إذا كان توما الأكويني فيلسوفًا فكذلك علماء الكلام المسلمون

بيتر أدامسون

كتبه: بيتر أدامسون
ترجمة: 
محمّد سامر الست

ربما أكون مجرّد شخص ميّالٍ للتفاؤل، لكنّني أعتقد أنّ الناس اليوم في الغالب يقرّون بأهميّة الفلسفة في العالم الإسلامي وبأصالتها. فهل يقول أحدٌ من العلماء اليوم في مؤلَّف مطبوع، كما عُرِف عن بِرترَند رَسِل في كتابه History of Western Philosophy (تاريخ الفلسفة الغربية) (الذي كتبه سنة 1945) سلبيةُ قوله إنّ “الفلسفة العربية ليست بأهمية الفكر الأصلي؛ فرجال من أمثال ابن سينا وابن رشد هم أساسًا شُرَّاح”؟ بالتأكيد لا آمل ذلك؛ بيد أنّه لا تزال لدينا بقع عمياء وإن صارت رؤيتنا الآن أوضح من ذي قبل. والمفكرون الذين يعدُّون “فلاسفة” حقًّا هم عادة المؤلِّفون الذين نبذهم بِرترَند رَسِل باعتبارهم مجرد شُرَّاح، مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. ومع أنّه كان بينهم وبين عدم الإبداع الأصلي بونٌ كبير، فقد كانوا حقًّا متحمّسين لأرسطو وغيره من الكُتَّاب اليونانيين؛ على أنّهم لم يكونوا هم فقط من أصحاب الفكر والنزعة العقلانية في زمانهم، ولم تَمُتْ العقلانية والتأملات الفلسفية بموت ابن رشد في أواخر القرن الثاني عشر كما لا يزال معتقَدًا في الغالب. والأعلام البارزون، على مدى التاريخ الإسلامي، الذين هم محلّ اهتمام مؤرّخ الفلسفة لم يكن كثير منهم من أتباع أرسطو، بل كانوا من المتكلّمين المشتغلين بعلم الكلام (theology).

و”علم الكلام” يتباين عادة مع مصطلح “فلسفة”، وهي لفظة يمكن للمرء أن يخمّن أنّها كلمة دخيلة إلى العربية فأصلها من الكلمة اليونانية “philosophia”. وعندما بيَّن علماء معاصرون هذا التباين، بافتراضهم أنّ علم الكلام لم يكن فلسفيًّا بل كان علمًا مناوئًا للفلسفة، فإنّهم كانوا بذلك يتسلّمون زمام الأمر من تراث العصور الوسطى نفسه، لا سيّما من الفارابي وابن رشد اللذين عدَّ كلٌ منهما نفسه فيلسوفًا. ففي نظرهم كان عمل المتكلّمين في مُحاجّة جدلية مجرّدة، بينما تُقدّم الفلسفة أدلّة برهانية. ولا يؤصّل المتكلّمون حججهم في المبادئ الأولى، إنّما ينافحون عما يرجّحونه من تفاسير النصوص على تفاسير مخالفة. وهذه التَبِعات كان يزدريها ابن رشد متبرّمًا من أنّها قد تؤدي إلى شقاق شديد. فهو يرى أنّه لا يسع أحدًا أن يقدّم في واقع الأمر فهمًا موثوقًا للقرآن إلا الفيلسوف، وذلك أنّه يعرف الحقَّ بناءً على قواعد مستقلة، أي على أسس العلم الأرسطي.

ولكن هل ينبغي أن نقبل هذه المعارضة الحادّة؟ إنّ أتباع أرسطو أولئك يتحدّثون كما لو أنّ استخدام علم الكلام للعقل لا كفاية فيه. إلا أنّ جُلَّ المعاصرين كانوا سيعدّونه مثيرًا للجدل، وعلى وجه التحديد لأنّه عقلانيٌّ للغاية. وغالبًا ما كان المتكلّمون يبتعدون عن المعنى الظاهر للقرآن اعتمادًا على أسس عقلانية: فالوحي قد يبدو أنّه يتحدّث عن الله كما لو أنّ له جسدًا، ولكن يمكننا أن نستبعد هذا بتقديم أدلّة ضد تجسيد الله. وشارك المتكلّمون أيضًا في مجادلات مطوّلة حول مسائل فلسفية مركزية مثل حريّة الإرادة وفكرة الذرّية ومصادر التكليف (المسؤولية الأخلاقية)، وناقشوا مسائل دقيقة مثل قيام الأعراض بالجواهر، أو حالة الأشياء المعدومة. ولو أنّ التاريخ سار سيرًا مختلفًا ولم يكن ثمة أرسطيُّون متشدّدون ألّفوا باللغة العربية، فلا ريب عندي في أنّ مؤرخي الفلسفة كانوا سيعدُّون نتاجَ المتكلّمين هو الإرثَ “الفلسفي” للعالم الإسلامي.

