القرآن وتهمة العنف (نظرة على النصوص المظلومة)

.

هل لا يحض الدين الإسلامي على الجهاد؟ وهل تنكرون أن الدين الإسلامي يأمر أتباعه بالقتال؟
نعم يحض الدين الإسلامي على الجهاد، ونعم يأمر الدين الإسلامي أتباعه بالقتال، لكن هل كل حض على الجهاد في القرآن والسنة هو حض على القتال؟ وهل كل أمر بالقتال هو أمر مطلق بلا ضوابط؟ وهل يهدف أصلا إلى ترويع الآمنين أم موجه إلى المحاربين؟ وكيف نفهم الآيات والأحاديث ونتعامل معها؟

أولا الجهاد ومشتقاته:
لفظ الجهاد ومشتقاته لم يرد في القرآن وأُريد به القتال فقط، بل وَرد وأُريد به تحمل المشقة في سبيل الله وإفراغ الوسع والطاقة في مقاومة الشرك، فهو لفظ واسع الدلالة كما في الآيات التالية:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لعنكبوت:8]
{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [لقمان:15]
ووَرد الجهاد ومشتقاته وأُريد به القتال:
{انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]
{ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44]
ووفي الحديث الصحيح:
أن عائشة (رضي الله عنها) قالت: ” قُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، ألَا نَغْزُو ونُجَاهِدُ معكُمْ؟ فَقالَ: لَكِنَّ أحْسَنَ الجِهَادِ وأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ”.
وفي هذا الحديث استخدمت السيدة عائشة (رضي الله عنها) لفظ الجهاد وأرادت به القتال، وأجابها الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالجهاد وأراد به الحج.
وفي الحديث الصحيح: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال ﷺ: “أحي والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد”.
ورُوي عَنِ النَّبِي ﷺ أنَّهُ حِينَ قَفَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: “رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ”.
وهنا ورد لفظ الجهاد بمعنى القتال وبمعنى مجاهدة النفس، وإن كان الحديث ضعيف سندا، لكن صحيح في معناه.

ماذا يعني هذا؟
يعني أن حمل الجهاد على القتال في كل المواضع التي ورد فيها غير ممكن كما هو واضح، فلا يُفهم الجهاد في حقل دلالي ضيق، وقد ورد في غير هذه الآيات والأحاديث أيضا سواء بمعنى القتال أو لا، ولم نذكر كل آية وحديث ورد فيها لأن غرضنا ليس البحث الاستقصائي، إنما أردنا بيان امتناع حمله دائما على القتال مع عدم التطويل في ذكر الشواهد.

ثانيا القتال ومشتقاته:
واحدة من أشهر الآيات التي يستند إليها الإرهابيون هي آية سورة البقرة ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ (البقرة: 191)، متجاهلين سياق الآية ومناسبة نزولها، فالمذهل أن الآية التي قبلها مباشرة: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾، والآية التالية لها مباشرة ﴿فَإِنِ ٱنتَهَوۡا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ۝١٩٢﴾!
ماذا حدث هنا؟
ما حدث هو اقتطاع من السياق وتجاهل لمناسبة نزول الآية وتجاهل لكل الآيات الأخرى في القرآن وأحاديث السنة النبوية التي تنظم مسألة القتال بضوابط شرعية تضمن حق حفاظ المسلمين لأنفسهم وديارهم وأموالهم مع عدم الاعتداء، ولنضرب مثالا آخر:
عند فتح مكة -موطن الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي أُخرج منه، وعند عودته إليه منتصرا- قال أحد الصحابة: “اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الكعبة”، فلما بلغ الرسول (صلى الله عليه وسلم) مقالته قال: “كَذَبَ سَعْدٌ، ولَكِنْ هذا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فيه الكَعْبَةَ، ويَوْمٌ تُكْسَى فيه الكَعْبَةُ”([1] وفي رواية بل اليوم يوم المرحمة.

وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: “لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف”.
فالأحكام الشرعية تُفهم من مجموع نصوص القرآن والسنة وإجماع الأئمة والقياس، فلا تُفهم من نص واحد فقط لأن النص ربما ورد لمناسبة بعينها فلا يُسحب حكمه لكل زمان ومكان، وربما جاء نص آخر أو فعل من أفعال النبي (صلى الله عليه وسلم) و خصص الحكم الوارد فيه، وهذا ما يعرفه علماء الإسلام تمام المعرفة، وما يعرفه كل مسلم تلقى أوليات دينه على يد المشايخ الثقات.


