هل يأمر الإسلامُ الرجال بضرب النساء؟ (1)

كوثر السعدني

فى دراسة أجراها الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء حول ظاهرة ممارسة العنف ضد المرأة التي نشرت فى مجلة السكان إصدار يونيو 2017 جاءت الأرقام مفزعة، فتقول الدراسة إن 42٫5% من النساء يتعرضن للعنف من قبل أزواجهن.

وغالبا ما تحكي النساء المعنفات أن أزواجهن يبررون ضربهم لهن في مرحلة الصلح والاسترضاء بأن هذا هو حقه الشرعي، وأنه ربما بالغ قليلا (وقليلا هذه غالبا ما تكون كدمات وعلامات من أثر الضرب على أفضل التقديرات) لكنه في النهاية لم يكن مخطئا من الناحية الشرعية، فهل يعتبر هذا حقه شرعا؟

قطعا لا يُعد هذا الضرب المسبب للأذى مباحا في الشريعة، بل هو عدوان محرم.

  
فهل يسمح الإسلام للرجال بضرب النساء ولو بأدنى درجة؟ ولماذا يستخدم بعض الرجال الدين كحجة يدافعون من خلالها عن سلوكهم المشين؟ هل الدين مسؤول؟

       لنتخيل معا دائرة كبيرة ودائرة صغيرة، الفقه هو الدائرة الصغيرة، والشريعة هي الدائرة الكبيرة التي تحتوي على دوائر أخرى غير الفقه مثل العقيدة والأخلاق، فمعرفة الحكم الفقهي في أي قضية لا يعني أن هذا هو التصور الشرعي لها وأنه ما يجب أن يكون، وخاصة أن الفقه أشبه ما يكون بالقانون، نحن نلجأ للقانون في حالات الخلاف، لكن الحياة ليست مبنية على الخلافات والمنازعات الفقهية، صحيح؟
لا نبحث عن حكم الشرع أو القانون إذا ما وجدنا شخصا يوشك على الغرق ونحن نستطيع السباحة، ولا إذا ما وجدنا منزلا مفتح الأبواب وفيه خيرات كثيرة ولا حراس أو شرطة، ولا إذا ما اختلفنا مع صديق أو حبيب، في العادة نحن نقدم على الفعل الذي تمليه علينا أخلاقنا وتربيتنا وتربيتنا تعتمد بدورها على الدين والفلسفة الذين يؤمن بها الأب والأم، ثم إذا ما بدأ النزاع حول هل كنا مصيبين أم لا نلجأ حينئذ للشرع والقانون، وقد ينشئ الشرع أو القانون سلوكيات معينة ابتداء، كتجريم قطع الإشارة الحمراء مثلا، أو كإباحة ذبح الأضاحي في عيد الأضحى، وغيرهما.

    ومنذ نشأة الحياة المعرفية الإنسانية تحصل تغيرات فكرية لأسباب مختلفة منها المكتشفات العلمية وتأثيرها على الأوضاع الاقتصادية والفلسفات المرتبطة بها، ويسهم هذا التغير الفكري في تغير شكل الاجتماع الإنساني وقوانينه وأعرافه، ولكي نحسم أي نقاش علينا أن نتفق على الأصول المعرفية والفكرية التي نحتكم لها، فنتناقش في ما هو الدين؟ وهل ينشئ القيم أم لا؟ وهل الأفكار والفلسفات الإنسانية التي ظاهرها التعارض مع الدين صواب في نفسها بالضرورة؟ وهل يحق لنا التعرض لأفكارها المختلفة بالقبول والرفض؟

والدين:

   هو “وضع إلهي سائقٌ لذوي العقول السليمة لما فيه الخير لهم بالذات”، فيجد المرء فيه أجوبة على الكثير من الأسئلة الوجودية المهمة؛ لأنه ليس فقط اعتقادا، بل أيضا شريعة (عبادات ومعاملات)، وأخلاق.

