سؤال إمكان النبوة: كيف يمكن لبشر مادي مخلوق أن يتصل بإله خالق غير مادي، وكيف يمكننا فهم هذا الاتصال ونحن لا نملك أي حقائق ملموسة بهذا الشأن؟

بداية لا بد أن نقرر عدة أمور:

  • إن أصل فكرة النبوة أن يختار الله من أفراد النوع الإنساني أشخاصًا يوحي إليهم، ويكلّفهم بمهمة تبليغ ما يوحى إليهم من تصحيح العقائد، وتشريع الأحكام، ونقد السائد من أعراف وتقاليد خاطئة، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، فالنبوة من حيث المبدأ تمثل إخبارًا بدعوى قابلة للتصديق وللتكذيب. لذا ينبغي معالجة هذا الموضوع من خلال مرحلتين؛ الأولى تقرير أصل النبوة، أومفهوم النبوة العامة، وبيان إمكانها، فإذا ثبت، يكون علينا بعد ذلك أن ننتقل إلى المرحلة الثانية وهي البحث في صدق ماصدقاتها، أو النبوة الخاصة. وسنتكلم عن إثبات نبوة النبي الخاتم صلوات ربي وسلامه عليه. هذه الفكرة يرفضها أصحاب المذهب الربوبي، الذي يسلم بوجود الله لكنه يرفض الوحي والرسالة، فإلههم مفارق بالكلية لهذا الكون، ولديهم عدد من الاعتراضات والشبهات حول مبدأ النبوة من أساسه، سنقوم بالرد عليها خلال الإجابة عن السؤال الأساس.
  • من المسلّم لدى الجميع اختلاف ماهيات الموجودات، واختلاف مراتب وجودها، هذا الاختلاف لم يمنع مثلا التواصل بين الإنسان وغيره من الكائنات المختلفة عنه. فالبشر رغم أنهم لا يعرفون لغة الطيور والحيوانات، والعكس أيضًا، إلا أنه قد حدث نوع من التواصل، يصل في بعض الأحيان إلى حد التفاهم بينهم، من أجل تحقيق بعض المصالح والمنافع المشتركة. إذا كان هذا هو حال المخلوقات مع بعضها، فما بالنا بخالق الكل سبحانه وتعالى الذي له المثل الأعلى، أضف إلى ذلك أن التقدم العلمي والتكنولوجي اليوم وخاصة في مجال الاتصال والتواصل يقرّب مفهوم النبوة ولا يجعله مستحيلًا.
  • من المعلوم أيضًا أن الرسالة والنبوة وما يتصل بها من شؤون تدور في فلك الإلهيات، فهي كالفرع للاصل، وسؤال النبوة يأتي بعد الإجابة عن سؤال الإله؛ إذ الإيمان بالنبوات يقوم على الإيمان بالله ويتفرع عنه، فلا يتصور إيمان بالانبياء مع إنكارلوجود الله. ففي البداية لا بد أن نكون قد سلمنا بوجود الإله، بعدها ياتي السؤال عن كيفية تواصل هذا الإله الخالق مع خلقه.
  • إن جملة أفعال الله جائزة لا يوصف شئ منها بالوجوب ومنها إرسال الرسل والانبياء، فالنبوة من حيث ذاتها ممكنة عقلًا، أي يجوّزها العقل؛ فلا يراها مستحيلة ولا يملك وسيلة لنفيها، وكما يقول الإمام الغزالى في الاقتصاد في الاعتقاد: “انه لا يجب على الله بعثة الرسل، وأنه لو لم يبعث لو يكن قبيحًا ولا محالًا، بل أمكن إظهار صدقهم بالمعجزة. وهذه الدعوى تنبني على البحث في معنى الواجب والحسن والقبيح، ولقد خاض فيه الخائضون وطوّلوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح وهل يوجب؟ وإنما كثر الخلط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلاف الاصطلاحات فيها”.

