الإجابة:

هذا السؤال يمكن تقسيمه إلى عدة أسئلة تأسيسية ومهمة، من خلال الإجابة عليها سنصل إلى الإجابة عن السؤال الرئيسي. لكن في البداية لا بد من التأكيد على أنهإذا كان المقصود من السؤال أن معرفة الإنسان قاصرة وعلمه قليل، وأنّى له بالعقل الذي يدرك جميع الأشياء إدراكاً تاماً، فهذا ليس موضع خلاف، فالإنسان، بوصفه مخلوق بما فيه من عجز وقصور، مؤهل لإدراك قدر من المعارف تكفيه لأداء مهمته في هذا الفترة القصيرة من عمره على الأرض. وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك في قوله تعالى: “يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” (الروم:7).أما إذا كان المقصود أن الإنسان لا يصل إلى حقيقة يقينية مطلقًا، وكل ما عنده من حقائق أو معارف لا يمكن القطع والجزم بها، ولا يمكن الاتفاق حولها، فلنا أن نعترض ونسأل: ما الدليل على صدق هذا القول ويقينه؟ فإذا قُدمت الأدلة على صدقه وثبت أنه حقيقة، فهو اعتراف بأن لدينا على الأقل حقيقة نطمئن إليها، وإذا كان القول بأن الحقيقة نسبية هو في حد ذاته أمر نسبي ولا يمكن القطع والجزم به، فكيف يؤخذ بهذا القول على أنه قطعي وجازم؟ ثم من يقول إن الحقيقة نسبية كيف يمكنه أن يفسِّر ذلك القدر المشترك من الحقائق بين أفراد النوع البشري على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وعصورهم؟

إن القول بعدم وجود حقيقة مطلقة هو أمر غير منطقي، ومع ذلك يؤمن البعض بالثقافة النسبية التي ترفض أي شكل من أشكال الحقيقة المطلقة. قد يكون هذا نابعًا من كثرة الاختلاف بين الناس، ففي مجال الأديان مثلًا، المسلم يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل، والمسيحي يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل، واليهودي يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل…إلخ. وفي العلوم الاجتماعية الماركسي يعتقد أنه على الحق وأن من سواه على الباطل، كذلك الليبرالي الجديد، والواقعي وغيرهم. وفي العلوم التجريبية كذلك نجد مدارس متعددة، تدّعي كل منها أن تفسيرها للظواهر التي يدرسونها هو الصواب. وفي هذا الموقف يقف الباحث موقف المتحير الذي يرى تكافؤ أدلة المذاهب المتنازعة، ولا يرى مزية لدليل على الآخر. هذه الحيرة هي التي تزهِّده في الحقائق، وتورثه القناعة بأن الوصول للحقيقة متعذِّر لا يظفر به طالب. وسبب حصول هذه الحيرة أمران، الأول: عدم التفرقة بين ما هو قطعي وما هو ظني، والثاني غياب المعيار الذي نحكم به على صحة الأفكار وخطئها.

لذلك كان من اللازم أولًا وجود بعض المقدمات البدهية او الضرورية أي القضايا التي هي عبارة عن مسلمات ينطلق منها العقل، وتنبثق منها المبادئ الأخرى، حتى ان الإمام الباقلاني قال إنها العقل نفسه. أولها مبدأ الهوية الذي يقضي بأن الشئ هو هو، ولا يمكن أن يكون غيره. ومنها العلم بأنّ النقيضين لا يجتمعان، فيستحيل عقلًا أن يوجد شيء ساكن ومتحرك في الوقت نفسه؛ وهو ما يعرف بمبدأ عدم التناقض. كذلك مبدأ الثالث المرفوع او الوسط المرفوع ومقتضاه أن الشئ إما أن يكون (أ)، أو ليس (أ)، ولا يمكن أن يكون لا هذا ولا ذاك، فالعدد مثلًا إما أن يكون زوجًا أو لازوجًا (فردًا)، ولا يمكن أن يكون إلا أحدهما. ومنها أيضًا مبدأ العلية ويُقصد به أن كل أمر حادث لا بد لحدوثه من سبب؛ اذ لا يمكن حدوث شئ دون علة محددة، فمثلًا: الطفل الصغير إذا ضربه أحد فانه يبحث عمَّن ضربه، ولا يقبل أن يقال له: إن هذا حصل بلا سبب.

