الآنسة حنفي! ذكر أم أنثى؟

كوثر السعدني

الآنسة حنفي! ذكر أم أنثى؟

ذهبت سارة إلى طبيب النساء هي وزوجها في الموعد المحدد لاكتشاف نوع الجنين الذي انتظرا معرفته طويلا، فإذا به يخبرهما أنه ذكر.. لكن مهلا، لا يمكنهما اختيار اسم مذكر له، ولا شراء ملابس تناسب الأولاد ولا أن تحكي سارة له الحكايات مخاطبة إياه بصيغة المذكر؛ لأننا في عصر الحرية ينبغي أن ندع الجنين يحدد نوعه عندما يكبر، فليس معنى كونه يمتلك أعضاء تناسلية ذكرية أنه ذكر، الأعضاء التناسلية لا تدل على شيء ألبته، لربما أن يحمل هرمونات ذكورة أقل من المعدل الطبيعي قليلا، أو حتى لا يرغب أن يُعامل على أنه ذكر!
هذه القصة خيالية التفاصيل والأسامي، لكنها واقعية جدا الآن وقريبة منا للغاية!

ما الذكر وما الأنثى؟ أوكيف تتكون الأعضاء الجنسية في الرحِم؟

المحدد الصبغي (الكروموسومي ) ( Chromosomal Sex ):

يتحدد الجنس الجيني للمولود منذ الحمل بناء على الكروموسومات.
تحتوي بُوَيضة الأم على كروموسوم X، وتحتوي الحيوانات المنوية للأب إمَّا على كروموسوم X أو كروموسوم Y، والطفل الذي يرِث كروموسوم X من الأب يكون أنثى من الناحية الوراثية (لديه اثنان من كروموسومات X)، والطفل الذي يرث كروموسوم Y من الأب يكون ذكرًا من الناحية الجينية (كروموسوم X واحد وكروموسوم Y واحد)([1]).

المحدد الغددي ( Gonadal Sex ) :

   تفرز الغدد الهرمونات التي تتحكم في المستوى الأخير من التكون، والتي يحدث اضطرابها اضطراب تطور لأعضاء تناسلية مبهمة، وهي من الحالات النادرة([2]).

محدد الأعضاء التناسلية:


والأعضاء التناسلية ظاهرة وباطنة:
– والباطنة في الأنثى هي المبيضان والرحم وقناتا الرحم والمهبل، وأما الباطنة في الذكر فهي الحبل المنوي والحويصلة المنوية والبروستاتا، ولا تتمايز الأعضاء قبل الأسبوع التاسع، ثم يبدأ التمايز البطيء الخفي في الأسبوع التاسع، ثم يتضح وينجلي في الأسبوع الثاني عشر.
ويسير خط نمو الأعضاء التناسلية الظاهرة والباطنة في اتجاه الأنثى إلا إذا وجدت كمية من هرمون الذكورة التستوسترون ( Testosterone ) الذي تفرزه الخصية، منذ أن تتكون أي منذ نهاية الأسبوع السادس، والذي يحدد مسار الأعضاء التناسلية الظاهرة والباطنة، ولذا فإن إزالة الخصية من جنين ذكر، أو عدم تكونها يؤدي إلى وجود جهاز تناسلي أنثوي رغم أن جنس الجنين على مستوى الصبغيات ذكر (XY)، أما إزالة المبيض أو عدم تكونه فإنه لا يؤثر على سير الأعضاء التناسلية التي تسير في اتجاه الأنثى، بل إنه عند وجود كروموسوم ( X ) واحد فقط كما في حالات ترنر ( Turner Syndrome ) فإن الجهاز التناسلي الذي يتكون إنما يكون لأنثى، إذاً أساس الجهاز التناسلي الظاهر والباطن – عدا الغدة التناسلية – يتجه إلى الأنثى، فإذا وجدت الخصية أو هرمون التستوسترون فإن الجهاز التناسلي يتحول إلى أعضاء ذكرية.

أما الحالات الاستثنائية  كأن يزيد كروموسوم X  كما في متلازمة كلاينفلتر  مثلا فهي لا تؤثر على تحديد النوع، بل يكون المولود ذكرا بكروموسوم X  زائد ([3]).
ويتشابه الأمر في متلازمة ثلاثية X ([4]) فلا تؤثر الإصابة على تحديد النوع، بل يبدأ الدليل التشخيصي واصفا للمتلازمة بأنها تصيب أنثى واحدة من بين كل 1000 أنثى، وغير ذلك من الحالات الاستثنائية كقصور الغدد التناسلية في الذكور ([5]).


تخيل الأمر كأن ترى جهاز لابتوب أمامك فيسألك شخص ما هذا؟
ستجيبه بكل ثقة وجزم، لاب توب.
ولو سألك ما مكوناته؟
ستتفاوت إجابتك بين لا أعرف، أو ستسرد بعض المكونات العامة كالرامات و وكارت الشاشة مثلا، أوستجيب إجابة تفصيلية تحتوى على أدق التفاصيل الداخلية والخارجية ونوع الجهاز بناء على تخصصك، لكن في جميع الحالات تستطيع الإجابة بيقين وجزم بناء على المظهر  الخارجي.

