هل الانسان مخير أم مسير؟

 

هل من العدل أن يحاسب الله الكافر على كفره وقد أراده له قبل أن يخلقه ؟

الجواب

مذاهب الناس وأقوالهم في مسألة أفعال العباد:

هذا السؤال متعلق بقضية مهمة وهي الجبر والاختيار وهل الإنسان مخير أم مسير وكثير من الشباب يسألون عنه وعلاقته بإرادة الله، وقد اختلف فيه الناس إلى عدة أقوال ومذاهب عديدة:

مذهب الجبربة:

فذهبت فرقة تسمى الجبرية أو الجهمية أنه لا فعل للعبد أصلا وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات التي لا قدرة للعبد عليها ولا قصد ولا اختيار، وخلاصة رأيهم أنهم يقولون أن العبد لا استطاعة له على فعله لا كسباً ولا خلقاً، فهو كالريشة التي تتحرك في الهواء بلا إرادة منها ولا اختيار.

وهذا المذهب مخالف للضرورة، وللوجدان الطبيعي للإنسان الذي يدرك الفرق البدهي بين الأفعال الاضطرارية ، والأفعال الاختيارية التي يفعلها الإنسان بمحض قدرته وإرادته، فمذهب الجبرية هؤلاء يرى أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة وجرى الماء وترك الحجر وطلعت الشمس وغربت وتغيمت السماء وأمطرت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك.

وخلاف ما يرد على هذا القول من مخالفة الضرورة والبداهة العقلية والوجدانية من نفي الإرادة للإنسان السليم الأعضاء والحواس والعقل ، فإنه أيضا يجعل التكليف الإلهي للمؤمنين بالأوامر والنواهي لا معنى له على التحقيق، فشرط التكليف هو القدرة والاستطاعة والاختيار. كما قال الله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

مذهب القدرية:

وذهبت فرقة تسمى بالقدرية ، وهم أتباع معبد الجهني إلى القول بأن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فأثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقين وأوصافهم، ونفوا قدرته على أفعال المكلفين، بل نفوا علمه بها قبل أن تقع ، وقالوا: إن الله لم يردها ولم يشأها منهم، وهم الذين أرادوها وشاءوها وفعلوها استقلالاً، وأنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فأثبتوا خالقاً مع الله، وهو كل مكلف من البشر، وأنكروا تعلق قدرة الله وإرادته بأفعال الناس. فهم على النقيض تماما من الجبرية، ولا شك أن هذا غلو في إثبات الاستقلال للقدرة البشرية ، حيث إن مجرد الفعل الإنساني بإرادة لا يدل على عدم تعلق علم الله به والإرادة الإلهية به ، بالإضافة إلى مخالفته للقواطع والنصوص القرآنية بأن كل ما أراده الله قد كان، وما لم يرده لم يكن، وأن الله على كل شيء قدير وأنه خالق كل شيء، وأن الله أحاط بكل شيء علما ، كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27]، وقال أيضا : {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93].

قول المعتزلة:

وذهبت فرقة أخرى وهم المعتزلة إلى أن العبد يفعل فعله بقدرته التي أودعها الله تعالى فيه باختياره، ومعنى فعل العبد هو أنه يخلق فعله ويوجده من العدم بإرادته الحرة، فالفعل ناتج فقط عن قدرة العبد وبلا تدخل من قدرة الله تعالى، وهذا مع إقرارهم أن الله تعالى يعلم ما سوف يكون منذ الأزل، ومع هذا فإن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى بل هي مخلوقة للناس، وهم يعللون هذا بأن الأفعال لو كانت مخلوقة لله تعالى للزم على هذا أن يكون العبد مجبوراً، لأنهم لم يتصوروا أمراً بين الخلق والجبر، فقرروا أنه إن لم يكن مخلوقاً للعبد فإن العبد يكون لا محالة مجبوراً عليه، وكل مقصدهم هو أن يفروا من كون العبد مجبوراً.

مذهب أهل السنة:

وهذه النقطة هي التي يخالف فيها  أهل السنة المعتزلة في هذه المسألة، فمذهب أهل السنة أن الله سبحانه خالق كل شيء، بما فيها أفعال العباد، وأنه وهب للمكلفين قدرة وإرادة تتعلق بأفعالهم الاختيارية التي يحاسبون بها ويثابون أو يعاقبون عليها،  وأنه لا تلازم بين كون الأفعال البشرية مخلوقة بقدرة الله وكونها متعلقة للإرادة القديمة، وبين كونها مكتسبة للعبد بإرادته واختياره وقدرته.

فحاصل مذهب أهل السنة في المسألة وهو أرجح المذاهب وأعدلها: أن قدرة الله وإرادته، وقدرة الإنسان وإرادته: متعلقان بالفعل البشري لكن باعتبارين مختلفين؛ فتعلق القدرة الإلهية به هو تعلق خلق وإيجاد من عدم، وتعلق القدرة البشرية هو تعلق كسب بإرادة وقدرة خلقهما الله في العبد.