هذه المقدمات والمبادئ الأولية لها صفتان رئيستان:

  1. الفطرية: اذ العقل البشري مفطور علي التسليم بها لانها موجودة فيه بالقوة منذ ولادته، اي انها بارزة وواضحة لا تحتاج في ذاتها الى مقدمات او براهين او تجارب تؤكدها وان احتاجت في بعض الاحيان الى تنبيه وتذكير.
  2. العمومية: حيث انها معروفة لدى الجميع.

والسؤال الان: هل يستطيع عاقل أن يشك في هذه المقدمات والمبادئ الأولية؟

بالطبع لا،لأن كل إنسان عاقل يسلّم بها بمجرّد تصوّرها، وأيضًا لا تحتاج إلى دليل ولا إلى تعلّم أو نظر، بل لا يمكن الاستدلال عليها؛ وإلا فما الجواب مثلًا على: لماذا كل حادث لا بدّ له من سبب؟ لا جواب غير أنّ طبيعة العقل لا تتقبّل غير ذلك. ثمّ هذه المقدّمات لا يمكن الشكّ فيها أو تصوّر نقيضها؛ لأنها مقتضى غريزة الإنسان العقلية، ومقتضى فطرته التي لا يتمكّن من مقاومتها، ولأنها أساس الاستدلال التي عليها تُبْنى المعارف والعلوم بإجماع العقلاء، فالشكّ فيها لا بدّ أن يستند إلى أمور نظريّة، وتلك الأمور النظريّة لا بدّ أن تستند إلى هذه المقدّمات فيلزم الدور الباطل.

والسؤال الآن من الذي أوجد هذه المقدمات والمبادئ فينا؟

إن وجود هذه المقدّمات الفطرية يدلّ ضرورة على وجود فاطرها أي موجِدها وخالقها الذي هو سبحانه أول الوجود ومُبْتدَأُ المعرفة؛ إذ هو من علّمهم بلا واسطةٍ المقدماتَ الضرورية، والأدوات التي يتوصلون بها للعلوم النظرية، وعلّمهم الشرع والدين بواسطة الأنبياء فالعلم به أصل كل علم. هذا حال المؤمن المهتدي بالنور والهدى المنزّل من ربّه. أما من ينكرون وجود الله سبحانه فإنهم لا يجدون تفسيرًا مقنعا لوجودها، ولن يجدوا ملجأ لهم غير الحيرة والشك. فإن أبَوا إلا العناد والمكابرة، رجعوا بالتشكيك على أصل المسألة، فينكرُون فطريةَ هذه المقدّمات، ويزعُمون أن مصدرها الحسُّ؛ لانفرادِ الحسّ بمصدرية المعرفة عندهم. وادعاؤهم انفرادَ الحسِّ كمصدر وحيد للمعرفة، فيكفينا لإدراك بطلانه، أنّ أدلّة هذه الدعوى نفسها ليست حسّية؛ إذ ادّعاء كونِ علم الناس كلّهم تمّ عن طريق الحسّ هو في حد ذاته أمر كلي عام لا يحصل التعميم فيه إلا بالعقل. فكيف يصحّ القولُ بأنّ هذه المقدمّات حسية ومصدرها التجربة مع أنّ هذه المقدّمات لا غنى عنها؛ لكي تكون التجربة ممكنة؟

إنّ ثبوت صفتي الضرورة والعمومية لهذه المبادئ -وهذا ما لا يستطيعون إنكاره- يناقض كونها ناشئة عن الحس والتجربة.

مشكلة أخرى تكمن في رفض الحقيقة المطلقة هي أن ذلك لا يتفق مع ما نعلم أنه صحيح في ضمائرنا، وخبراتنا، وما نراه في العالم الواقعي. فإن لم تكن هناك حقيقة مطلقة فلا يوجد صواب وخطأ في ما يتعلق بأي شيء. فما يعتبر صواب بالنسبة لك لا يلزم أن يكون صوابًا بالنسبة لي. وبالرغم من أن هذا النوع من النسبية يبدو جذاباً في ظاهره، ولكنه يعني أن كل شخص يضع قوانينه الخاصة للحياة، ويفعل ما يبدو له صواباً. وهذا حتماً يؤدي إلى إصطدام ما يعتبره شخص صواب مع ما يراه الآخرون. فماذا يحدث لو كان الصواب بالنسبة لي هو أن أتجاهل إشارات المرور، حتى وإن كان الضوء أحمر؟ هكذا أعرض حياة كثيرين للخطر. أو ربما أرى أنه صواب أن أسرق منك، وأنت ترى أن ذلك ليس صواباً. بالتأكيد، تصطدم معايير الصواب والخطاً لدينا. فإذا لم تكن هناك حقيقة مطلقة، أو معيار للصواب والخطأ نلتزم به جميعنا، فلن نستطيع أن نتيقن من أي شيء.