دينيا:  فتحديد النوع دينيا أمر حتمي، فالنوع يُحدد كما هو في الطب بناء على الجهاز التناسلي الخارجي الذي يراه الحس، ومع ذلك فثمة أبواب للحديث عن الخنثى: وهو ما لا نستطيع الجزم بنوعه بناء على مشكلة عضوية، فيرجع الفقهاء في هذه الحالة القرار إلى الطب بناء على الأعضاء الغالبة الفعالة أو الميل الجنسي في حالة الإبهام، لكن في النهاية فثمة امرأة وثم رجل، ولكل منهما أحكامه المختلفة؛  فالمرأة لا تصلي ولا تصوم بعض الأيام من كل شهر بسبب الدورة الشهرية، وترث نصف إرث الرجل في بعض الحالات وأحكام أخرى…

قانونيا: يتحدد النوع بناء على الأعضاء التناسلية الخارجية كما في الفقه وليس في القانون حديث عن كيفية تحديد النوع لأنه أمر بدهي مرده إلى الحس؛ فخانة النوع في البطاقة وما يترتب عليها من معاملات مثل الزواج والميراث والمشاركة في المساحات الخاصة بـ (الرجال/ النساء) كل هذه الأمور تنبني على الأعضاء التناسلية الظاهرة، والاستثناء يُعالج ولا تُختلق له مساحة جديدة عنوة!

في الشارع: هل تستطيع أن تحدد من الذكر ومن الأنثى؟
بالقطع تستطيع، لا ينتابك التردد رغم أننا في مصر لدينا تباين واسع في الأزياء والألوان والأذواق، لأن كل هذا ليس عاملا أصلا في تحديد النوع؛ فالأزياء مسألة أذواق شخصية وأعراف اجتماعية وموضات رائجة، لكن في النهاية النوع يتحدد على الشكل الخارجي، والنادر المحير لا حكم له في التعرف على الأغلبية الكاسحة.

فما الذي جعل تحديد النوع مشكلة تحتاج إلى بحث ونقاش وإجابة إذا كانت الأمور بسيطة هكذا؟

   هل توجد حقائق ثابتة للأشياء؟ ومن أين نستطيع الحكم على الكرسي بأنه كرسي وعلى السيارة الحمراء بأنها سيارة حمراء؟

هناك مذهبان أساسيان في كيفية فهم الأمور من حولنا ( مذهب الريبة أو الشكية/ مذهب اليقين):

– فمذهب (الريبة/ الشكية): يعتقد أصحابها أن الحقائق هكذا؛ لأن المجتمع يختارها، لا لأن حقيقتها ثابتة، بل بتغير المجتمع تتغير الحقائق، والمجتمع يختارها من خلال فرض نظام معين بالقوة؛ فحقائق الأشياء هي نتاج نظم القوة المختلفة، وبتغير هذه النظم تتغير الحقائق.

فإذن حقيقة الذكر والأنثى: ليست إلا أمور فرضتها عليهما نظم القوة في المجتمعات، وحيث أنه لا توجد حقيقة لأي شيء والمسألة مسألة قوة، فلنجعل القوة في ميزان مختلف وليفعل كل شخص ما يريد.

– أما مذهب اليقين: فهو مذهب الذي يتبناه العقلاء منذ أرسطو وأفلاطون مرورا بالمسيحين وحتى المسلمين، ويعطي مذهب اليقين نوعا من الثبات للحقائق لأنه يأتي بمعاني معينة، توقف هذا السيلان وأن كل شيء يمكن أن يتغير، ويضع أحكاما ومعاييرا للأمور.

فعند من يتبنى نظرية القوة فببساطة النوع البيولوجي لا يعني أي شيء ولا يترتب عليه سلوك معين، بل كل السلوكيات هي نتاج المجتمعات فلو اختار شخص أن يغير النوع بيولوجيا فلا مانع، وهو مذهب اليسار الذي يتبنى فلسفة ما بعد الحداثة السائلة.
والمشكلة في هذه الفلسفة أنها تجعل كل شيء سائل ولا حقيقة لشيء حتى أكثر الحقائق وضوحا كالنوع البيولوجي، وأنها تتلون بحسب رغبة الإنسان وشهوته، فعند الميل الجنسي المثلي يتبنى أصحاب هذ الفلسفة أن الميل أمر جيني (بيولوجي لا يمكن تغييره) وبالتالي فالشخص غير مسؤول عنه لأن هذه هي ((حقيقته البيولوجية))، وعلى العكس تماما في قضية التحول الجنسي تجدهم يقولون أنه لا حقيقة بيولوجية وأن الشخص يستطيع تغيير نوعه لأن نوعه البيولوجي ليس حقيقته، بل شعوره عن نفسه هو حقيقته فهو في حقيقته مذهب براجماتي.

والمشكلة الأخرى أن النوع البيولوجي ترتبط به سمات معينة لكل جنس، بداية من صفات الهيكل الخارجي قوة وضعفا حملا وولادة مرورا بالتغيرات الهرمونية المختلفة للنوعين وسمات أخرى عديدة لا نهاية لها، فليست ضغطة زر تحول نوع لآخر، بل حياة كاملة تكون فيها الإنسان وتشكل داخليا وخارجيا.

فالحقيقة تدور عندهم على رغبة الإنسان وما يراه جيدا، والحقيقة عندنا محكومة بمعايير حسية ثابتة وواضحة وحقائق بيولوجية مستقرة.

فمبروك جالك ولد، أو مبروك جالك بنت، وبس!


[1]  كيف تتكون الأعضاء الجنسية في الرحم (مايو كلينك)

[2]  الأعضاء الجنسية المبهمة (مايو كلينك)

[3]  متلازمة كلينفلتر (مايو كلينك)

[4]  متلازمة ثلاثية إكس (مايو كلينك)

[5]  قصور الغدد التناسلية للذكور

قم بتقييم المحتوي