هل وجود الله أمر علمي؟

 

بما أن وجود الله ليس قابلا للنفي أو الإثبات عن طريق التجربة وإمكانية الدحض كما هو الشأن في القضايا العلمية، فلذلك هل يمكن القول إن قضية وجود الله ليست قضية علمية؟

 

النموذج المعرفي الغربي في مفهوم “العلم”

الحضارة الغربية المادية، قامت على مسلّمة في نموذجهم المعرفي المــادي، يمكننا أن نعتبرها مغالطة واضحة في التفكير وفي السياق المعرفي الإنساني ، وهي أنهم حصروا مفهوم العلم فقط في العلوم التجريبية، حتى إن كلمة science  أو “علم” عندهم معناها العلم التجريبي المتشكل من ملاحظة الظواهر الطبيعية ووضع الفرضيات وإجراء التجارب، وسموا المنهج العلمي بمصطلح scientific method ، وهذه الدعوى مبنية على سلّمته الحضارة الغربية بعد الثورة الصناعية، من إنكار الميتافيزيقا وحصر مفهوم العلم اليقيني فقط في الشق المادي التجريبي، ثم تشكل مفهوم المادية القائم على أساس أن كل موجود نتاج المادة بما فيه الوعي البشري،  فإنه عندهم عبارة عن نتاج تغيرات كيمائية في الجهاز العصبي.

معيار الصدق والكذب في نظريات العلم التجريبي : ونتيجة لهذا النموذج المعرفي Paradigm ، فقد بنوا القاعدة التي ذكرها صاحب السؤال، وجعلوها معيارا في الفرق بين ما هو “علمي” وما هو غير “علمي” وهي أن (القضية العلمية هي القابلة للدحض بواسطة تجربة ما).

وهو ما عبر عنه كارل بوبر في كتابه Science: conjectures and refutations  ص8 :

(The criterion of the scientific status of theory is its testability or refutability or falsifiability)

أي أن المعيار والضابط لوصف النظريات بأنها علمية هو “قابليتها للتزييف أو النقد أو الاختبار”، ومعنى هذا الكلام، أننا لو سألنا أنفسنا مثلا: ما السبب وراء غليان الماء عند درجة حرارة 100 درجة وتجمده عند درجة الصفر ؟ لكانت الإجابة لأن التجارب المختلفة والمتكررة قد لوحظ فيها أن درجة حرارة غليان المــــــــاء ثابتة، وهي مائة درجة سلزيوس، وكذلك درجة تجمده عند الصفر، وأن التجربة العملية هي التي دلتنا على صحة هذه الملاحظة أو الفرضية، لكننا إن أثبتنا بالتجربة أن الماء يمكن ألا يتجمد عند درجة حرارة المائة فإن هذه النظرية توصف بأنها علمية، حتى لو كانت تلك التجربة خيالية أو لم تتحقق بعد.

شروط النظرية العلمية عند التجريبيين

ويتضح مما سبق أن الشروط اللازم توافرها عند التجريبيين لإطلاق صفة “النظرية العلمية” هي الأربعة شروط الآتية:-

1- الملاحظة: أي ملاحظة الظاهرة المتكررة التي تتطلب حكما أو قانونا عاما، مثل ملاحظة سقوط الأجسام من أعلى لأسفل وليس العكس، وملاحظة أن الجسم يتمدد بال حرارة وغيرها، وكما ترى فإن هذه الملاحظات مبنية على الحس، أي الأمور المشاهدة أو المسموعة أو الملموسة وغيرها، مما يقع تحت الحس مباشرة أو بوسائط.

2- وضع الفرضيات: أي محاولة وضع أي وصف لسبب الظاهرة، وهذا الوصف قابل للصحة أو للخطأ بناء على التجربة.

3- التوقّع: وذلك باستخدام تلك الفرضيات في محاولة توقع النتيجة مسبقا ، أو وضع عدد من التوقعات لتلك الفرضيات.

4- الاختبار: أي اختبار تلك التوقعات والتنبؤات تجريبيا مرات عديدة ومن خلال كثرة صدق النتائج على التوقع المسبق، ومحاولة استقراء النتائج مع طول التجربة في ظروف مختلفة، ومع صدق أحد التوقعات بواسطة هذا الاختبار في تفسير الظاهرة وانطباقها على الواقع، يمكن أن نقول إن هذه نظرية علمية صحيحة.