وكان ذلك من شأنه أن يجعل مقاربتنا لتاريخ الفكر الإسلامي أشبه بمعالجتنا للفكر المسيحي في العصور الوسطى. على كلِّ حال، فإنّ الحصص الدراسية في فلسفة العصور الوسطى مكرَّسة لأعلام بارزين كانوا يعدّون أنفسهم “علماء لاهوت”، مثل أنسِلم وتوما الأكويني ودَنز سكاتُس ووِليام أوكام. وبطبيعة الحال، كثيرون هم الناس الذين لا يحبّون فلسفة العصور الوسطى أيضًا، والسبب في ذلك سياقها الديني. ولكنّ وجهة نظري أنّ الفلسفة هي حيث تجدُها وأنّه من ضيق الأفق تجاهل الحجج الفلسفية التي يطرحها المفكّرون لمجرّد أنّ لها توجّهًا دينيًا، سواء كان هذا التوجّه منبثقًا من المسيحية (كما في حالة توما الأكويني)، أو من اليهودية (كما في حالة موسى بن ميمون)، أو من الهندوسية (كما في حالة نظرية المعرفة في “نيايا”، أو فلسفة العقل في “فيدانتا”) أو من الإسلام.

وإنّ رفض التقديرِ والاعتبار لاهتمام علم الكلام بالجانب الفلسفي من الخبث بمكان لا سيما حين يتعلّق الأمر بالحقبة التي تلت العَلَم المرموق البالغ الأهمية في الفلسفة في العالم الإسلامي ابن سينا (توفي 1037م)، إذ كان تأثيره عظيمًا ونافذًا. ولذلك نجد “علماء كلام” كالغزالي (توفي 1111م) وفخر الدين الرازي (توفي 1210م) قد اشتغلوا في تحليل دقيق لمقولات ابن سينا، فكانوا يوافقونه على جوانب من نسقه الفكري ويعيبون عليه جوانب أخرى. والغزالي معروف بنقده اللاذع لإلهيات ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة”، بيد أنّه هَزَأَ بمَن أنكر فائدة منطق الفلاسفة. وأمّا الرازي فمؤلّفاته الضخمة في علم الكلام تُقارَن بمؤلّفات رجال كتوما الأكويني ودَنز سكاتُس في المسيحية اللاتينية، وهي مترعة بحجج كلامية مدرسية (سكولاستية)، وحتى أنّها ذات بناء مؤلَّف من مكوّنات فلسفية مثل مقولات أرسطو. والخرافة التي تقول إنّ الفلسفة انقرضت بطريقة ما في العالم الإسلامي في عهد قريب من عصر ابن رشد (توفي 1198م) هي بصورة جزئية نتيجةٌ لافتراض أنّ هذه المؤلّفات تقع خارج نطاق تاريخ الفلسفة على الرغم من كونها طافحة بحجج فلسفية معقدة.

وكلُّ ذلك لا ينفي أنّ بعض المؤلّفات الأخرى في علم الكلام لا تحظى من القارئ ذي الميول الفلسفية إلا باهتمام محدود، أو أنّ المتكلّمين عادةً ما يشتغلون بعلم الكلام اعتمادًا على تفاسير النصوص بدلًا من (أو بالإضافة إلى) الحجة العقلية المحضة؛ ولا أنّ ذلك هو السبب الوحيد لإمكانية أن تكون مؤلّفات علم الكلام في الغالب مثيرة لإحباط الفيلسوف. ولقد كان الفارابي وابن رشد على حقّ بأنّه كان يوجد ميل “جدلي” عند معاصريهم. فقد تمر المقدّمات من غير فحص أو نظر وذلك أنّ أيَّ خصم متصوَّر ملتزم بقبولها؛ ويوجد توجّه، لا سيما في بداية علم الكلام، نحو الإجابة عن الأسئلة بصيغ لفظية قد تقبلها الأطراف كلّها بدلًا من الغوص في العمق لإيجاد إجابة مُرضِية حقًا. بيد أنّ هذا التوجّه تقلّص بعض الشيء في المؤلّفات المتأخّرة في علم الكلام. وإنّ انطباعي، الذي أطرحه مبدئيًّا باعتبار الكم الكبير للمؤلّفات المتأخرة في علم الكلام التي لَمّا تُدقَّقْ أو تُدرَسْ، هو أنّ علم الكلام بات “فلسفيًّا” أكثر بصورة ملحوظة مع تطوّر هذا التراث. وفي مرحلة ما بعد ابن سينا كان الوضع مشابهًا لما نجده في فرنسا في أواخر القرن الثالث عشر، حيث كان اللاهوتيون هم الفلاسفة الأكثر معرفة وإثارة للاهتمام.

وقد أبدو طامعًا بأن أطلب من جمهور القرّاء العريض أن يَصِلوا إلى تقدير علم الكلام في الوقت الذي ما زال أهم مَن يعدّون أنفسهم “فلاسفة” في العالم الإسلامي لا يدرسهم غير المتخصصين إلا في النادر. وليس الأمر وكأنَّ المطلوبَ حاليًّا من طلاب المرحلة الجامعيةِ المطالعةُ بصورة منتظمة لابن سينا وابن رشد، فضلًا عن القراءة لمن عاصرَهما وخَلَفَهما من علماء الكلام. ولكن حتى إن بقيت المؤلّفات المعنيّة بلا دراسة إلى حدٍّ كبير، فالخبر الجدير بالنشر هو أنّ العقلانية في الإسلام لم تمت مع موت ابن رشد، وأنّ الذين اشتهروا بمناصرة الفلسفة في العالم الإسلامي كالفارابي وابن رشد وابن سينا لم يحتكروا فيه الفكر الفلسفي.

قم بتقييم المحتوي