الإجابة:

هذا سؤال مهم يرِد عادةً مع أسئلة أخرى تُطرح في نفس السياق منها:

ألا يمكن أن يكون  كل تصور عن الإله هو مجرد وهم لا حقيقة له في الواقع؟ وهل الإصرار على تلقيني بأنه موجود كافٍ للإيمان بوجوده؟ وماذا لو لم أرَ ذلك الوجود أو أشعر به، أو حتى أسمع صوته ليخبرني هو عن وجود نفسه؟

والحقيقة أن التراث الإسلامي، الفلسفي والكلامي، حافل بأدلة متنوعة على وجود الله، ذلك لأن أول واجب على المكلف هو: معرفة الله من خلال النظر في الكون من حوله، حتى يتمكن الإنسان من الوصول إلى دليل على وجود إله خالق لهذا الكون. فالعقل الانساني قادر على ان يسأل نفسه عن وجود الإله، وبما غُرز فيه من مبادئ بديهية ومقدمات أولية، والتي من أهمها استحالة اجتماع المتنافضين، وأن الشئ هو نفسه،  ولا يمكن أن يكون غيره والذي يُعرف بمبدأ الهوية. ثم بهذه المبادئ وغيرها يستطيع أن ينظر في العالم من حوله، ويسأل عن سبب وجوده، ويسير في سلسلة الأفكار حتى يصل إلى ضرورة وجود إله خالق له.

وكما قلنا فإن الأدلة على وجود الله كثيرة، منها أدلة ذكرها الفلاسفة، وأدلة أخرى نجدها عند المتكلمين، وحتى الفيزيائيون المعاصرون كلهم اجتمعوا على النظر في هذه مسألة ، كلٌ بآلياته وأدواته، فمنهم من نظر بعقله المجرد عن الدين، ومنهم من نظر بعقله الفلسفي المطلق، ومنهم من بحث بأدواته التجريبية الفيزيائية، وكلهم أجمعوا عن طريق الأبحاث لا عن طريق الأديان، على أن العالم على صورته وهيئته هذه، يستحيل أن يكون موجودًا بذاته.

بالنظر في هذه الأدلة الكثيرة أرى أن أيْسَرها وأقربها إلى المنهج الحواري العلمي والعقلي، تلك التي تعتمد بشكل كبير على المشاهدة والاستقراء، ومنها دليل الحدوث، ودليل الإمكان، أو هما معًا. وتعدد الأدلة هذه جاء بناء على الخلاف حول “علة” احتياج العالم (الممكنات) إلى موجِد (الإله أو المؤثر أو الصانع)، هذه العلة أو الصفة هل هي الحدوث أم الإمكان؟ خلاف بين المتكلمين والفلاسفة.

والكلام هنا سيكون على دليل الإمكان فقط، ولكن قبل صياغة الدليل لا بد لنا من ذكر بعض التنبيهات والمقدمات.

تنبيهات:

  • إننا ننطلق من العالم الواقعي المشاهد من أجل صياغة مواد الدليل، فنقرّ أولًا بوجود هذا العالم (كل ما سوى الله)، والذي ينقسم بطبيعته إلى أجسام مادية، يمكن أن نراها أو نلمسها أو ندركها بإحدى الحواس الخمس المعروفة، وإلى معانٍ وصفات ليس لها وجود خارجي معين، ولكننا نعلم وجودها من خلال تلك الأجسام، فنعرف مثلًا أنه يوجد شيء اسمه طول وقصر، وسواد وبياض من خلال أشخاص تظهر عليهم هذه الصفات.
  • هذا العالم بما فيه ومن فيه، يشترك – كلًا وأجزاء – في وصف واحد، وهو إمكانية دلالته على وجود خالقه، لذلك كان هو المنطلق لدينا في إقامة الدليل، فنحن نستدل بالمخلوق على خالقه، وليس العكس.

ومن المقدمات المهمة التي لا بد أن نبينها في هذا الدليل ليسهل فهمه: أقسام الحكم العقلي،
فالمعقول ينقسم إلى الواجب و الممكن و الممتنع. أي أن كل أمر معقول في الذهن إذا نسبنا إليه الوجود و التحقق في الواقع، فإما أن يَصِحَّ اتصافُه بالوجود الواقعي لذاته أو لا. فإن لم يصح فهو ممتنع الوجود (مستحيل الوجود) كاجتماع النقيضين.

وإن صحّ اتصافه بالوجود، فإما أَنْ يقتضي وجوبَ اتصافه به لذاته أو لا.

فالأول هو واجب الوجود لذاته.

