؤمنون بالقرآن ويعترفون بأنه كلام الله تعالى، ويعترفون بأنه يلزمنا كمسلمين اتباع القرآن والتصديق بما فيه، ويتوقع منهم أن يجعلوا موقفهم تابعاً لموقف القرآن.

قبل عرض الآيات القرآنية.. منهجية أصيلة لا بدّ منها

القرآن كتاب أُنزِل باللّسان العربيّ، وهو وحدةٌ واحدة محكمة، ثم فصّلت إلى سور وآيات وموضوعات لتناسب عرض الأفكار ومناقشتها وإيصالها لكافة الناس الذين تتفاوت منازلهم ومشاربهم وعقلياتهم، وهو قبل ذلك كلام ربّ العالمين الواحد الأحد، كتاب متّسق منسجم، لا تناقض فيه ولا خلل، هذا ما نؤمن به نحن المسلمين، ولكل قضية من هذه القضايا براهينها العقلية الدامغة التي نحاجج بها غير المسلمين، وهي ملخصة في قول الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فليس إيمان المسلمين بها إيماناً أعمى خالياً عن الدليل، بل “جعل الله القرآن كتاب الأمة كلها وفيه هديها، ودعاهم إلى تدبره وبذل الجهد في استخراج معانيه في غير ما آية، كقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]”([1]).

آياتٌ محكمة واضحة لكل منصف

أسوق هنا بعض آيات القرآن التي تشهد بأن “الإسلام” هو الدين الحق، ونلاحظ في هذه الآيات أن سياقها محاججة أهل الكتاب وأصحاب الأديان الأخرى، وإلزامهم بصحة الإسلام الذي يشتمل على التوحيد والانقياد لرب العالمين ومحمد صلى الله عليه وسلم، وفيها يظهر بوضوح الإنكار على من لم يتبع الإسلام.

قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19]، وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَام} [المائدة: 3]، وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} [الصف: 7]، وقال سبحانه: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون} [آل عمران: 83].

إنّ الإسلام هو الدّين الذي بُعث به النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ترد شبهة على الاستدلال بهذه الآيات، فلعلّ قائلاً يقول: إنّ الإسلام هنا يراد به المعنى اللغويّ، وهو الخضوع والانقياد، لا المعنى الاصطلاحي، وهو الإسلام الذي جاء به النبي محمد خاصّة، فالجواب: أنّ الإسلام إنْ كان بمعنى الخضوع والانقياد فيستلزم الخضوع لدعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فالمؤدّى واحد على كل حال، وهو وجوب اتباع الإسلام، قال الطبري: “وكذلك الإسلام، وهو الانقياد بالتذلل والخشوع، والفعل منه: أسلم، بمعنى: دخل في السلم… وهو الانقياد بالخضوع وترك الممانعة”([2])، ثم جاء الطبريّ بالآثار التي تشير إلى تضمّن الإسلام للشهادتين واتباع النبيّ محمّد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فالمعنى اللغوي يستلزم الاصطلاحي.

وهناك آيات أخرى تؤكد أن الإسلام المطلوب هو رسالة النبيّ محمد، حيث تأمرُ أهل الكتاب باتباع دينه، وتلزمهم بالدخول فيه، وتذم المخالفين بوضوح، مثل: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [آل عمران: 20]، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الأعراف: 157].

الآيات المتشابهة التي تلتبس على الأفهام

الذي يقرأ القرآن وفق المنهجية التي ذكرناها سابقاً لا يمكنه أنْ يغفل النّظر عن عشرات الآيات التي تأمر بالإسلام حصراً وتنهى عن اتباع غيره، وتوجب اتباع النبيّ محمد في دعوته، وقد ذكرنا بعضها فقط، فيفترض ممن تشتبه عليه أي آية تخالف مبدأ “وجوب الدّخول في الإسلام” “وبطلان الأديان الأخرى”، يفترض فيه أن يرجع إلى هذه الآيات، ويفسر الأمور في ضوء ما هو قطعيّ.

ولنذكر الآن بعض الآيات التي قد تشتبه على الأذهان، لبيان الوجه الصحيح في فهمها بصورة مختصرة بقدر ما يتسع له المجال، فمن أهمّ ما يذكر وأكثره إشكالاً في بعض الأذهان:

{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125].

الآية ثناء من الله تعالى على من اتبع ملة إبراهيم، وهي الإسلام نفسه، لا اليهودية ولا النصرانية، بدليل قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين} [آل عمران: 67]، فتكون الآية بناء على ذلك ثناء على الإسلام، وإبطالاً لغيره من الأديان، ولا تدل الآية على أن الخلق الحسن كافٍ، بل تطلب بوضوح الإسلام لله، ومن ذلك الإيمان بأنبيائه، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.

  1. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة: 62].

تنصّ الآية على استواء أتباع كل الأديان في شروط النجاة يوم القيامة، فكلّهم يطلب منه الإيمان بالله واليوم الآخر وإصلاح العمل حتى ينجو يوم القيامة، ومن ذلك الإيمان بالأنبياء الذين بعثهم الله، فالإيمان بالله متضمِّن للإيمان بالأنبياء، ومنهم خاتم الأنبياء ورسالته الإسلام.