 فإذا سألنا ربوبيًا منكرًا للنبوة: هل الإله الذي تؤمن به إله حكيم؟ إذا كانت إجابته نعم، وهذه هي الاجابة المتوقعة – لانه لو لم يكن حكيمًا لما صحّ أن يكون إلهًا- فمقتضى الحكمة أن يعلن عن نفسه ويحدد للناس سرّ خلقه لهم، وإذا لم يفعل ذلك وقرر أن يظلّ غامضاً، فهذا يتنافى مع الغاية من الخلق وهي معرفة الله عزوجل، كما أن عقولنا لا يمكنها أن تتقبل فكرة أن يكون الإله غير حكيم، أو أنّه يتعمد البقاء في دائرة الغموض والالتباس. إن مَن يؤمن بوجود الله، لا يمكنه أن يتصور أن خالق الكون ومبدعه، سيترك عباده بلا هداية ولا رعاية، فكان من حكمته سبحانه وتعالى أن اصطفى من أطيبهم رجالًا يرسلهم  بالآيات البينات، يبلغون الناس ما أنزل إليهم ويبينونه.

حاجة الناس إلى الأنبياء:

إذا كان الربوبيون وغيرهم يرون أن الانسان لا يحتاج إلى النبوة وإرسال الرسل، لأنهم يرون أن حقائق الوجود يستطيع أن يدركها كل عاقل بعقله دون مدد من وحي. فإننا نقول لهم: إنّ عقولنا وعقولكم التي قادتنا وقادتكم للإيمان بالله تعالى، ألا تطرح عليكم أسئلة عن واجبنا أو مسؤوليتنا تجاه هذا الإله الخالق المنعم والصانع المبدع؟ إن الاحتجاج بكفاية العقل ليس أمرًا جديدا، فقد وجدت مذاهب كالبراهمة وغيرها تؤمن بالله وتنكر النبوات، وتزعم أنه لا حاجة لوجود النبي؛ لأن ما أتى به الأنبياء موافق للعقل، ففي العقل غنى عنه، أو مخالف له فلا حاجة لنا به، فالعقل عندهم طريق الاستدلال، والإنسان في نظرهم قادر على الوصول إلى الحقائق من خلال ما أودعه الله فيه من الفطرة السليمة والعقل السوي، مستعيناً بتجارب الآخرين وعقولهم، ومَنْ يمتلك العقل والفطرة فلا يحتاج إلى الأنبياء والرسالات السماوية.

لكنّا نقول إن  الفطرة – وإن كان دورها مهم – إلا أنها لا تستطيع أن تشكّل الضمانة الكافية لهداية الإنسان ووصوله إلى مرحلة الكمال على المستوى المعنوي والروحي، لأنّ الفطرة قد تتلوّث، وهي بحاجة إلى من يسددها ويصقلها ويكتشف العناصر الطيبة فيها فينميها، كما هو الحال في الطفل

نعم قد يسلّم البعض بأن العقل البشري – مع أهميته – لا يكفي وحده، لكن يبقى لديه سؤال: لماذا لا ينزل الوحي على كل واحد منا بمفرده؟ والجواب: أنه لن تكن هناك وسيلة أو ضمانة تثبت للمرء أن ما يقع في نفسه هو وحي من الله، وكنا دائمًا سنسأل أنفسنا عما إذا كانت تلك الرسائل التي تأتينا واردة من كائنات فضائية أو أي موجودات أخرى غريبة. كذلك لو أُلزم الناس جميعهم بالتصديق إكراهًا بما يتنزل عليهم – كل على حدة – لانتفت عامة أوجه الاختبار في الدنيا وتساوى الناس في مقام التفاضل. ومعلوم أن الحدس الشخصي لا يستفاد منه إلا لتثبيت الإيمان بعد اقتناع العقل، لكنه لا يصلح لأن يكون مصدرًا يتفق عليه الناس، لأنه خاص بكل واحد منهم على حدة، ولا يمكن طبعًا أن يُعتمد مصدرًا للتشريع والقوانين، إذ كيف يمكن لبقية الناس أن يتحققوا من صحة زعم أحدهم بأنه تلقى  تشريعًا إلهيًا من ربه بحدسه الخاص، وإذا فعلنا ذلك فسنعود إلى مشروعية وضرورة وجود نبى يُوحى إليه، باعتباره المرجع والمبلغ عن الله.