والثاني، هو ممكن الوجود لذاته، والممكن هو ما تكون نسبة كل من الوجود و العدم إليه متساوية، ومن ثم فهو محتاج الى مرجح يرجح وجوده على عدمه، لذلك كانت اهم صفة من صفات الممكن انه محتاج ومفتقر الى غيره.
و بعبارة أخرى: إذا تصورنا شيئاً، فإما أنْ يكون على وجه لا يقبل الوجود الخارجي عند العقل أو يقبله. و الأول هو الممتنع بالذات كاجتماع النقيضين.
و الثاني، إما أنْ يكون وجوده من ذاته وبذاته ولذاته، لا يحتاج الى غيره ولا يتصوره العقل الا موجودا، فهذا هو الواجب لذاته (واجب الوجود). و إما أَن يكون متساوي النسبة إلى الوجود و العدم فلا يستدعي أحدهما، و لأجل ذلك قد يكون موجوداً و قد يكون معدوماً، و هو الممكن لذاته، كأفراد الإِنسان.

هذا ويعتبر دليل إثبات افتقار العالم وإمكانه واحتياجه من حيث وجوده الى موجدٍ قائم بذاته واجب الوجود، أحد أهم الادلة على إثبات وجود الله.

وأصل هذا الدليل ينطلق – كما ذكرنا – من ملاحظة وجود بعض الموجودات والنظر في خصائصها، ثم تحليلها بطرق مختلفة، تستلزم وجود علة للموجودات في هذا العالم، اما باعتبار الحركة؛ وانها لا بد من رجوعها الى محرك واجب لذاته، او لكونها ممكنة في ذاتها لتركيبها، او لغير ذلك من العلل كتفاوت النقص والكمال فيها ووجوب رجوعها الى كامل لذاته تستمد منه جميع الكائنات كمالها، وبذلك يتنوع الدليل بحسب اختلاف الطرق، ليتم التوصل الى ان هناك كائنا واجب الوجود هو الذي أوجد هذا العالم.

لذلك نجد ان الاستدلال بوجود الممكنات على وجود موجِد لها يعبّر المتكلمون عنه بعبارات عدة، مثل: (أن العالم ممكن، لأنه مركب وكثير، وكل ممكن فله علة مؤثرة).

وتوضيح ذلك: أن العالم مكوّن من أجسام متعددة، و هذه الأجسام مركبة من الجواهر والاعراض اي (الذوات الثابتة والصفات التي تحملها كما ذكرنا في التنبيهات)، و كل مركب فهو ممكن؛ لان المركب محتاج في وجوده إلى أجزائه، التي هي غير ذاته، وكل محتاج او مفتقر فهو ممكن، إذ الاحتياج والافتقار من خصائص الممكن، لان واجب الوجود مستغن عن غيره اذ أن وجوده بذاته ومن ذاته كما قلنا.

ويمكن أيضًا أن يقال: العالم مكوّن من أجسام، بعض هذه الأجسام متحرك، وكل متحرك لا بد له من محرِّك، ومن ثم لا بد ان تعود هذه الحركة الى محرِّك لا يتحرك، فالحركة تدل على الامكان من حيث حاجة الممكن وافتقاره الى موجود يمنحه الحركة. وايضا من خلال ملاحظة تفاوت النقص والكمال في الموجودات، هذا ممكن وهذا ممكن فلماذا كان هذا اكمل من هذا؟ فالعاقل بعد النظر في الموجودات يلاحظ نقصا فيها واحتياجا، ومن ثم يقطع ويجزم بانه لا بد لها من موجد

لا بد من من سبب تعتمد الممكنات في وجودها عليه، مرجح هو الذي رجح وجودها على عدمها لانه بالنظر الى ذاتها لا يمكن ان توجد بنفسها هذا ما يقول به اي عاقل ، فالناظر في هذا العالم المشاهد والمتأمل فيه سيجد من الادلة ما يدل على امكانه وسيعلم ان وجوده مشروط بوجود غيره.


الخلاصة: أن ما ينسب له الوجود قسمان: واجب وممكن،

فالواجب لذاته بما أنه يقتضي الوجود من صميم ذاته، لا يتوقف وجوده على وجود علة لاستغنائه عنها. كما أن الممتنع حيث يستدعي من صميم ذاته عدم وجوده، فلا يحتاج في الإِتصاف بالعدم إلى علة.