لذلك قال أهل الحق: “حقائق الأشياء ثابتة، والعلمُ بها مُتَحققٌ خلافًا للسوفسطائية”؛ تلك الجماعة التي تنكر وجود حقائق ثابتة، وتدّعي أن الحقيقة نسبية، فقالوا إن (الإنسان معيار كل شيء)؛ بمعنى أنه هو الذي يحدد الحقائق العلمية، والقيم الخلقية، وبوسعه أن يعدّلها، أو يلغيها، أو يستبدل بها غيرها، وقد تصدى لهم قديمًا الفيلسوف اليوناني سقراط، مدافعًا عن موضوعية الحقيقة والقيمة واستقلالهما عن إرادة الإنسان وشهواته. وماتت النسبية دهرًا طويلاً، ثم بعثت من جديد وشاعت في الفكر الفلسفي الأوروبي الحديث كنتيجة أو رد فعل للفلسفة الحداثية التي أخطأت كثيرًا في استخدام العقل إلى أن فقدت الثقة فيه واعتبرت أنه لا سبيل إلى معرفة الحقيقة من خلاله.

هنا ينبغي أن نشير إلى أنه ثمة فرق بين الشك المذهبي والشك المنهجي، فالأخير مطلوب؛ اذ أنه يدفع صاحبه إلى البحث والتفكر والتأمل حتى يصل إلى اليقين والإيمان فيطمئن عقله وقلبه ووجدانه، وفي ذلك يقول الغزالى فى كتابه ميزان العمل: ”الشُّكوك هى المُوصِّلة إلى الحق فَمَنْ لم يشُّك لم ينظُر، ومَنْ لم ينظُر لم يُبْصِرْ، ومَنْ لم يُبْصِرْ بقي في العمى والضلالة“. أما الشك المذهبي فهو موقف عقلي مسبق يرفض صاحبه البحث والمعرفة، ومن ثم لا يمكنه الوصول إلى أية حقيقة.

في الشك المذهبي هذا نجد ثلاث فرق، الأولى: اللاأدرية؛ سُمّوا بذلك لأنهم يقولون لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون في ذلك. والثانية: تسمي العنادية نسبة إلى العناد؛ لأنهم عاندوا فقالوا لا موجود أصلاً، وعمدتهم ضرب المذاهب بعضها ببعض، والقدح في كل مذهب بالإشكالات الواردة عليه من غير أهله. الثالثة: تسمى العِندية نسبة إلى لفظ (عِند)؛ لأنهم يقولون: أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس، فكل من اعتقد شيئاً فهو في الحقيقة كما هو عنده وفي اعتقاده.

لقد عرف علماء الإسلام خطأ هذا الفكر وخطورة تلك السفسطة التي تخلط الحق بالباطل، وتُشكك المسلمين في دينهم، وتساوي بينه وبين الديانات المحرفة والباطلة بدعوى التماس الحقيقة، لا سيما وأن هناك من المنحرفين من يُغذي هذه الفكرة وينشرها؛ وقد ردّ عليهم جميعًا ابن حزم في كتابه الفِصل في الملل والأهواء والنِحل، وما يهمنا هنا هو ردّه على فرقة العِندية التي يُقلدها دعاة النسبية. قال رحمه الله: “ويقال لمن قال هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل: إن الشيء لا يكون باعتقاد من اعتقد أنه حق، كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقًا بكونه موجودًا ثابتًا، سواء اعتُقد أنه حق أو اعتُقِد أنه باطل. ولو كان غير هذا لكان معدومًا موجودًا في حال واحد في ذاته، وهذا عين المحال”.