ومعنى كون الدين منشئا للقيم أنه المرجعية التي تحكم على حسن وقبح الأفعال فيترتب عليها الثواب والعقاب، فيحرم الدين الزنا ويعاقب عليه ويبيح الزواج ويثيب عليه وبهذا يكون الزنا قبيحا والزواج حسنا.
وعندما يفعل الدين ذلك فليست القضية مجرد الثواب والعقاب، بل يحدد سمات معينة للمجتمع لا تكون العلاقات الجنسية خارج الزواج فيه مقبولة ، وبالتالي فثمة شكل للبيوت والأسر داخل هذا الإطار الشرعي وطبيعة الحقوق والواجبات بينهم أنشأها الدين ابتداء.
وعلى النقيض نجد محاولات لجعل البشر هم مصدر التشريعات والقيم وعندما يحدث ذلك نجد استساغة للزنا تحت مسمى حرية ممارسة الجنس، ثم استباحة الشذوذ، وما يترتب على ذلك من تغير شكل البيوت والعلاقات في المجتمع، وهكذا.
   فإذا اتفقنا على أن الدين هو مصدر القيم فسيكون السؤال التالي ما هو حكم الدين في قضية الضرب وهل الحكم معقول المعنى (أي يتغير بتغير علته) أم تعبدي (أي ثابت لا يتغير)، وإن كان الحكم معقول المعنى فما هي علته؟ وهل مازالت العلة متحققة أم انتفت فيتغير الحكم؟

   وللدين فلسفة كلية عموما وفي كل قضية خصوصا، ونفهم فلسفته من خلال تتبع جزئياته في الموضوع الواحد، فحتى نفهم بعض الأحكام المتعلقة بقوامة الرجل على المرأة سنحتاج لفهم أحكام الأسرة من نفقة ومسؤوليات وواجبات للطرفين وأحكام الولاية في الفقه الإسلامي بأنواعها المختلفة وليس مجرد الحديث عن حكم واحد جزئي منعزل عن سياقه ومنظومته وسنفرد مساحة أكبر للحديث عن القوامة مستقبلا.


وإذا كان الدين ينشئ المجتمع بخصائص معينة بناء على أحكامه كتحريم الخمر مثلا، فهل كل شيء في المجتمع يخترعه الدين؟

هناك علاقات طبيعية بين الأشياء وعلاقات شرعية بين الأشياء، فالعلاقات الطبيعية مثل أن شرب الماء يذهب الظمأ وأكل الطعام مشبع، والنيران محرقة.. كل هذه الأشياء الشرع لا يخترعها، ومن ضمن الأشياء التي لا يخترعها الشرع هو أن الضرب كان وسيلة لتحقق الإصلاح ضمن منظومة من الثواب والعقاب وتراتبية الولاية داخل هذا المجتمع فكما كان شرب الماء يروي العطشان ويحافظ على الحياة، كان الضرب الخفيف غير المهين يصلح العلاقة الزوجية ويحافظ على الأسرة والأبناء، وكان الرجل أقدر على استخدام هذه العلاقة الطبيعية من المرأة بحكم الطبيعة الجسدية لكليهما.
وكذلك كان الضرب كوسيلة للإصلاح مستخدم من قبل القضاة في أحكام قضائية مختلفة، لأنهم كانوا قادرين على تنفيذها بالفعل.
 وعلة الضرب في الفقه الإسلامي هي الإصلاح (أي غرضه الإصلاح) فلم يوجد الشرع هذه العلاقة الطبيعية من حصول الإصلاح بعد الضرب، لكن الشرع يحدد هل يجوز استخدام هذه العلاقة أم ينبغي تجاهلها؟ وهل يستخدم هذه العلاقة كل أحد في المجتمع؟ أم يستخدمها الرجل فقط وللنساء وسيلة أخرى للإصلاح تكون فيها أقدر على تنفيذها فعلا؟
    كما أن الشرع هو الذي يقرر هل من حق الزوجة أن تضرب زوجها إذا نشز مثلا؟ لكنه لا يقرر هل يفيد هذا الضرب فعلا أم لا، فهي علاقة عادية كما ذكرنا، وبالتالي قد ينيط بعض أحكام إصلاح العلاقة بالزوج، وبعضها بالقاضي، فبعض الأحكام يربطها الشرع بالواقع وبمن له الولاية وقدرته على تنفيذ الحكم فعلا لأن لها غرضا معقول المعنى كما ذكرنا.

 فسؤال هل يحقق الضرب الإصلاح؟
     علاقة طبيعية، والعلاقات الطبيعية يمكن أن تتغير.
وسؤال هل من حق الرجل أن يستخدم هذه الوسيلة للإصلاح أو لا؟
     علاقة شرعية، والأحكام الشرعية المرتبطة بمعنى أو هدف محدد تتغير مع تغير وسائل تحقيق هذا الهدف.