هل المعرفة الصادقة محصورة في الأمور التجريبية فقط ؟

ونحن في الحقيقة لا نمنع من صدق النموذج العلمي الناتج من الملاحظة والتجربة، لكنّ الإشكالية والمغالطة الكبرى، هي حصر المعرفة “العلمية” في الفرض والتجربة العملية المبنية على المشاهدة فقط؛ لأن العلم في حقيقته هو اعتقاد مطابق للواقع الخارجي، وهذه المطابقة قد تثبت عندنا بطرق أخرى غير المشاهدة والاختبار العملي، ومنها: الأوليات : وهي القضايا التي يصدق العقل بها لذاتها، أي بدون سبب خارج عن ذاتها، كأن يكون تصور الطرفين كافيا في الحكم والجزم بصدق القضية، من قبيل قولنا: “النقيضان لا يجتمعان”، و “أن الكل أكبر من الجزء”، وكذلك المحسوسات : وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة الحس، لكن أحكام المحسوسات تكون جزئية أي لا تصدق إلا على ما وقع عليه الحس، فنقول إن هذه النار محرقة، وكذلك أن هذا الجسم يتمدد مع التسخين، أما الأحكام الكلية التي نقول فيها إن كل نار محرقة فهو حكم تجريبي استقرائي، وليس حكما حسيا.

ومن ضمن المعارف الجازمة ما نسميه : المتواترات : وهي القضايا التي يحصل اليقين بها بسبب إخبار جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب بأمر ما كان مستند الإخبار فيه هو الحس، كعلمنا بوجود البلاد العظيمة التي لم نزرها أو نشاهدها، وكذلك وجود الشخصيات التاريخية العظيمة مثل السيد المسيح، وسيدنا محمد ، وإسحاق نيوتن، وألفريد نوبل وغيرهم، فوجود هؤلاء الشخصيات لم يثبت بحس أو بتجربة، وإنما بواسطة الخبر المستند إلى الحس، لكن النفس تجزم بوجودهم من غير شك، لأن الجماعة التي نقلت الخبر يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة.

ومنها أيضا التجريبيات:  وهي القضايا التي ثبت صدقها ومطابقتها للواقع بواسطة التجربة والفرض والملاحظة والاختبار، وهي موضوع كلام السؤال.

ثم من القضايا العلمية غير التجريبية أيضا: القضايا العقلية، وهي التي يستقل العقل بإدراكها من دون سابق تجربة ويحكم بأنها جازمة ومطابقة للواقع، وهي القواعد الأولية التي يشترك في إثباتها كل العقلاء، وبدونها تقع المعرفة البشرية في سفسطة لا نهاية لها ، ومن أمثلتها:

1- أولها : مبدأ الهوية: يقضي أن الشيء هو هو ، ولا يمكن أن يكون إلا هو، أي أن الشيء يكون مطابقا لذاته.

2- مبدأ عدم التناقض: مضمونه أن النقيضين لا يجتمعان، فالقضية لا تصح إن جمع فيها النفي والإثبات مع الاتحاد في النسبية الحكمية كأن تقول زيد عالم ولا عالم.

3- مبدأ الثالث المرفوع: مضمونه أن لا وجود لحد وسط بين نقيضين، فالشيء إما أن يكون أو لا يكون.

4- مبدأ العلية : وهو أن لكل حادث سبب، فما دام الشيء ليس واجبا أو مستحيلا فهناك حتما سبب وعلة لوجوده ليس ذات الشيء.

فتبين مما سبق أن وسائل المعرفة العلمية عند أهل الأديان وعند أكثر العقلاء ليست التجربة العملية فقط، بل هي ثلاثة أمور: وهي الحس السليم ، والعقل ، والخبر الصادق.

ولكل واحدة من هذه الوسائل قواعد يعرف بها مطابقة كل واحدة منها للواقع وصحته، فمثلا شرط المعرفة الحسية ، هو سلامة الحواس، واتصالها بالمحسوس من غير معوقات، وشرط المعارف العقلية أن تكون نتاجا لقياس منطقي صحيح المادة والصورة، أي تتحقق فيه شروط الإنتاج الصحيحة وأن تكون مواده يقينية وهي الأمور التي ذكرناها في أقسام المعارف الجازمة.

وكذلك وسيلة صدق القضايا من الأخبار هي التواتر أو أن يكون صاحب الخبر مؤيدا بالمعجزة وهي الأمر الخارق للعادة.