أدلة صحة مذهب أهل السنة وعدم لزومه للقول بالجبر:

ولهذا نقول: بما أنه قد ثبت بالضرورة الحاصلة في وجدان الإنسان أن له إرادة واختيار في أفعاله، وأن له قدرة واستطاعة على الفعل والترك، ضرورة من يجد في نفسه الفرق بين حركة اليد المرتعشة واليد التي تبطش وتصنع وتزرع، فإنه يدرك قطعا أنه ليس واقعا تحت سلطان الجبر ، وكذلك إذا أدرك الأدلة العقلية، وقواطع نصوص الوحي بأن الله أراد كل شيء أزلا، وأنه خالق كل شيء، وأن الهداية والضلال بيده؛ لم يكن ذلك مُلزِما للقول بالجبر ونفي التكاليف الشرعية، والتحجج بما قدر الله في الأزل على عباده بالادعاء أنه ليس لهم دخل في مصائرهم المتعلقة بأفعالهم واعتقادهم في هذه الحياة الدنيا؛ إذ أنه لا تلازم عقلا وشرعا –كما قلنا بين الأمرين.

فليس في قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه بل يجب أن نؤمن بأن الله أقام علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل قال الله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، وكذلك علمنا أنه من محاسن هذه الشريعة ورحمتها أن الله لم يكلف إلا القادر المستطيع المريد، فقال سبحانه : {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا } [البقرة: 233]

وكذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم- فيما رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما : « إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه » ، أي أن الأفعال التي لا يقوم بها العبد بمحض قدرته وإرادته قد تجاوز الله عنها، رحمة بالمؤمنين، وتجاوزا عما لا تطيقه نفوسهم.

وروى البخاري في صحيحه: عن علي رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار»، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر» ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} [الليل: 6] إلى قوله {للعسرى} [الليل: 10].

هل في القدر حجة لترك العمل؟

أي إن مجرد القدر ليس حجة في ترك العمل والاعتماد على ما كتبه الله للعباد وقدره في علمه، ومعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : «كل ميسر لما خلق له» : أي كل ميسر لمصيره بعمله، فإما أن يعمل بعمل أهل السعادة فيسعد، أو بعمل أهل الشقاء فيشقى، وذلك قمة التخيير والعدل.

هل الإنسان مسير أم مخير:

وإن قيل هل الإنسان مسير أو مخير ؟ فينبغي على السائل أن يسأل نفسه بعض الأسئلة: هل الإنسان يختار زوجته التي يتزوجها؟ وهل الإنسان يختار ملابسه التي يرتديها ؟ وهل الإنسان يختار سيارته التي يشتريها ؟ ويختار الطعام الذي يأكله؟ ثم يسأل وهل يختار الإنسان ميعاد موته ؟ أو يختار يوم ولادته ؟ أو يختار  أبويه ؟ أو يختار أفعاله التي يقوم بها دون قصد وإرادة كما يصدر عن النائم أو المجنون مثلا ؟

فالجواب الطبيعي أن كل مكلف يدرك أنه مخير في أكثر أفعاله التي يعلم آثارها وعواقبها وأسبابها، وكيفية القيام بها، وكذلك يدرك أنه لا قدرة له أو اختيار في بعض أفعاله الاضطرارية كحركته أثناء النوم، وأفعاله إن أصابه جنون أو مرض يؤثر على سلامة أعضائه واستطاعته، وكذلك لا هو مسير فيما لا دخل له في اختياره أو لا تعلق لقدرته بفعله كاختياره لوالديه أو يوم موته وساعة ولادته، فالإنسان مخير فيما يعلمه وما لقدرته استطاعة عليه، ومسير فيما لا دخل لقدرته وإرادته وعلمه به، هكذا الأمر بكل سهولة، ومن رحمة الله بنا أن مصائرنا في الدار الآخرة، متعلقة بالأوامر والنواهي التي نص الشرع عليها، وكلها واقعة في استطاعتنا وإرادتنا وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس أجمعين.

سر القدر وعلاقته بالمشيئة الإلهية:

وهذه المسألة – وهي مسألة القدر- قد خاض فيها الغالون كما بينا كثيرا، وزعموا أن فيها حيرة واضطرابا، والحق أن الحيرة ليست في تمثل الاعتقاد بأن الله خالق كل شيء، أو أن الإنسان له قدرة وإرادة حقيقية يكتسب بها أفعاله الاختيارية. بل الاضطراب والحيرة يأتيان من التعمق في البحث عن كيفية توفيق الإنسان لأن يعمل على وفق إرادته ما قضاه الله أزلا، وهذا هو سر القدر الذي نهينا عن السعي والبحث فيه.

