هل قالت نوبل للفيزياء ٢٠١٩ أن الأرض ليست مميزة في شيء؟

محمد مصطفى عبد الظاهر

مسؤول سفارة المعرفة بجامعة الإسكندرية.

“جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام تُتوّج الفهم الجديد لبنية وتاريخ الكون، بالإضافة لاكتشاف أول كوكب يدور حول نجم شبيه بالشمس” –الموقع الرسمي لجائزة نوبل.[1]

 

العلمويون يحتفلون

ما إن تم الإعلان عن الفائزين بجائزة نوبل في الفيزياء لعام ٢٠١٩م، حتى انطلق بعض العلمويين في الاحتفاء والاحتفال بأن نصف الجائزة قد ذهب لاكتشاف كوكب شبيه بالأرض يدور حول نجم شبيه بالشمس! معلنين أنه قد ثبت بذلك “أننا لسنا مميزين في شيء”[2]، مع أن الحقيقة هي أن الذي حاز نصف الجائزة هو اكتشاف كوكب لا يشبه الأرض مطلقا، وإنما فقط يدور حول نجم يشبه الشمس.[3]

 

فما هي العلموية؟ ولماذا صاغ معتنقوها الخبر بهذا الشكل المضلل؟

 

العلموية

يعرفها الفيلسوف ألكساندر روزنبرج بأنها النظرة التي تعتبر العلم التجريبي هو المصدر الوحيد الموثوق للمعرفة،[4] أو بتعبير آخر أن يكون تصديق نتاج العلم التجريبي مقدما على تصديق أي نتاج آخر فلسفي أو ديني.

 

فالعلموية -بطبيعة الحال- تعتقد بأن العوامل المادية فقط هي ما يؤثر في الكون، وأنه لا مجال لتدخل أي قوى فوق طبيعية أو غيبية في أي وقت من عمر هذا الكون.

 

وبالتالي فهي لا تعترف باحتمال وجود خالق عليم لتفسير ملاءمة ظروف كوكبنا للحياة، وإنما تبحث عن أي تفسيرات مادية أخرى، مثل أن كوكبنا ليس مميزا بشكل مقصود لنشوء الحياة وإنما (تصادف) أن اجتمعت كل الظروف الكونية المواتية لنشأة الحياة عليه؛ فنشأت. وهذه الظروف من أمثلتها: المسافة بين الأرض والشمس، وميل محور الأرض، ووجود غلاف جوي لها، ووجود المياه، والمكونات العضوية الأساسية، بل ومكونات القشرة الأرضية من معادن، وغيرها الكثير.

 

والواقع أنه لم يتم اكتشاف أي كوكب شبيه بالأرض يدور حول نجم شبيه بالشمس، لا في التكوين، ولا حتى في الحجم والمسافة من نجمه، كل ما هنالك هو تكهنات لبرامج محاكاة تعتمد على الإحصاء لتتنبأ بوجود عدد من الكواكب بهذه المواصفات.[5]

 

كيف يبدو الكوكب المكتشف؟

عام ١٩٩٥م اكتشف العالمان مايكل مايور وديديور كيلوز[6] الحائزان على نصف جائزة نوبل لعامنا هذا ٢٠١٩م كوكبا باسم “ب 51 الفرس الأعظم” من نوع “المشتري الساخن”[7] أي إنه كوكب غازي وليس صخريا، حجمه وكتلته قريبة من كوكب المشتري، ولكنه أقرب لنجمه من قرب عطارد لشمسنا، مما يجعل درجة حرارة سطحه تتجاوز 1000 درجة مئوية، وتستغرق دورته حول النجم -أي مدة السنة عليه-٤ أيام فقط.[8]

 

فهو إذن لا يشبه الأرض في أي شيء مطلقا في ذاته، وإنما التشابه الوحيد هو بين النجم الذي يدور حوله “51 الفرس الأعظم” وبين الشمس، فلماذا يروج البعض للخبر على أنه تتويج لاكتشاف كوكب يشبه الأرض؟ أو يذيلون الخبر بأننا اكتشفنا “أننا لسنا مميزين في شيء”[9]؟

 

لا أجد إجابة إلا الإيهام بوجود دليل رصدي أو تجريبي على صحة برامج التنبؤ التي تحسب احتمالية وجود كواكب شبيهة بالأرض، في محاولة بائسة ومتعجلة لدعم المذهب العلموي.

