د. عزة رمضان العابدة، باحث بمؤسسة طابة

يرى البعض تعارضًا بين كون الله كُليّ العلم وبين كونه كُليّ القدرة، فيقول: إذا كان الله كُليّ العلم فهو يعلم كل ما سيقع في المستقبل، لكنه لا يستطيع تغيير ما تعلق به علمه، حتى لا ينقلب العلم جهلًا، فيلزم أنه غير كليّ القدرة. وإن استطاع تغييره فيلزم أنه غير كليّ العلم، لانقلاب العلم جهلا. بصيغة أخرى كيف تجتمع القدرة المطلقة والعلم المطلق في إلهٍ واحد، طالما أننا نعرف منطقيا أن إحدى الصفتين تلغي الأخرى؟!

في البداية لا بد أن نحدد المقصود بكل من كُليّ العلم وكليّ القدرة، أيضا علينا أن نبين المقصود بكل من الصفتين (القدرة والعلم) وبم تتعلق كل منهما، حتى يكون المنطلق والأساس واحدًا، وهذا ما أكّد عليه العلماء قديمًا حين قالوا: من الواجب أولًا تحرير المصطلحات، ثم تحرير محل النزاع.

فنقول: إن قدرة الله عز وجل هي صفة ثبوتية قديمة قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد الممكن وإعدامه على وفق علمه وإرادته. ما معنى هذا التعريف؟ معناه أن الذات الإلهية الأزلية القائم بها صفة القدرة تؤثر فقط في الممكنات، سواء إيجادًا أو إعدامًا، على وفق تعلق إرادته وعلمه سبحانه. فما علِم تعالى أنه سيوجد ويكون على صفة كذا في زمان كذا مثلا، تعلقت إرادته تعالى بتخصيصه على وفق ما علمه، فتعلقت قدرته تعالى بإيجاده على وفق ما خصصته الإرادة.

                         فما معنى الممكن وما سر اختصاص قدرته تعالى به؟

الممكن هو الذي يقبل الوجود تارة والعدم تارة أخرى؛ أي ما يستوي طرفاه وجودًا وعدمًا، (كما نقول في العامية ممكن كذا وممكن كذا فليس أحدهما أولى من الآخر) فهو بمعنى الجائز الذي هو وسط بين الواجب والمستحيل. والقدرة لا تتعلق لا بالواجب ولا بالمستحيل؛ وهذا لا يعني محدودية قدرته حاشاه سبحانه، وإنما هذا ما يستوجبه العقل ويستوعبه، لأنها لو تعلقت بالواجب لإيجاده، فالواجب أصلا هو الموجود الذي لا يقبل العدم، فيكون إيجاده بمثابة تحصيل الحاصل. وكذلك لا تتعلق القدرة بالمستحيل؛ لأن المستحيل هو المنفي الذي لا يقبل الثبوت أبدا، فلو تعلقت القدرة به لإيجاده فيكون قلبًا للحقائق. إذن القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات. وبهذا نعرف أنه لا قصور في عدم تعلق القدرة الأزلية بالواجب والمستحيل، لأن المنطق العقلي يقتضي ذلك. ويكون معنى أن قدرته تعالى مطلقة؛ أي لا يجوز أن يخرج عنها ممكن من الممكنات.

وصفة الإرادة ملازمة لصفة القدرة غير منفكة عنها، وكذلك صفة العلم والحياة وغيرها من الصفات، فإذن لا بد من تخصيص بعض الممكنات بالوقوع دون ما يقابِله من صفة أخرى تصلح له، وليس الصالح له إلا صفة الإرادة؛ إذ لا يلزم نقص في قولنا: أراد الله وجود هذا الممكن ولم يُرِد وجود هذا الممكن الآخر، وإنما أراد إعدامه، بل ذلك دليل على غاية الكمال، فإن تصرفه جلّ وعلا في الممكنات بمحض الإرادة والاختيار، ولا باعث على ممكنٍ منها ولا إكراه ولا إجبار، كما قال تعالى: “وربكَ يخلُقُ ما يشاءُ ويختار”.