 وهذا ما أشار إليه الامام الغزالي بقوله: “إن النبي يرد مخبرًا بما لا تستقل العقول بمعرفته، ولكن تستقل بفهمه اذا عرفته”، فالعقل إذن يساعد على فهم الشرع، على عكس ما يظنه البعض من أن الأحكام الشرعية قد تنعقد من عقولهم وأفهامهم.

 أضف إلى ذلك تفاوت العقول بين الناس ومحدودية إدراك العقل مهما بلغ من قوة. فالعقل يستطيع إدراك وجود إله خالق لهذا الكون، ولكن لا يستطيع أن يدرك جلاله وجماله، ومراده منا، وكيفية عبادته وشكره، وماذا أعدّ لنا من الثواب والعقاب، هذا كله خارج حدود العقل وفوق قدرته، فالله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ولا يستطيع إنسان أن يصل بمفرده إلى تفاصيل ذلك.

أيضًا لا نستطيع بالمنطق التجريبي والرياضي التوصل إلى حقائق ما وراء المادة، فالعلم الصحيح بذات الله، وأوصافه وحساب الآخرة، من ثواب وعقاب، وكل ما يتعلق بعالم الغيب، كل ذلك لا يُعرف إلا عن طريق الأنبياء؛ إذ أنها خارج مدارك العقل والحس، فإرسال الرسل إذن  من مظاهر رحمة الله بعباده وربوبيته لهم.

 أيضًا هناك الكثير من مسائل النظر والخلاف قد تتكافأ فيها الأدلة، ولا ينحسم فيها القول، فيحتاج العقل في مسعاه الى الحق ما يبلغه رجاؤه بيقين. كما أن هناك بعض الجوانب في النفس البشرية تحتاج إلى ضبط وتنظيم سواء في علاقة الانسان مع نفسه أو مع الآخرين، حيث إن الانسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يمكنه أن يعيش منعزلاً عن بقيّة الناس. والسؤال: من الذي يحدد  هذه المتطلبات ويصيغ علاقات الإنسان مع الآخرين من بني جنسه وينظمها؟ مَنْ الذي يسنُّ القانون وينظم العلاقات ويرسم الحدود بين بني الإنسان؟ هل يستطيع العقل وحده دون إرشاد من الوحي أن يضع القانون الأكمل؟

إن كل حصيلة الانسان منذ خلق الى اليوم – رغم تقدمه في ميادين العلوم – لم تسعفه للإجابة عن الأسئلة الوجودية التي تشغل باله منذ فجر التاريخ. نعم قد تكون لديه معرفة واسعة بالجانب المادي وما يختص به من علوم ومعارف، إلا أنه لم يتقدم خطوة في معرفة الجوانب الأخرى، بل ظل عقله عاجزًا عن تقديم إجابات شافية عن الأسئلة الكبرى عن الكون والحياة، وعن إدراك مصالحه خاصة فيما يتعلق بالجانب الروحي، لذا كان لا بد من وجود مصدر آخر للمعرفة غير العقل والحس وهو الوحي.