فالدعوى بأن المعرفة العلمية لا تكون إلا بأن بإمكانية الدحض أو النفي بواسطة التجربة، هي لازم القول بأنه لا معرفة صحيحة إلا ما كانت منتجة بواسطة الحس والتجربة العملية، وهذا في الحقيقة تسليم بأمر هو محل النزاع.

فهذه القاعدة متجهة على منهج أصحاب المادية التجريبية والوضعية المنطقية المنكرة للغيب والميتافيزيقا، لكنها ليست صحيحة ولا متجهة على مذهب من يقول إن أسباب “العلم” والمعرفة هي العقل أي المبادئ القبلية والأقيسة العقلية ، وكذلك الحس والتجربة، والخبر الصادق، الثابت صدقه بالتواتر أو المعجزة، وهم المسلمون وغيرهم من أهل الأديان.

فينبغي أن يعلم السائل قبل الكلام على أدلة وجود الله عن المتدينين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، أن مفهوم “العلم” و”القضية العلمية” في النموذج المعرفي المادي الغربي لا تشمل القضايا الضرورية البدهية التي لا تثبت بالتجربة مثل بعض مباحث علم الرياضيات، وكذلك قضايا الميتافيزيقا والإلهيات كلها، وأمور الغيب تبعا لها.

معيار صحة القضايا وكونها “علمية” ليس محصورا فقط في إمكانية التفنيد

وبعض الذين مالوا إلى الوضعية المنطقية والتجريبية مثل كارل بوبر تنبه لهذا الغلط ، وردّ الإفراط في حصر مفهوم “العلم” و”القضية العلمية” على ما كان قابلا للدحض والخطأ فقال في كتابه منطق الكشف العلمي ص 77: «النظريات ليست قابلا للتحقيق الإمبريقي مطلقا ، وإذا أردنا أن نتجنب خطأ الوضعيين في حذف الأنساق النظرية للعلم الطبيعي عن طريق معيارنا للتمييز ، فعلينا أن نختار معيارا يمكن أن نضيف به القضايا التي لا يمكن تحقيقها إلى ميدان العلم الإمبريقي».

ثم يقول : « ولكني بكل يقين سأسمح أن يكون النسق إمبريقيا أو علميا فقط إذا كان قابلا للاختبار عن طريق الخبرة، وهذه الاعتبارات تقترح علينا أنه ليست قابلية التحقيق، وإنما قابلية تكذيب النسق، هي ما يمكن أن نأخذه معيار للتمييز».

مجالات التمييز والحكم بالصدق في العلوم المختلفة

إذا يتضح للسائل أن لكل علم مجالا خاصا به ، وهذا المجال هو الذي يضع الشروط اللازم توافرها صحة وصدق المعارف المستنتجة في هذا العلم. وكون التجربة أو القابلية للنفي والدحض بواسطة التجربة دليلا على صدق قضية ما لا يستلزم بالضرورة أن يكون معيارا لصدق أي قضية أخرى، إلا إذا تحكم صاحب الرأي وقال إن العلم ليس إلا ما أثبتته التجربة، وهو غير صحيح.

لذا ينبغي العلم أن مبدأ (القابلية للنفي Falsability) مقتصر على وصف النظريات العلمية التجريبية ، وهو مخرج للميتافيزيقا من وصف العلم لكنه لا يستلزم رفض أي حكم إلا إن كان قابلا للتكذيب ، حتى عند بعض الوضعيين لأن هذا يستلزم إبطال كثير من الآراء التي يبنون عليها كلامهم مثل أحكام الرياضيات ، والمبادئ الضرورية كاستحالة اجتماع النقيضين وغيرها.

طريـــقة المتدينين في إثبات وجود الله

ومعلوم عند المسلمين كلهم خلافا للمجسمة أن الله لا يقع تحت الحس الظاهر والباطن، ومع ذلك فالأدلة التي نصبها المسلمون على وجوده قطعية لا ظن فيها، وهذه الطريقة في إثبات الإله عند المسلمين وغيرهم من أهل الأديان تقوم على أمرين وهما:

1- ملاحظة التغير في الصفات الملازمة لأجزاء العالم كالحركة والسكون وغيرها، وتغير صفاتها من الشدة والقوة للضعف، والاجتماع والافتراق وغيرها من الأمور الذي ثبتت بالعلم التجريبي والملاحظة ، لإثبات أن لهذا الكون له نشأة أولى وبداية في الوجود سبقها العدم.