هل يركز القرآن  على الأمر بالقتال فيكون هو المسؤول عن العنف؟
غير صحيح، فمن آيات القرآن:
{ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعًا وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعًا} [المائدة: 32]
{ وَقَـٰتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِینَ یُقَـٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ} [البقرة: 190]
{ لَّا یَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُقَـٰتِلُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ وَلَمۡ یُخۡرِجُوكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ} [الممتحنة: 8]
{ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]
وفي السنة النبوية أن قتيلة بنت عبد العزى من قريش وهي أم أسماء بنت أبي بكر الصديق  جاءت إلى المدينة زائرة ابنتها، وقتيلة يومئذ مشركة في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش بعد صلح الحديبية “فسألت أسماء رسول الله ﷺ: أتصل أمها ؟ قال: نعم صلي أمك”.

ماذا عن كتب التراث، هل هي بريئة من تهمة التحريض على العنف؟
تُنسب تهمة الإرهاب  لكتب التراث كثيرا، لكن المفارقة الساخرة في الأمر أن معظم الإرهابيين لم يدرسوا هذه الكتب، ولا مروا عليها حتى، فاثنان من الجهاديين الذين غادروا بريطانيا بهدف الذهاب إلى سوريا عام 2014 طلبا قبل مغادرتهم كتابي “الإسلام للبسطاء” و “القرآن للبسطاء”([2])، وغيرهم ممن لم يروا كتابا تراثيا في حياتهم كثر، بل ولم يتلقوا أي نوع من أنواع التعليم الديني، وأكثر القيادين في هذه التنظيمات لم بتلقوا تعليميا دينيا تراثيا، أو تعليما مؤسسيا –راجع المقال السابق-، ربما لو سمحنا للتعليم الديني بأن يؤدي دوره المنضبط لكان الوضع أقل دماء وأكثر علما وتباحثا مثلا؟!

ما الذي يحدث إذن؟ لماذا تُلصق تهم العنف والاعتداء والإرهاب بالدين؟
الذي حدث -ومازال يحدث- هو تعرض عنيف للحداثة وما بعدها مع غياب للتعليم الديني المؤسسي المنضبط وضغط سياسي واقتصادي على الشباب مع عدم توفير حواضن آمنة تسمح بالحوار ومراجعة الأفكار والنضج المعرفي فيتم اللجوء لاجتزاء النصوص من سياقاتها ومطيفاتها في محاولة للتخلص من سوء الواقع فتنتج لنا فهما مشوها يروج للعنف باسم الدين، ويتجاهل كل النصوص الأخرى كأنها لم تكن!

فهل يتسبب الدين في العنف؟
الدين يقدم منظومة معرفية متكاملة لكيفية الحياة، كيف نتعامل مع الله، كيف نتعامل مع بعضنا، كيف نُنشأ المجتمع وكيف ننظمه، فلا هو يوجد العنف ابتداء ولا يمنعه في المطلق، بل ينظمه كما ينظم كل الغرائز الإنسانية الأخرى، فنجد تكرار ذكر عدم العدوان بصيغ مختلفة في القرآن، مع ذكر (فإن اعتدوا عليكم فاعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم)، مع ذكر (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، وكل آية من الآيات لا تُفهم منفردة منفصلة عن سياقها، فمن يختار التركيز على (فلا تعتدوا) فقط سيفشل في إقامة مجتمع متوازن مستقر، ومن يركز على و(أعدوا لهم ما استطعتم من قوة) فقط سيتطرف.
فالإجابة عن السؤال  هي لا، لا يتسبب الدين في العنف، لكنه ينظم النزوع الإنساني نحو العنف، بالمنع التام أحيانا، وبالتقييد بضوابط واضحة  ينص عليها الفقهاء أحيانا أخرى.
فالتجمع الإنساني والنزاع على الموارد وبناء الدول هو ما يسبب العنف، أما الدين فيفهم طبيعة البشر فهما تاما لأنه من عند عليم حكيم، فيُنشأ التشريعات التي تحد من مقدار العنف وتوجهه التوجيه الأمثل كيلا يطغى الإنسان في الأرض.

__________________________________________

[1] ح 4280، صحيح البخاري.

[2] https://bit.ly/3qzujyY

قم بتقييم المحتوي