 

وماذا لو ثبت علميا وجود كواكب تشبه الأرض؟

ليس ذلك وحسب، وحتى لو ثبت وجود حياة على هذه الكواكب، فإن ذلك لا يهدم شيئا من حجج المؤمنين بالخالق القيوم، فنحن لم ندّع أن الله لم يخلق حياة في الكون إلا على كوكب الأرض، بل إننا في الآية الكريمة التالية قد نجد إشارة تدعم مثل هذا الاحتمال، قال تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق مالا تعلمون)[10] صدق الله العظيم.

 

في الواقع أن مثل ذلك الاكتشاف لن يفسر الدقة والإحكام في ملاءمة ظروف الأرض للحياة بأنها الصدفة، بل سيطرح سؤالا جديدا عن ملاءمة ظروف هذا الكوكب الآخر الجديد للحياة، فإن كليهما حينئذ يحتاج لقصد وعناية تفسر وجودهما.

 

وكل ما على هذا الكوكب الآخر من كائنات حية أو جمادات فهي تسبح بحمد ربها، قال تعالى: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا)[11] صدق الله العظيم.

 

أما عن اعتبار الإنسان مميزا في الكون، فإن ذلك التميز ليس فقط بسبب موضعه المكاني والزماني فيه، ولا بسبب الظروف المادية الملائمة لحياته، وإنما بسبب أنه المخلوق العاقل المكلف بعبادة خالقه اختيارا، وتميز الأرض الأعظم هو أنها موطن هذا الإنسان المكرم، وأن الله اختارها لتكون موطنا لرسله وكتبه.

 

العلم والأيدولوجيا

إن ما أوقع العلمويين خصوصا، والماديين عموما في مأزق ضرورة البحث عن تفسير مادي لكافة ظواهر الكون، هو أن نموذجهم المعرفي يشترط مسبقا أن كل ما هنالك هو المادة، ولا شيء غير المادة يؤثر في المادة، وتلك مقدمة فلسفية وليست تجريبية، فهي أيدولوجيا يتطلب تبنيها إيمانا أعمى بصحتها، وأقول أعمى لأن نفس مقدمتهم التي بنوا عليها مذهبهم “إننا لم نرصد سوى المادة” هي التي تهدمه، لأنه باعتبار أننا لم نرصد إلا المادة، فبأي حق نحكم على ما لم نرصده؟ أو كما قيل قديما: (عدم العلم ليس علما بالعدم) فالحالة السلبية من عدم العلم –أي الجهل-بوجود شيء ما، لا تسوغ الحالة الإيجابية من العلم أو اليقين بعدم وجود هذا الشيء، فمثلا جهل الإنسان في زمن سابق بوجود غاز النيتروجين، لا يعني بأنه لم يكن يوجد نيتروجين حينها.

 

لكنهم يضطرون للتضليل والكذب أحيانا، وللإيمان بافتراضات بغير دليل أحيانا أخرى، لكي يهربوا من الوقوف أمام الاحتمالية التي تهدم مذهبهم الفلسفي من الأساس، وهي وجود خالق للكون قيوم عليه، ليس ماديا بل هو موجد المادة، المتعالي عليها، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)[12] صدق الله العظيم.

 

وأيضا يلوون عنق العلم التجريبي ليدعم أيدولوجيتهم العلموية المادية، ولكن في المقابل فإن المؤمنين بالله أيضا يُتّهمون بأنهم يفعلون نفس الشيء ليدعموا إيمانهم بالله، فهل العلم التجريبي يدعم أي منهما؟ أم أنه أداة مجردة لا تدعم ولا تنقض أي معتقد؟

 

ربما يكون تفصيل إجابة هذا السؤال في المقال القادم على موقع مبادرة سؤال.. فتابعونا.

         

المصادر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] https://www.nobelprize.org/prizes/physics/2019/press-release/

[2] https://midan.aljazeera.net/miscellaneous/science/2019/10/9/%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84-%D9%84%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%A1-2019-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%86-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%86%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AF

[3] https://www.nobelprize.org/prizes/physics/2019/press-release/

[4] Rosenberg, Alex (2011). The Atheist’s Guide to Reality. W. W. Norton. ISBN 978-0-393-34411-0. “”scientism” as a name for the view that science is the only reliable source of knowledge.”

 

[5] https://www.sciencedaily.com/releases/2019/08/190814111903.htm

[6] نفس المصدر رقم ١

[7] https://exoplanets.nasa.gov/resources/1040/hot-jupiter/

[8] https://exoplanets.nasa.gov/resources/289/infographic-profile-of-planet-51-pegasi-b/

[9] نفس المصدر رقم ٢

[10] سورة النحل – الآية ٨

[11] سورة الإسراء – الآية ٤٤

[12] سورة الشورى – الآية ١١

أشترك الأن