حتى على فرض التسليم بقدرة الإنسان على اكتشاف القوانين التي تنظم حياته ولو من خلال التجارب الاجتماعية وتراكم المعارف، فإن القانون الإلهي ينطلق من رؤية وجودية متكاملة قد خطّت للإنسان مساراً في هذه الحياة، وهو مسارٌ نابع من أنّ هذه الحياة مرحلة مهمة أنيط إلى الإنسان فيها دور، لتبدأ بعد ذلك المرحلة الأعم، وهي مرحلة الحياة الآخرة، ليجني فيها الإنسان ما زرعه في الحياة الدنيا، فيقف بين يدي الله ليحاسبه على ما فعل وليحيا في جواره الحياة الأبدية، ويقابل ذلك رؤية مادية لا تنظر إلى الإنسان إلّا بحجم عالم الدنيا وما يحقق له السعادة فيها دون أن تقدِّم تصوراً عما بعد الحياة الدنيا. إننا نعتقد أنّ أهم وظائف الأنبياء ومهامهم هي إعداد البرنامج الذي يلبي حاجات ومتطلبات الإنسان في أبعاده الثلاثة المادي والروحي والاجتماعي، فهو برنامج يشبع متطلبات الروح والمادة ويحفظ التوازن بينهم، والواقع أنّ الأنبياء قد قاموا بهذه المهمة على أكمل وجه. أضف إلى ذلك أن النبوة في إطارها العقلي تنسجم مع الغاية التي خلق الله الانسان من أجلها، هذه الغاية التي تنطلق أساسًا من الإيمان بالله المتصف بكل كمال، والتي تعني أنه لم يخلق شيئا عبثًا.

إثبات النبوة:

إن النبوة في جوهرها بلاغ عن الله سبحانه وتعالى على لسان بشر ممن اختارهم الله، والحديث عن إثباتها بالأدلة العقلية أمر من الأهمية بمكان؛ فالنبوة هي الأسـاس الذي ينبني عليه كل ما جاء به النبي، لأن إثباتها يعني صـدقها، وصدقها يعني صدق كل ما جاءت به. وقد تفضل الله تعالى بتأييد انبيائه ورسله بالمعجزات الدالة على صدقهم، والمعجزة هي: فعل الله سبحانه الخارق للعادة المقارن لدعوى النبوة، متحدى به قبل وقوعه، غير مكذب، يعجز من يريد معارضته عن الإتيان بمثله. فالحكم على صدق خبر المعجزة يكون من خلال اختبار طبيعة الخبر وصدق المخبر، بحيث لا يشتمل الخبر على شئ من المستحيلات العقلية. ولا يضر المخبر أن تكون المعجزة نادرة الحدوث في مقابل تكرار السنن الكونية المعهود، فإنه لا تعارض بين القانون والمعجزة، وإنما هي استثناء منه، ولولا الندرة ما كانت المعجزة حجة.

ودلالة المعجزة دلالة عقلية لأن خلق الله تعالى لهذا الخارق على وفق دعواه وتحديه، مع العجز عن عن معارضته، وتخصيصه بذلك، يدل على ارادة الله تعالى لتصديقه، كما يدل اختصاص الفعل بالوقت المعين، والمحل المعين، على ارادته تعالى لذلك بالضرورة. فالإيمان بالمعجزة فرع عن الإيمان بالله، وإنكار المعجزات في أغلبه راجع إلى مبدأ فلسفي سابق للنظر في المعجزة وهو الإيمان بالمادية ورفض كل ما ورائها.

وما من نبي بعثه الله إلا وكان يؤيده بالمعجزة، لتكون البرهان القاطع على صدق رسالته ؛ فخرق القوانين الطبيعية التي جرت عليها سنة الكون-  على يد رجل يدّعي النبوة – لا يتيسر إلا لمن أيدته القدرة التي أبدعت هذه القوانين، تجريها متى شاءت وتوقفها متى شاءت. فتكون مخالفة ما جرت عليه العادة مقرونًا بالتحدي، هي أعظم حجة عقلية على صدق نبوة هذا النبي صاحب المعجزة. لذلك فإن اعتراض البعض بأن المعجزات لا تحدث لأن الإله غير قادر على إحداثها، لأن قوانين الكون لا تتغير، مردود بأنهيمكن فهم المعجزة التي هي خرق لقانون الطبيعة، ما دام خالق هذا العالم هو الذي وضع للطبيعة قوانينها، وهو القادر أيضًا على إبطال هذه القوانين والسنن الكونية لمن شاء وفي أي لحظة شاء، وإن كنا لا نعرف كيف ذلك، لكن يكفي أن نشاهد أو نعلم أثر هذا الاستثناء من عموم اطراد هذه القوانين على يدي من اصطفاه الله للنبوة. وحين يدّعي إنسان أنه يتصل بالله ويحمل عنه إلى الناس رسالة تترتب عليها تكاليف وواجبات، فإنه من الطبيعي أن يطالبه الناس بالدليل على صدقه، ولم يرَ القرآن في هذا أمراً خارجاً عن المعقول. أما الحكمة الإلهية في اختيار المعجزة من جنس ما اشتهر بين القوم هي أن الإنسان إذا أوتي من قبل ما يعتبره مفخرته ومجال إجادته واعتزازه تكون الحجة عليه أقوى، والمعجزة أكثر فعلاً وأثراً.