لسائل أن يسأل إذا كان هذا هو شأن الأشياء والحقائق الواقعية الخارجية، فما هو المعيار أو المنهج الصحيح للوصول إلى حقائق الدين الغيبية؟
لقد تنبّه علماء المسلمين لمسألة معرفة ما هو غيبي (ميتافيزيقي) من أجل الإيمان به وتصديقه والمنهج المناسب للوصول لهذه المعرفة، حتى إن الأمام أبوحامد الغزالي قد أفرد لها بابًا مستقلًا في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد تحت عنوان: في بيان وجوب التصديق بأمور ورد بها الشرع وقضى بجوازها العقل، فقال: “إن ما لا يُعلم بالضرورة ينقسم إلى ما يُعلم بدليل العقل دون الشرع، وإلى ما يُعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يُعلم بهما معًا”. هذه القسمة الثلاثية تبيّن لنا أن للعقل دور، ولكنه وحده غير كافي بسبب محدوديته، واعتماده على الحس المتغير، فلا بد إذن من مصدر آخر للمعرفة، هذا المصدر هو الشرع أو الوحي الذي يجبر قصور العقل ومحدوديته وفي نفس الوقت لا يتعارض مع مبادئه.

يستكمل الإمام الغزالي بيانه موضحًا أن المعلوم بدليل العقل هو حدوث العالم أي خلقه من عدم، ووجود المحدِث، أي وجود الإله الخالق وقدرته وعلمه وإرادته، فان كل ذلك ما لم يثبت لم يثبت بالشرع (الوحي). لأن الوحي مبني على إثبات صفة الكلام النفسي لله تعالي، وبناء على ذلك لا بد من إثبات بعض القضايا في العقيدة بالعقل أولًا لنبني عليها بعد ذلك الشرع. وهذا ليس معناه أن العقل أداة عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة، بل ينبغي التفريق بين وجود حقائق العقيدة وبين كنهها وتفاصيلها وما هي عليه، فالعقل قادر على إثبات وجود الحقائق الكبرى والبرهنة عليها، لكن التخبط يبدأ عندما يخوض في محاولة تعقل الكيفيات التي تكون عليها الحقائق الغيبية لأنها غائبة عنه وعن الحواس، ولا يستطيع النفاذ إلى عوالمها المفارقة للزمان والمكان مهما اشتط به الخيال، لذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: “تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا”، وهذا ليس حَجرًا على العقل، بل حفظٌ له من الخوض في ما لا يقدر عليه. من هنا كانت الحاجة إلى مصدر آخر للمعرفة وهو الوحي الذي أعطى للعقل قيمته ومكانته باعتباره نعمة ربانية وهبها للإنسان. بل أضفى عليه بعض القداسة، حين جعله مناط التكليف، وأقرّ له ببداهة بعض مبادئه الأولية أو الفطرية، وارتضاها منطلقًا تقوم على أساسه العلوم والمعارف، وجعل من النظر والتفكر في هذا الكون فريضة دينية يؤجر صاحبها عليها. ولم يضع الاسلام أية قيود على فكر الإنسان، سوى أن يكون موجهًا نحو تحقيق الخير والنفع وعمارة الأرض. هذا القيد في الجهة لا يعني أن نحدّ من تفكير العقل ونقيده، بل يبين لنا في أي اتجاه يجب أن نفسح لهذا العقل المجال حتى ينطلق إلى ما شاء وفق منهجية منضبطة، يتجرد فيها الإنسان من هواه، ويكون المحرك الأساسي له هو طلب الحق ومعرفة الحقيقة.

هنا ينبغي أن نميّز بين القُدرة على الإهتداء للحق وشرط الإحاطة بالحقائق كلها و الماهيات وبين قدرة الإنسان الطبيعية على اكتساب المعارف، وبين أنواع تلك المعارف والعلوم والحقائق. فلدينا مثلًا الحقيقة العلميّة التي تقوم على معطيات حسيّة، إلاّ أنّ هذه المعطيات وحدها لا تكفي لإنشاء معرفة تفسيريّة منظمة، أي علميّة؛ لأنّ طبيعة المعرفة الحسيّة تهتمّ بالجزئيات، لذا لا بد فيها من تركيبٌ عقلي. فالحسّ مثلا يؤكّد لنا أنّ الشّمس أصغر من الأرض، بينما الافتراض العقلي والعلمي يجعلنا ندرك أنّ العكس هو الصّحيح.

