هل الأخلاق مستمدة من العقل أم من الشرائع والأديان؟

.

لكي نجيب عن هذا السؤال من المهم أولا أن نُبيّن ما هي الأخلاق؟ وما معنى القول بإن هذا خُلق حسن أو هذا خلق قبيح، قبل أن نذكر مرجعية هذه الأخلاق في وجهة نظرنا.

الإنسان بطبعه لديه ميل غريزي وإرادة لاكتساب ما ينفعه، وما يُسعده، وما يسدّ به نقصه ويمنع به ألمه، ويُحصّل بِهِ أغراضه، وقد ركّب الله فيه بعض القوى التي تعينه على البقاء ونيل السعادة واجتناب الشقاء، فمن هذه القوى الشّهوة، وهي التي تُعينه على البقاء مثل شهوة الطعام وشهوة الزواج، ومن هذه القوى أيضا العقل، وبه يُفارق الإنسان الحيوان وبواسطة العقل يُقدّر الإنسان عواقب أفعاله وما يضره منها وما ينفعه فلا يُقدم على كل فعل يُحصّل له لَذّة حتى إن كانت هذه الأفعال تشتهيها نفسه وتسبب له سعادة عاجلة، بل يُقدّر العواقب ويدرك المآلات ويُقارن بين السعادة الآجلة والعاجلة والمفاسد القريبة والبعيدة ليختار لحياته وعاقبته ما هو أنفع له، ومن القوى والغرائز التي ركبها الله في الإنسان لتحفظ نوعه ويمنع بها عن نفسه الأذى قوة الغضب وقد تزيد هذه القوة فتصل لحد التهور، وقد تقل ليتكون عند الإنسان نوع من الجبن، وقد تعتدل فتتحصل الملكة التي تُسمى الشجاعة.

وحاجات الإنسان التي يسعى لتحصيلها وتسبب له السعادة واللذة أو تمنع عنه الأذى والألم منها حاجات مادّية، كالطعام والشراب والمسكن والملبس، ومنها حاجات معنوية كالشعور بالأمان ودفع الخوف، والشعور بالتقدير من الآخرين والصداقة وتحقيق الإنجاز وغيرها.

 إذا عرفنا هذا فجميع الأفعال والتصرفات والسلوكيات التي يقوم بها الإنسان في حياته إنما تصدر عنه لتحصيل أغراضه التي تُسبب له السعادة، وهذه الأغراض كما قلنا منها ما يتعلق بمصلحة عاجلة أو بمصلحة آجلة، فالإنسان المتديّن بدين قد يرفض لذة عاجلة وسعادة قريبة من أجل غرض أكبر وأسمى كمحبة الإله والسعي لتحصيل رضاه والفوز بالسعادة الأخروية، والغرائز الموجودة في النفس البشرية قد تتفاوت قوة وضعفا بحسب النشأة أو الثقافة المجتمعية أو قوة التحمل وضعفه الموجود لدى النفس، فمثلا قد تختار الأم أن تتعب وتتحمل ما ينافر طبعها من الميل للراحة من أجل إسعاد طفلها وتلبية غرائز الأمومة، وقد يفضل إنسان ما الجوع والسهر من أجل الوصول للشهرة أو من أجل طلب العلم الذي يُكسبه الراحة والمال في المستقبل أو يحصّل به تقدير المجتمع، وقد يختار شخص آخر ما ينافر طبعه من السعي لاكتساب المال وتنميته واكتنازه من أجل أن يتبرع به لفقير أو محتاج من أجل أن هذا ملائم للرقة الجنسية المركبة فيه من التألم بجوع الآخرين والمعاناة تأثرا بمعاناتهم، أو من أجل رضا الخالق سبحانه.

وكذلك قد تتعارض القيم والغايات والوسائل التي يظن الإنسان أنه تحقق سعادته، فمثلا من يعتقد أن الحرية هي القيمة والغاية الأسمى التي تُسبب للإنسان سعادة وراحة وكمالا سوف يكون مضطرا أحيانا للتضحية بقيمة العدالة من أجل التمتع بأكبر قدر من الحرية، ومن يرى أن العدالة هي القيمة العليا التي تسبب للإنسان سعادة، ففي أي اجتماع بشري لا يمكن تحقيق العدالة إلا بالتضحية بنسبة ما بمبدأ حرية الفرد، هذا إذا نظرنا إلى أن القيم والغايات أو الوسائل التي تُسعد الإنسان قيمتان فقط وهو ليس صحيحا بل هي كثيرة ومتنوعة.

وهكذا ما ينافر الطباع تتفاوت مراتبه في النفس قوة وضعفا، وما تتلذذ به النفس وتسعد تتفاوت فيه النفوس أيضا، وإذا زادت قوة العقل والأدراك في النفس وكانت أشد من قوة الشهوات الموجودة فيها كانت النفس أكثر استعداد لتقدير العواقب والموازنة بين المصالح والمفاسد والبعد عما يضرها ويهلكها في العاجل والآجل كانت أكثر تحقيقا للسعادة وأقرب للكمال.

نعود فنقول: هذه السلوكيات والأفعال التي يقوم بها الإنسان إذا تعود عليها وقام بها باستمرار إذا صدرت عنه بسهولة ويُسر ومن غير رُويّة وتفكير تُسمى خلقا، فالأخلاق عبارة عن هيئة راسخة في النفس تُكتسب بواسطة الإكثار من التصرفات والأفعال التي يتخلق بها الإنسان، فإذا كانت عادة الإنسان الصدق باستمرار حتى صار الصدق له عادة، نقول: فلان هذا من أخلاقه الصدق، وإذا كانت عادة الإنسان الإقدام من غير تهور والإحجام من غير خوف وجبن بل تبعا لما يقتضيه تقدير عقله للمصالح سُمّى هذا الخلق شجاعة، وهكذا. والفلاسفة من قديم، والناس في كل العصور مختلفون فيما تكون به الأخلاق حسنة أو قبيحة، ومختلفون في تعريف الخير والشر

قم بتقييم المحتوي