أدلة إثبات نبوة سيدنا محمد:

إن النبوة والرسالة قائمة على الاختيار والاصطفاء ، يصطفي الله تعالى لها من شاء من عباده، كما قال تعالى:  “الله أعلم حيث يجعل رسالته”، فالله أعلم حيث يختار من شاء من عباده ، ليكون رسولًا إلى خلقه، ومقاييس الله غير مقاييس البشر، ولا يحق لأحد أن يعترض على من اختاره الله لأنه هو العليم بخلقه، والخبير برسالته، يجعلها لمن يراه أهلًا لها .وما من رسول بعثه االله إلا وكان يؤيده ” بالمعجزة، والنبي صلى االله عليه وسلم – كغيره من الأنبياء- جرى على يديه كثير من المعجـزات، منها ما كان ماديًا مؤقتًا، كانشقاق القمر، وتبيح الحصى، وتكثير الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع ..الخ. ومنها ما هو خالد إلى يوم القيامة ، وهو القرآن الكريم الذي أعلن به الرسول صلى الله عليه وسلم التحدي أربع مرات؛ ثلاث منها في سور مكية، وواحدة في سورة مدنية، ربما لأن مكة كانت يومئذ مركزًا للأعمال الأدبية فكان التحدي فيها أقوى.

والحق، أن معجزة القرآن وحدها ، هي أبلغ حجة وأقطعها على صدق نبوته صـلى االله عليه وسلم ، وانتفاء أن يكون هذا القرآن العظيم من عنده أو من عند غيره من البشر. ومعجزة القرآن، يمكن لنا أن نسميها ب “الدليل العام أو الحجة العامة” على صدق نبوة محمد صلى االله عليه وسلم ، وصدق نسبة القرآن ذاته لله .   

وقبل الدخول في عـرض الحجج والأدلة على اثبات النبوة وغيرها ينبغي التنبيه على أمرين :

 الأول : أن القرآن بكل ما فيه، هو معجزة عقلية، تدل بذاتها على استحالة أن يكون هذا القرآن من عند بشر. والثاني: إن كل الحجج التي تثبت النبوة والرسالة، هي إثبات لصدق القرآن، لأنه إذا ما ثبت صدق الرسالة ثبت صدق القرآن، لأن كليهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.  وأبرز حجة اتخذها القرآن لإثبات نسبته إلى االله، ونفي أن يكون من عند غيره، هي التحدّي، إذ تحـدّى االله تعالى العرب المعارضين للقرآن خاصة، والناس عامة – إنسهم وجنهم – أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بسورة منه، ثم سجّل عجز الإنس والجن عن معارضة لقرآن إلى يوم القيامة، فقال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْـلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً).

إن آيات التحدي هذه، كانت وحدها حجة قاطعة على من يزعم أن هذا القرآن ابتدعه بشر من عند نفسه، أو تعلمه من غيره ؛ فإن عجز العرب – وهم أهل البلاغة والفصاحة – عن الإتيان بسورة واحدة مثل القرآن، في وقت كانوا في غاية الحرص على معارضته، هو أدلّ دليل، وأقطع حجة على من زعم نسبة القرآن إلى غير الله. هذا ولم يكتف المشركون بالاعتراض على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بل طعنوا فيه، وراحوا يلصقون به أوصافًا لا تليق به، تعبر عن حالة الإفلاس واليأس التي وصل إليها المشركون، فاتهموا النبي بأنه ساحر، ومجنون، وشاعر، وكذاب .وقد تكفل الله تعالى بالرد على كل هذه الافتراءات، بالحجج العقلية المفحمة التي لم يملك المشركون أمامها سوى طأطأة الرؤوس من الخزي.