وأما عموم علمه تعالى فحاصله؛ أن علمه محيط وشامل لجميع الموجودات والمعدومات وجميع الجزئيات والكليات. لأن علم الله هو صفة أزلية تنكشف المعلومات عند تعلقها بها، سواء كانت المعلومات موجودة أو معدمة، محالة أو ممكنة، قديمة أو حادثة، متناهية أو غير متناهية، كلية أو جزئية، وبالجملة جميع ما يمكن أن يتعلق به العلم فهو معلوم لله تعالى. فالعلم القديم واحد وإن تعلق بمعلومات متعددة. وهذا التمييز بين العلم والمعلوم (أي بين الصفة وتعلقها) يحلّ جانبًا مهمًا من الإشكال كما هو واضح.

وينبغي أن نعلم أيضا أن تعلق القدرة والإرادة والعلم مترتب بحسب اعتبار العقل (أي في الذهن فقط) لا بحسب الواقع؛ بمعنى أن تعلق القدرة تابعٌ لتعلق الإرادة، وتعلق الإرادة تابعٌ لتعلق العلم، فلا يوجِد شيئًا أو يعدمه إلا إذا أراده، ولا يريده إلا إذا علِمه، فما علِم أنه يكون أراد كونه، ثم أبرزه على وفق الإرادة، وما علِم أنه لا يكون فلم يرد كونه فلم يوجد، وإن أمر به، كالإيمان ممن علِم أنه يستمر على الكفر حتى الموت.

 وبالجملة؛ فبعد تسليم أن الله تعالى قادر بمعنى أنه يصح منه الفعل والترك ينبغي أن لا يتوقف عاقل في أن علمه بوجه المصلحة لا يكفي في فعله، وإلا لزم الإيجاب فيه (والله تعالى لا يجب عليه شئ أصلا)، فهذا العلم لازمٌ لذاته لا يفارقه قطعًا، وإلا لزم تجهيله تعالى عنه علوًا كبيرًا. أيضا تجدر الإشارة إلى أن الباري تعالى في أزله يتعلق علمه بوجود الشئ مضافًا إلى وقته المعين، كما يتعلق به مضافًا إلى محلّه المعين، فالمضيّ والاستقبال والحال من عوارض الإخبار عن تعلق علمه تعالى، لا ظروف للعلم؛ إذ علمه ليس زمانيًا حتى يوصف بالماضي والحاضر والمستقبل وهذا معنى مهم يحل جانبا كبيرا من الإشكال. وكما جاء في عمدة المريد أن الشبهة إنما نشأت من حيث الإخبار عن ذلك التعلق المخصوص بالقول اللفظي (أي في تعبيرنا نحن عنه بألفاظنا المعتادة الماضي والحاضر والمستقبل)، فإنْ تقدّمَ زمن الإخبار عنه على زمن وجود ذلك الفعل سُمي الإخبار مستقبلا، وإن تأخر سُمي ماضيًا، وإن قارن سُمي حالًا، فالماضي والمستقبل والحال ما هي إلا تسميات تعْرُض (أي تطرأ) باعتبار الإخبار. فالله تعالى يعلم جميع الحوادث الجزئية وأزمنتها الواقعة هي فيها لا من حيث إن بعضها واقع الآن، وبعضها في الزمان الماضي، وبعضها في الزمان المستقبل، ليلزم تغيره بحسب تغير الماضي والحاضر والمستقبل، بل علمًا ثابتًا أبد الدهر غير داخل تحت الأزمنة، مثلًا يعلم أن القمر يتحرك كل يوم كذا كذا درجة، فيعلم أنه يحصل، والشمس كذا كذا درجة فيعلم أنه يحصل لهما مقابلة يوم كذا، وينخسف القمر في أول الحمل مثلا، وهذا العلم ثابت له حال المقابلة وقبلها وبعدها، ليس في علمه كان ولا كائن ولا يكون، بل هو حاضر عنده في أوقاتها أزلا وأبدا، وإنما التعلق في علومنا نحن المكتسبة بعد جهل سابق، فلا تعارض إذن بين علمه تعالى الحضوري الأزلي المطلق الشامل لجميع الموجودات وبين قدرته المطلقة الشاملة لجميع الممكنات.