 أيضًا لدينا الحقيقة الحدسيّة التي هي معرفة مباشرة بالموضوع المدرَك، فقد يحدث أن تتراكم لدى الشخص بعض المعلومات والملاحظات، ولا يستطيع الربط بينها فيأتي دور العقل البدهي أو الحدسي فيربط بينها، ويقفز إلى النتيجة بقفزة لا يقدر عليها العقل التجريبي وحده، بل هي تعاون بينهما معا. هناك أيضًا مرتبة أخرى تُعرف بالإلهام أو الكشف بلغة الصوفيّة. ولكن بطبيعة الحال تكون هذه المعرفة مسبوقة بتمهيد وبدايات. فمثلاً، قد يشغل عالم نفسه بدراسة موضوع ما، لكنّه ينغلق عليه فهمه فيتركه. وبعد أيّام وهو يقوم بمهام روتينية عاديّة يتبادر إلى ذهنه فجأة ومباشرة حلّ الموضوع الّذي استعصي عليه. وهنا نتذكّر ما كتبه الجوزجاني عن ابن سينا، فقد روي أنّه كان يتردد إلى الجامع ويبتهل ويصلّي إلى الله كلما استعصت عليه مسألة من مسائل الفلسفة ولم يجد لها حلاً، فيفتح له الله المنغلق وييسّر له المتعسّر. فيمكن اعتبار ما كان يقوم به الشّيخ الرئيس هو محاولة للبحث عن الحقيقة الحدسيّة أو”الإلهام الإلهي”. أيضًا ما قاله الإمام الغزالي عن نفسه في كتابه المنقذ من الضّلال: “فلما خطرت لي هذه الخواطر، أي السفسطة، وانقدحت في النّفس، حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدّليل، ولم يمكن نصب دليل إلّا من تركيب العلوم الأوليّة، فإذا لم تكن مسلّمة لم يمكن ترتيب الدّليل، فأعضل هذا الدّاء، ودام قريباً من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النّطق والمقال، حتّى شفاني الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النّفس إلى الصّحة والاعتدال، ورجعت الضّروريات العقليّة مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصّدور، وذلك النّور هو مفتاح أكثر المعارف. فمن ظنّ أنّ الكشف موقوف على الأدلّة المحرّرة فقد ضيّق رحمة الله الواسعة.

والأدلة، لكي تؤدي إلى حقيقة مطلقة، لها شرطان، الأول: صحة مادة الدليل فلا بد أن تكون كل المقدمات المستخدمة في الاستدلال يقينية، حتى تعطي نتيجة يقينية. والثاني: صحة صورة الدليل فلا بد أن تكون هذه المقدمات اليقينية مرتَّبة ترتيبًا صحيحًا يسمح بأن نتوصل من خلاله إلى نتيجة. فمتى كان الدليل مركبًا من مواد يقينية وصورته صحيحة كانت النتيجة يقينية حقيقية لا تقبل الخلاف.

مما سبق يمكننا التوصل إلى أن الخلاف الواقع بين الناس إما أن يكون بسبب أن بعض الفرق تستخدم مقدمات غير يقينية أو أن هناك خللًا في الطريقة التي تجمع المقدمات ببعضها البعض إلى أن تؤدي إلى نتيجة. ويكون واجب الناظر في القضايا الخلافية هو أن ينظر في أدلة كل فريق يدّعي أنه على الحق ويكون محل بحثه في صحة مادة الدليل وصحة صورته.

والعاقل لا ينكر قول القائل لمجرد أنه ادّعى أنه على الحق، بل يفتش في دليل هذا المدّعِي ويبحث عن فساد مادة دليله أو صورته، وإن لم يجد هذا الفساد فلا يحق له الاعتراض على قول لمجرد أنه خالف اعتقادا مسبقًا لديه. فإن اعترض لمجرد مخالفة اعتقاده المسبق يكون هذا هو عين التعصب والجمود الذي يعمي صاحبه عن معرفة الحقيقة والوصول اليها.