ولأَجل ذلك قالوا: إِن واجب الوجود في وجوده، و ممتنع الوجود في عدمه؛ كلاهما مستغنٍ عن العلة، لأن مناط الحاجة إلى العلة هو الفقر والاحتياج، والواجب والممتنع لا حاجة لهما إلى علة. فالأَول يملك الوجود لذاته، و الثاني يتّصف بالعدم من صميم ذاته.
و أما الممكن فبما أن مَثَلَه إلى الوجود و العدم كَمَثَل مركز  الدائرةِ إلى محيطها، لا ترجيحَ لواحد منها على الآخر، فهو في كلٍّ من الاتصافين يحتاج إلى علة تخرجه من حالة التساوي، و تجرُّه إما إلى جانب الوجود أَو جانب العدم.
نعم، يجب أن تكون علة الوجود أمراً متحققاً في الخارج، و أما علة العدم فيكفي فيها عدمُ العلة. مثلا: إن طردَ الجهل عن الإِنسان الأُمّي و إحلال العلم مكانَه، يتوقف على مبادىء وجودية، و أما بقاؤه على الجهل و عدم العلم فيكفي فيه عدم تلك المبادئ.

لكن حتى لا يُحتَج بالمصادفة ومخالفة بعض الطبائع لهذه المقدمة أقام بعض المتكلمين- من المعتزلة – دليلًا عليها حاصله: أننا اتفقنا على أن هذا العالم حادث، وأنه موجود بعد أن لم يكن، فلو تصورناه قبل وجوده لم نتصوره إلا ممكن الوجود، فلا يمكن أن نتصوره مستحيلًا؛ لأنه لو كان كذلك لما وُجد أصلًا، إذ المستحيل هو المعدوم الذي لا يقبل الوجود. ولا يمكن أن نتصوره واجبًا؛ لأن الواجب هو الموجود الذي لا يقبل العدم لذاته، فلا يتصور غير موجود أصلًا. فلا بد أن يكون حينئذ ممكنًا، وبما أن الممكن هو ما استوى طرفاه أي وجوده وعدمه، فلا بد له، لكي يوجد أو يعدم، من مرجح وسبب يرجّح وجوده على عدمه.

اذا عرفنا هذا يمكننا أن نقول:

إن دليل الإمكان فرعٌ عن فهم معنى الإمكان والوجوب والاستحالة،

وجهته:  ببيان أنَّ الممكن الموجود لا يكون موجوداً إلا من غيره، ومجموع كلِّ الممكنات لا يكون موجوداً من نفسه، إذن هو موجود من غيره، وهذا “الغير” موجود، وهو غير ممكن، إذن: لا يكون هذا الموجود إلا واجب الوجود. ولهذا الدليل طرق كثيرة هذه إحداها.

إذن يمكننا القول بأنه لدينا أربعة احتمالات لا خامس لها، اذا أبطلنا ثلاثة منها يتبقى لدينا احتمال واحد هو المعقول والمقبول،

هذه الاحتمالات هي:

  1. إما أن يكون هذا العالم الممكن قد أوجد نفسه بنفسه، وهذا يستلزم الدور المباشر، وهو محال وممتنع. والدور  الصريح او المباشر كما يعرّفه علماء المنطق: هو توقف الشئ على نفسه، فيكون الشئ علة ومعلولا في نفس الوقت وهو محال.
  2. وأما أن يوجد هذا الممكن عن طريق ممكن آخر، هو الذي أوجده، أي أن كلًا منهما أوجد الآخر، وهذا أيضا من قبيل الدور الممتنع وإن كان غير مباشر، كأن نقول أ أوجد ب، وب هو الذي أوجد أ، فنظل في هذه الدائرة المغلقة، وهو باطل عقلا؛ لأنه يترتب عليه أيضا ان يكون الشئ علة ومعلولا في الوقت ذاته.
  3. وإما أن يوجد هذا الممكن عن طريق ممكن آخر وهذا الاخر عن طريق ممكن غيره وهكذا فيتسلسل الأمر الى ما لانهاية. وهذا التسلسل في الماضي باطل، بدليل برهان التطبيق (يحتاج إلى بيان ومناقشة تفصيلية في موضع آخر مستقل).
  4. أن يكون هناك علة أو سبب خارج عن دائرة الممكنات، هو الذي رجّح وجودها على عدمها، هذه العلة لا بد أن يكون وجودها من ذاتها وهي واجب الوجود.

فتكون النتيجة انه يوجد لهذا الكون اله خالق وجوده مطلق، وهو الذي اعطى الوجود لكل الممكنات.

إن هذا الدليل العقلي يقع تحت عنوان الوجود والعدم، وكيف أن الخالق واجب الوجود، وكيف أن المخلوقات ممكنة الوجود، وكيف أن العدم لا ينتج عنه وجود، وأن ممكن الوجود لا يكون سبباً في خلق نفسه.

هذا ملخص لدليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم، قال تعالى في آية واحدة: “أم خُلقوا من غير شئ أم هم الخالقون” الطور: 35. فلا يمكن عقلًا أن يكون سبب الوجود هو العدم، ولا أن يكون الممكن هو من أوجد نفسه.