من خلال النظرأيضًا في حجج القرآن على النبوة، يمكن الوقوف على طريقتين عامتين سلكهما القرآن فيها:

الطريقة الأولى : وهي المناظرة، إذ أورد الله تعالى كثيرًا من المناظرات المفحمة ، التي جرت بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين والنصارى واليهود، ومن ذلك المناظرة التي وردت في سورة الإسراء بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين :“وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا..”

والطريقة الثانية : وهي القصة، وهذا مما احتج الله تعالى به على أهل الكتاب، حيث أنبأ بما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم والتبشير بنبوته، ومنه قوله تعالى : الَّذِينَ يتبعون الرسول النبي الامي  الَّذِي يَجِدُونَهُ مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل”. كما يمكننا تصنيف الحجج التي أوردها االله تعالى لإثبات النبوة إلى ثلاث : حجج للرد على شبهات المشركين، وحجج للرد على اليهود ،وحجج للرد على النصارى .

كذلك من الأدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم أيضا: الاستدلال بقرائن أحواله وإخبار الانبياء قبله به، وأنه صلى الله عليه وسلم عاش في بيئة أمية لا ثقافة لديها ولا معرفة، ورغم ذلك تحدى فصحاء وبلغاء العرب، ولم تقف معجزته صلى الله عليه وسلم عند حد الكلام والألفاظ أوالمعاني المجردة، بل كان صلى الله عليه وسلم متفاعلًا بالتعاليم التى أوحيت إليه بقلبه وفكره وروحه، قولا وفعلا، ومترجما لتلك التعاليم بتطبيقها على نفسه أولًا، ليعطينا النموذج والمثل الأعلى. إن مظاهر سلوك النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وأخلاقه وتعامله مع غيره مستمر على وتيرة واحدة قبل النبوة وبعدها، فهو ذو شخصية واحدة في مثاليتها، لا تناقض ولا ازدواجية، رغم تبدل الظروف التي مرت به.

ولسائل أن يسأل: وما هي الفائدة التي أسدتها الرسالات والنبوات للإنسان وما الحاجة اليها ؟ ونحن نرى العالم مليئًا بالشرور والفساد؟

نقول: إن هداية الانسان وصلاحه تقوم على جهتين: جهة الموجب أي  الخالق سبحانه الذي أرسل الينا الرسل رحمة بنا لعلمه بضعفنا وحاجتنا اليهم، وجهة القابل أي  المخلوق نفسه الذي أهمل هذه الهداية ولم يصغ إليها ولم يلتزم بتعاليمها. والنبوة لا تعني أنها تخلق الإيمان في الإنسان خلقًا، أو تحقق له الكمال تلقائيًا لا بد لها من إرادة  واختيار، هي فقط توفر له المناخ والنظام لتحقيق كماله الانساني، فاذا اخذ الانسان – بسوء اختياره- عكس ما جاءت به الرسالات، فالمشكلة حينئذ تكون في الإنسان لا في مبدأ النبوة ذاتها. مثال ذلك ولله المثل الأعلى، المدرس الذي يؤدي واجبه على أكمل وجه، لكن التلميذ يهمل الاصغاء إلى أستاذه و لا يؤدي واجباته فيظل جاهلًا. هذه الهداية إما بطرق مباشر، وهذا افتراض وقوعه يناقض ما يتصف به الإله من صفات الكمال الثابتة له، لاستلزامه أن يكون الإله مادة أو في حيز أو غير ذلك، أو بطريق غير مباشر وهو الوحي حيث إنه السبيل الوحيد لحدوث الاتصال بين السماء والأرض.