يقول شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقادي رحمه الله ت 1373 هـ في كتابه (موقف البشر تحت سلطان القدر ص 37 ) : « أما البحث فيما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل من إحاطة علم الله وإرادته، وبين ما تشهد به البداهة من عمل المختار فيما وقع عليه الاختيار، فهو من طلب سر القدر الذي نهينا عن الخوض فيه ، واشتغالا بما لا تكاد تصل العقول إليه، وقد خاض فيه الغالون من كل ملة، خصوصا من المسيحيين والمسلمين، ثم لم يزالوا بعد طول الجدال وقوفا حيث ابتدءوا، وغاية ما فعلوا أن فرقوا وشتتوا ، فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلاله المطلق وهو غرور ظاهر، ومنهم من قال بالجبر المطلق وضرح به، ومنهم من قال به وتبرأ من اسمه ، وهو هدم للشريعة ومحو للتكاليف وإبطال لحكم العقل البديهي وهو عماد الإيمان». اهــ

ونحن نقول : أن هذا النهي عن التفكر في سر القدر هو من أدلة صحة ما يقوله أهل السنة مما وضحناه من لزوم إثبات إحاطة علم الله وإرادته بما هو كائن، وإثبات الكسب للأفعال البشرية عن إرادة منهم واستطاعة؛ لأن حجر العقول عن التأليف بين القضيتين التي ثبتت إحداهما بالبداهة وهي اختيار العبد واستطاعته، وثبتت الأخرى بالأدلة العقلية والنقلية وهي شمول علم الله وإرادته على ما كان وما هو كائن – هو أقوى دليل على أن أولاهما لا تنقض بالأخرى، والصعوبة في الجمع بينهما الذي يظهر لبعض الناس هو سر القدر المنهي عن التفكر فيه، فالمسألة ظاهرها التعقيد والصعوبة ، وحقيقتها وجوهرها سهلة تتم بالتسليم لأمر الله وقضاه وقدره.

هل يصح الاستدلال بعلم الله على الجبر؟

واتضح مما سبق ضعف قول المستدل بـعلم الله الأزلي المحيط على الجبر والتسيير؛ لأن العلم لا تأثير له في معلومه بالمنع ولا بالإلزام، فحقيقة العلم مجرد انكشاف عند العالم لما يقع، ومثالا على ذلك ولله المثل الأعلى : فإننا نعلم بحكم العادة أن من لا يتخذ بالأسباب الموصلة للنتائج فإنه لا ينجح في مراده عادة، فالأستاذ الذي يعلم أن لطالب الذي لا يذاكر دروسه، فإنه عادة لن ينجح، وهذا ليس قهرا وجبرا من المدرس على رسوب الطالب، فكذلك تعلق علم الله الشامل والمحيط بما هو واقع على عباده ليس ملزما للجبر وعدم الاختيار.

شبهة حول دعوى التعارض في آيات القرآن وجوابها:

وقد يظن بعض الناس وقوع التعارض في القرآن في الآيات المتعلقة بالمشيئة الإلهية؛ إذ يقول الله في بعض الآيات: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] ، ويقول أيضا: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [التكوير: 29] ، ثم يذم من أحال ضلالته على مشيئة الله، كما في قوله سبحانه : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] . فنقول ليس هذا تعارضا، فإن الله ذمهم في هذه الآية لا لأنهم كذَبوا في تلك القضية الشرطية، بل لأنهم أرادوا بذلك القول تكذيب الرسل الذين منعوهم من الشرك، ومحاججتهم بحجة إلزامية عند الرسل وهي قول الله: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} ، والقرينة على ذلك أنه تعالى تعقبهم بقوله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنعام: 148] فذمهم على تكذيبهم لا على كذبهم في قولهم، وكذلك فإن الله تعقبهم بقوله: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] ، وهذا يدل أن المشركين قد قالوا هذا القول ليس لإيمانا بمضمونه وخضوعا لمشيئة الله، وإنما سخرية على الرسل، فأراد الله أن يعيد حجتهم عليهم.

ويحتمل أن يكون ذمهم بذلك القول لأنهم أرادوا الاحتجاج بالقدر، وأرادوا به التبرؤ من تبعة الشرك، والاحتجاج بالقدر باطل، إن أريد به التذرع إلى دفع المسئولية عن نفس المكلف كما بينا من قبل؛ لأن الشرع قد علق أفعال العباد على ما وهبه لهم من القدرة والاختيار، وسلامة الأعضاء والحواس والآلات وغيرها، ولأن ذلك يؤدي إلى إفحام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

فنحن نجمع وجوب الاعتراف بمسئولية العباد إلى وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، بمعنى أن لمشيئة الله تعلقا بفعل العباد كما قلنا من قبل، وهي تخصيص الفعل كما سيكون ، ولمشيئة العبد كذلك تعلق بالفعل على سبيل العزم والاختيار، وبذلك لا تصادمنا آيات القرآن، أو قاطع الأدلة الشرعية، وبراهين العقل.

وعلى ما سبق فتعلق إرادة الله ومشيئته بأفعال العباد ليست مستلزمة للجبر أو الظلم، والله أعلم.