لذا نستطيع القول بأن العقل الملحد لا يمكنه أن يصل إلى يقين في إنكاره لوجود الله؛ لأنه بنى إنكاره هذا على مقدمات فاسدة، بخلاف المؤمن بالله الذي اتبع فطرته ثم سار في الكون باحثًا عن الحقيقة فاتحًا عقله لكل ما يصلح أن يكون دليلًا يقينيًا لاعتقاده. والمؤمن في طريق بحثه منهي عن تبني أي فكرة، حتى الدين نفسه، إلا عن طريق ما يثبته العقل الصافي من الدلائل اليقينية التي من شأنها أن تكشف عن حقيقة المطلوب أو على الأقل يجوّزه العقل ولا يتعارض معه. ذلك لأن الحقيقة العلمية تعتبر في حكم الدين قمة المقدسات الفكرية وينبوعها.

لكن ونحن في طريقنا للبحث عن الحقيقة، لابد أن نميّز بين نوعين من المعرفة: معرفة العلم ومعرفة الهداية الدينية، “فمعرفة العلم مستقلة عن شخص العالِم، قد يأخذها من غيره وقد يحملها إلى غيره، وقد يتساوى فيها الآخذ والمانح. أما معرفة الهداية الدينية فهي جزء من حقيقة الإنسان لا تنفصل عنه، ولا تخلو من مقوماته الشخصية، فلا تكفي فيها المعلومات والبراهين، ولا تغني هذه المعلومات والبراهين عن معونة من بديهة الإنسان. إذ أن هذه البديهة جزء من الحقيقة التي يتم بها الإيمان، وليست الحقيقة كلها خارجية يتلقاها الإنسان كاملة من غيره، سواء كان ذلك الغير إنسانًا حياً أو مظهرًا من مظاهر الطبيعة”. إن نقص البراهين أو الأدلة العقلية التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله – إن سلّمنا بذلك – سببه أن “البرهان قوة ترغم العقل على التصديق، ولا يأتي الإيمان بإرغام بل بطلب وشوق واجتهاد في التحصيل، فإن لم تشعر النفس بمكان الإيمان منها فلا محل للبرهان فيها. وإن شعرت بهذا المكان فالبرهان متمم لشئ موجود يعاونه ويعضده”.

فالإلحاد إذن بينه وبين الإيمان ضدية وجودية، هما ضدان وليسا نقيضين؛ إذ قد يرتفعان معًا ويبقى الإنسان لاأدريًا، إلا أنهما لا يتعادلان، أي الإيمان والإلحاد، في القيمة والاعتبار، فإذا كان الإيمان موجبًا ويكتسب أصالته من تعلقه بواجب الوجود سبحانه، فإن الإلحاد سالب ومحتكم إلى النقص لتعلقه بعالم الممكنات. وإذًا فلا نسبة وجودية للإلحاد إلا بصفة كونه نفيًا للإيمان وضدًا له. نعم قد يكون الادعاء الأكثر رواجًا في الاحتجاج الإلحادي، متضمنًا في شبهة التناقض بين الإيمان والعقل. وردًّا على هذه الشبهة يقول الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه “سؤال العمل” ، حيث يرى ضرورة التلازم بين العقل والايمان: إن الفصل بين العقل والإيمان ينبني على افتراضين: أحدهما، أن العقل لا إيمان فيه، وهذا باطل؛ لأن الدليل العقلي لابد فيه من التسليم غير المدلَّل ببعض القضايا المعتبرة وبعض القواعد المقررة، فضلًا عن أن التوسل بالعقل يوجب تحصيل الإيمان به، حتى تثبت فائدة العقل وتظهر مشروعية التوسل به. والافتراض الثاني، أن الايمان لا عقل فيه، وهذا أيضًا باطل؛ لأن الخطاب الديني يتعلق بالمكلفين، ولا تكليف إلا على من قام به شرط العقل، فضلًا عن الأدلة والآيات التي يسوقها لإثبات أصله الإلهي وما يقتضيه من التصديق القلبي. لابد إذًا من الجمع بين العقل النظري المجرد وبين العقل الموسع ذي الأصل الديني، الذي يجمع في ادراكه بين الحس والوحي، لتجتمع الحقائق الوجودية التي يتوصل إليها العقل المجرد، مع الحقائق الإيمانية التي يضيق عنها، فيأتي دور العقل الموسع ليكون نور على نور.