   طيب.. هل كل شيء في الزواج من حق الرجل؟ ماذا عن حقوق الزوجة؟ هل لها أن تصلح زوجها إذا نشز هو أيضا؟

   على مدار القراءة في المدونات الفقهية نجد تشوفا لحالة من الاستقرار الأسري يكون فيها قيادة للزوج مرتبطة بواجبات معينة على رأسها النفقة والرعاية وهي حقوق أصيلة للزوجة ويعد مقصرا حال امتناعه ولها مقاضاته لاستيفائها، وهو كذلك له حقوق أصيلة مثل حق الطاعة وعدم النشوز وله تحصيل حقوقه بوسائل مختلفة.
   ويسقط حق الزوج في الطاعة لو امتنع عن النفقة.
 لكن لو أعسر بالنفقة فلا تسقط طاعته وليس للزوجة الفسخ عند الأحناف، وتُخير في الفسخ عند الجمهور، يعني يُترك القرار لها؛ أتتحمله وتصبر عليه أم تتركه.
وهناك فرق بين الامتناع والإعسار واضح.

 ويسقط حق الزوجة في النفقة لو نشزت، وكلاهما مطالب بأداء واجباته للآخر لاستيفاء حقوقه.
وامتناع الزوج عن النفقة يعد نشوزا في حق الزوجة كما امتناعها عن الطاعة يعد نشوزا في حق الزوج.
لكن يجب أن ننتبه أننا في كل هذا الحديث عن الحقوق والواجبات نتحدث في حدود ضيقة جدا على المستوى الواقعي، فالحياة لا تقوم على التصارع والخلافات وهذا التفصيل للحقوق والواجبات لحل النزاعات، والشرع ليس الفقه فقط كما ذكرنا في أول المقال، والحياة ليست نزاعا فقط.
كما أن اختلاف وسائل تحصيل حقوق كل طرف راجع إلى اختلاف احتياجات كل نوع الأساسية واختلاف قدرات التحصيل والتأثير.

هل كل التكاليف الشرعية تقبلها نفوسنا بسهولة؟


    كان أحد بنود صلح الحديبية الشهير الذي عقده سيدنا محمد ﷺ مع الكفار بعد رفضهم لدخول المسلمين معتمرين على أن يأتوا معتمرين في عام آخر،  أن يرد المسلمون من يأتي إليهم مسلما، وألا يرد الكفار من يذهب إليهم من المسلمين.
 فجاء أبو جندل (أحد الصحابة) مسلما للمسلمين، فردوه حسب بنود الصلح؛ فأثر ذلك في نفسية المسلمين أشد التأثير والنبي ماض في عقده وقلوب المسلمين ثائرة تغلي، لكن لا يعترضون احتراما للعقد.
   أدى ذلك وغيره من بنود الصلح المجحفة إلى رفض المسلمين القلبي الشديد لهذا الصلح وغضبهم من بنوده حتى أنهم لم يمتثلوا للأمر النبوي بالحلق والتقصير (لعدم أدائهم العمرة)، إلا بعد أن حلق النبي ﷺ أولا بنفسه، فتأتي الروايات بأنهم كانوا يحلقون لبعضهم بعنف وضيق وغم حتى كاد يقتل بعضهم بعضا.
   ففي هذه القصة الملهمة نتعلم كيف ممكن أن تأتي الأحكام بما فيه مشقة على النفوس حتى على نفوس الصحابة أنفسهم، بل إن التكليف معناه الإلزام بما فيه مشقة، وأن هذا لا يطعن في إيمان المكلف الذي يرى مشقة في قبول أحد الأحكام، المهم هو التأكد من الحكم الشرعي ثم الإقرار به، وأن بعض الأحكام التي يواجه المسلم صعوبة في قبولها فضلا عن الإذعان لها غير مختصة بنوع معين، فالتكليف على الرجال والنساء، والتفاوت في الأحكام لا يعني التحيز لنوع على حساب الآخر.
   فأصل فكرة أن الدين يوافق رغباتنا وأهوائنا ليست صحيحة، لكن الدين مع ذلك يراعي مصالحنا بنظرة أعم من النظرة الفردية التقليدية، فنجد رعاية لنموذج الأسرة المستقر في المقام الأول، ثم من خلال ذلك يكون التوازن بين المصالح الفردية لكل طرف من أطرافها على حدة تاليا.

والآن نأتي للسؤال الأهم، ما هو تفسير آية سورة النساء (34) وما حكم الشرع في مسألة الضرب؟
نجيب عن هذا السؤال في المقال التالي.