ولا تدلّ الآية على نجاة أصحاب الأديان بدون قيد أو شرط، بل أوضحت الآية أن النجاة مشروطة بالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح الذي يكون موافقاً للشرع، ولا يكون ذلك إلا بالإيمان بالأنبياء وشرائعهم، لأنه لا معنى أن يؤمن الإنسان بالله ويكفر بأنبيائه([3])، وأيضاً يلزمنا أن نقرن الآية السابقة بقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} [الحج: 17]، فهذه الآية تبين أنّ الله يفصل بين أهل الأديان في ادعائهم حقيّة أديانهم، فيظهر الدين الحق من الباطل.

وبعض المفسرين جعل قبول الأديان المذكورة ممن لم تبلغه الدعوة فقط، قال الشيخ محمد طنطاوي: “والإيمان المشار إليه في قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. إلخ، يفسره بعض العلماء بالنسبة لليهود والنصارى بمعنى صدور الإيمان منهم على النحو الذي قرّره الدين الحق، فمن لم تبلغه منهم دعوة الإسلام، وكان ينتمي إلى دين صحيح في أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقدم العمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه، {فله أجره على ذلك عند ربه}، أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق، ولكنهم لم يقبلوها فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا بأنهم يؤمنون بغيرها، لأن الشريعة الإسلامية قد نسخت ما قبلها”([4]).

{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113].

تشير الآية إلى نفي المساواة بين أهل الكتاب، وتثبت بينهم فارقاً، فمنهم الذين لا يستجيبون، ومنهم المستجيبون، فأما الممدوحون فهم الذي استجابوا وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وممّا يدلّ على أن المدح موجّه للمؤمنين بالنبي محمد أن الآية السابقة ذمّت من لم يؤمن من أهل الكتاب، {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}، فمن لم يؤمن لا تصلح له أوصاف المدح والثناء، وأيضاً الآية اللاحقة تؤكد ذلك فهؤلاء الممدوحون من أهل الكتاب {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِين}، وقد بينت فيما سبق أنّ الإيمان بالله يقتضي الإيمان برسلة وكتبه، بلا تفرقة بين رسول ورسول وكتاب وكتاب، فيكون مؤدى ذلك أن الأمة الممدوحة من أهل الكتاب هم من أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وكتابه.

  1. {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82].

الآية لم تتعرض للحكم على اعتقاد النصارى أو اليهود، وإنما ذكرت صفات نفسية لبعض النصارى تؤهلهم للإيمان بالنبي محمد، كالإعراض عن ملذات الدنيا والزهد فيها، وقد صرحت الآية التي بعدها بأن المقصودين بالكلام هم الذين آمنوا بالنبي محمد، {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين} [المائدة: 83]، وقد ذكرت كتب أسباب النزول أن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة، فلا يجوز الفصل بينها، فالنصارى الموصوفون بقرب المودة هم الذين إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول آمنوا به، وشهدوا على حقيّة دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

  1. {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب} [آل عمران: 199].

الآية تثني على أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبيّ محمد، لكنها عبرت عنهم بـ “أهل الكتاب” على اعتبار ما مضى، وذلك لسببين، الأول: ذمّ الفريق الآخر من أهل الكتاب الذين كفروا وأخفوا ذكر صفة النبيّ محمد من الإنجيل، ولأنّ السياق في أصله جاء للتفرقة بين هذين الفريقين، فناسب أن يعبر عن المؤمنين بأهل الكتاب تعريضاً بمن كفر منهم([5])، كأنه يقول: لماذا أنكرتم مع إنّ إخوانكم من أهل الكتاب آمنوا ولم ينكروا؟

خلاصة الموقف.. وهل القضية غير واضحة حتى تحتاج بياناً؟

الموقف القرآني يبين أنّ أتباع الأديان الأخرى غير الإسلام، سواء كانت ديانتهم محرّفة أو على تقدير أن تكون هي التي نزلت على الأنبياء عليهم السلام، لا غناء لهم عن متابعة النبي في دين الإسلام، اعتقاداً وعملاً، وأن دعوة النبيّ ليست دعوة لمعرفته فقط، بل هي دعوة للإقرار بنبوته ورسالته والاتباع لشريعته، وأمّا أصحاب الأديان الأخرى من غير أهل الكتاب، من مشركين وأهل أوثان أو من الملحدين غير المعتقدين بالألوهية أصلاً، أو المنكرين للنبوّات كلها، مخاطبون بنفس الخطاب السابق بأن يؤمنوا بمحمّد صلى الله عليه وسلم خطاب اعتقاد وتصديق وعمل، وهذا معنى “عموم الرسالة”.

ختاماً؛ يمكن لنا مطمئنين أن نسجّل وضوح القرآن في بيان حقيّة دين الإسلام، ودعوة أتباع الأديان الأخرى إليه، وإن كان ثمة التباس أو تشابه، فهو من جهل قد طرأ على الناس بسبب إهمال تعلّم الإسلام وأصوله والإلمام بمصادره، وربما بسبب نوع من التجهيل الممنهج من خلال عدم ذكر هذه القضايا.

وعلى كل حالٍ؛ سنظلّ مسؤولين أمام الله تعالى عن تبليغ دعوة الإسلام السمحة للناس، وتبليغ رسالة نبيّ الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج1، ص94.
([2]) الطبري، جامع البيان: ج6، ص274-275.
([3]) انظر حكمة ذكر الله تعالى لهذه الأصناف في الآية: ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج1، ص531.
([4]) محمد طنطاوي، التفسير الوسيط: ج1، ص157. وانظر العلل البلاغية لإيراد الآية: تفسير الشعراوي: ج6، ص3296.
([5]) ابن عاشور، التحرير والتنوير: ج4، ص207.

قم بتقييم المحتوي