إلا أن هناك عددًا من الاعتراضات والافتراضات التوهمية التي يقول بها بعض العلماء والفلاسفة أمثال لورانس كراوس الفيزيائي المشهور صاحب مقولة إن العالم وُجد من لا شئ.. عندما نتأمل كلامه نجده عبارة عن تصورات فلسفية، وليس في كلامة حقائق او مقررات فيزيائية حقيقية او قطعية، بل ما يوجد هو مجرد تفسيرات وتأويلات للقوانين الفيزيائية، فما يحتجون به ليس هو القوانين الطبيعية، بل فهمهم لهذه القوانين وتصوراتهم عنها. لأن ادعاء وجود العالم من لا شئ هذا يخالف أبسط القواعد المنطقية؛ لأن اللاشئ يساوي العدم، والعدم غير موجود أصلا، فكيف له ان يوجد نفسه فضلا عن أن يوجد غيره؟ هذا تناقض يرفضه اي عاقل.

كذلك لا يجوز لنا ان نتوهم ان الكلام الذي قال به برتراند رسل او غيره من الفلاسفة، لمجرد ان قاله فيلسوف فهو معقول ومقبول، فالعشوائية والما لا نهاية التي يقولون بها هي مفاهيم عقلية خالصة لا تحقق لها في الواقع، ونحن في دليلنا هذا كما وضحنا ننطلق من الواقع ومن العالم المشاهد.

كذلك الحال بالنسبة للفيلسوف ديفيد هيوم الذي يزعم انه لا يوجد سبب يدعو لاعتماد مبدأ السببية فنحن نستطيع فهم الآثار دون فهم مسبباتها؛ اي نستطيع فهم الموجود بدن ان نفيهم لماذا ومن ماذا وجد ومن الذي أوجده؟  لان ما هو مفهوم فهو ممكن في الواقع عنده، ومن ثم لا يمكن تطبيق مبدأ السببية على الكون، والحال ان هذا المبدأ مستخلص من ملاحظة جزئيات العالم هكذا يقول هيوم.

 ومعروف ان مبدأ السببية هو مبدأ عقلي قبلي؛ اي أن منشأه من العقل نفسه، دون الحاجة والاستناد الى تجربة؛ لانه موجود في العقل قبل اي تجربة، فأي عاقل يجزم بان كل حادث لا بد له من سبب، وحتى الربط بين الأسباب ومسبباتها بحكم العادة فيما يعرف بالسببية العادية عند متكلمي الاسلام، هذا الربط يحصل ايضا في العقل، لانه قياس خفي يحتاج بعد النظر في الواقع وجزئياته الى اعمال العقل بعد ذلك للوصول الى قاعدة او حكم كلي، فالتجربة فقط مجرد مقدمة، اما التعميم فهو عقلي. نعم قد يكون المبدأ في تطبيقاته مستعينا بالتجربة، لكنه غير تجريبي في نفسه، فهو في اساسه عقلي، والتجربة فقط تظهره للذهن.

 لذلك لا يصح ان يقال ان مبدأ السببية تجريبي؛ لان ذلك يستلزم انهيار العلم من أساسه، والبحوث العلمية المعاصرة تعترف الآن بان الاسس العليا للعلم ليست كلها مأخوذة من التجربة، بل بعضها عبارة عن افتراضات ذهنية وتصورات عقلية وتحليلات رياضية، ثم تأتي بعد ذلك دور التجربة في تصديقها او تكذيبها، فليس كل ما يسمى علمًا هو تجريبي محض، وهذا ما يعترف به فلاسفة العلم الآن.

وأخيرًا نستطيع أن نقول: إن الأدلة العقلية – سواء أكانت من القرآن الكريم أم من الفلاسفة والمتكلمين تثبت وجود الله بواسطة المفاهيم العقلية. فمثلا دليل النظم يثبت وجود الله بعنوان أنه ” المنظم للعالم”، ودليل الحركة يثبت وجود “محرك للعالم”، وأدلة أخرى تثبت وجوده بوصفه خالقًا أو صانعًا أو واجب الوجود. بعد ذلك تقوم أدلة التوحيد لتثبت أن هذه العناوين الكلية لا تصدق إلا على موجود واحد هو الله عزوجل (ذَلِكُمُ الله رَبكُمْ لَا إِلَه إِلا هُوَ خَالِقُ كُل شَيْءٍ فَاعْبُدُوه وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ وَكِيل) الأنعام: 102.  فالعاقل يسمع ويتدبر ويتحقق ولا يبادر بالإنكار والجحود.