2- إثبات فاعل وسبب لهذه النشأة الأولى والخلق، إذ يستحيل أن يوجد الشيء نفسه من عدم، بناء على القواعد العقلية الضرورية أن لكل حادث سببا.

3- إثبات ضرورة انتهاء السبب والعلة في الخلق إلى فاعل أول ليس لوجوده سبب لأنه واجب بذاته، وهو ما يسمى بقطع التسلسل في العلل.

ويتضح من ذلك أن منهج إثبات الخالق عند المتدينين مكون من استدلال يجمع بين الحس والمشاهدة، وهي المقدمة الأولى في القياس : أن هذا العالم مخلوق له بداية، وبين القواعد العقلية الضرورية وهي أنه لكل حادث سبب، فينتج أن للعالم موجد أول واجب الوجود.

ومعلوم عند المسلمين كلهم أن الله لا يقع تحت الحس والمشاهدة في الدنيا، فطريقة الدحض وإمكان النفي بالملاحظة والتجربة يمكن أن يتوجه فقط على المقدمة الأولى في إثبات الواجب، وهي قولنا: العالم حادث، وهي المقدمة الأهم في إثبات الواجب، إذ أن المقدمة الثانية ضرورية لا ينازع فيها أحد، ولا تحتاج إلى تجربة أو استدلال. لكن لما ثبت بالأدلة القاطعة بداية الكون، واستحالة أزليته علمنا أن هذه القضية ” علمية ” وصحيحة.

ومن قال إن القضية العلمية هي التي “يشترط فرض منافيها” حتى لو لم يقع، فنقول حينئذ لا إشكال، لأن قضية (الله موجود) يمكن فرض منافيها عقلا، مع استحالة تحققها في الواقع ونفس الأمر. وحينئذ نقول للملحدين فرضكم عدم وجود الله دليل على “علمية” قضيتنا وهي أن الله موجود.

أما من يقول: القضية العلمية هي التي يمكن تحقق منافيها ونقيضها في الواقع ونفس الأمر، فهذا كلام لا معنى له وإن كنا نسمعه اليوم من بعض الملحدين، لأنه يستلزم نفي البدهيات واجتماع الصدق والكذب، بل يلزم منه نفي هذه القضية العلمية التي يدعونها، فهذه سفسطة لا معنى لها.

فتحصل مما سبق أن هذا المعيار الذي وضعوه للقضايا العلمية خاص بالمعارف التجريبية العلمية، وهدفه تقويم عملية الكشف العلمي وعدم الركون إلى النظريات العلمية التي ثبت صدقها في تفسير بعض الظواهر من جهات معينة، لأنها ممكن ألا تصح في جهات معينة أخرى. لكنه لا يصح معيارا لصحة أي قضية أخرى مطلقا سواء كانت رياضية أو غيبية أو عقلية كقضية وجود الله.

وممن نص هذا على المعنى بعض من مال إلى الوضعية المنطقية وأخرجوا الميتافيزيقا من إطار العلم ومنهم كارل بوبر نفسه في كتابه أسطورة الإطار ص 115 ، فقال: « لن أستطيع الزعم بأن نظريتي لها خاصية النظرية التجريبية، إلا إذا كنت أستطيع أن أقول كيف يمكن تفنيد نظريتي أو تكذيبها. وهذا المعيار للتمييز بين النظريات التجريبية والنظريات اللا تجريبية قد أطلقت عليه أيضا معيار القابلية للتكذيب، أو معيار القابلية للتفنيد، وليس يتضمن هذا أن النظريات غير القابلة للتفنيد كاذبة ، ولا يتضمن أنها خالية من المعنى، على أنه يتضمن أن نظرية معينة واقعة خارج مجال العلم التجريبي على قدر ما لا نستطيع وصف كيف يمكن أن يأتي التفنيد المحتمل لها».

ثم قال بعدها: «وينبغي أن يمثل هذا تحذيرا لأولئك الذين يجنحون إلى القول إن النظرية غير القابلة للاختبار هي نظرية خالية من المعنى، هذا رأي نسب إلى كثيرا، ولكن عن طريق الخطأ».

وبهذا يتبين أن هذا المعيار ليس متجها، ولا يلزم منه نفي وجود الله سبحانه وتعالى، أو الطعن في الأدلة القطعية التي أثبتها المؤمنون على وجوده.

 

Pin It on Pinterest