هل الدين اختراع لتسكين آلام الناس؟

يردد البعض أن الدين ما هو إلا مجرد فكرة وأداة لسوق الناس وسياستهم وتسكين رغباتهم؟ تحرير المصطلحات يؤدي إلى فهم المراد؛ فإذا أردنا أن نحرر طبيعة المقولة التي نحن بصددها، فالدين هو جملة المعتقدات والمبادئ والتصوّرات التي يدين بها الإنسان، وتكون هذه المعتقدات وتلك الأفكار مكوّنًا رئيسًا من مكوّنات شخصية الفرد داخل الأُطر الجامعة للجماعة التي تدين بنفس ما يدين به. وبالتالي يعقب ذلك مجموعة عناصر حاكمة على عقله، منها: تعامله مع من يعتقد معتقده، ومنها تعامله مع مخالفه، ومنها سلوكه نحوه مجتمعه. وهذا المعنى في السؤال قد يعبر عنه بعضهم أحيانا بعبارة “الدين أفيون الشعوب” ومعناها أنّ الدين هو السبب الرئيس في تخدير الناس، وجعلهم أداة في يد المنادين بالدين، وكون الدين مسببا لتسكين الناس عن المطالبة بحقوقهم؛ إذا اشتركوا جميعا في دين واحد. هذا هو المعنى الظاهر من العبارة، وتاريخيًّا تُنسب العبارة إلى مؤسس المذهب الماركسي، “كارل ماركس” الذي يقول في عبارته:” إن القنوط الديني هو التعبير عن قنوط حقيقي وعن احتجاج على القنوط في آن. فالدين هو تنهيدة المخلوق المظلوم، قلب عالم بلا قلب، روح عالم بلا روح. إنه أفيون الشعوب “اهـ. وقد أسس فلسفته التي سادت في أعمال الأحزاب الاشتراكية التي تبنّتها على نق الدين ورفضه من المجتمع نهائيًّا باعتباره يؤدي إلى سعادة موهوم في مقابل أنّ الإنسان بذاته يستطيع أن يحقق السعادة الفعليّة، حين نادى بذلك، بقول: ” إن إلغاء الدين، بصفته سعادة الشعب الوهمية، يعني المطالبة بسعادته الفعلية. ومطالبة الشعب بالتخلي عن الأوهام حول وضعه، يعني مطالبته بالتخلي عن وضع في حاجة إلى أوهام. فنقد الدين هو، إذن، النقد الجنيني لوادي الدموع الذي يؤلف الدين هالة له”. وإذا أردنا أن نناقش الكلام السابق بنفس هادئ، لا بدّ أن نناقشه من جهتين: الأولى، من جهة أنّه في ذاته يحمل مجموعة من الأوهام الخاطئة عن الدين؛ لأنّه لم يعرف الغاية الأساسية التي من أجلها قامت الأديان عمومًا. الثانية: أنّه إذا عاملنا الدين بهذا التصوّر ينبغي أن نعامل كل الأيدلوجيّات بنفس ما نعامل به الدين؛ ذلك أنّ كلّ أيدلوجيّة أو موقف فكري يمكن أن يستخدم كأداة لتخدير الشعوب، بما في ذلك الشيوعيّة التي تبنّت الفلسفة الماركسيّة كأداة للترويج لنفسها، وكذلك النازيّة، والفاشيّة؛ إذًا كل الأيدلوجيّات يمكن أن تكون أفيونًا بحسب الاستخدام؛ ذلك أنّها تحمل شعارات برّاقة.

وظيفة الدين: يبحث الإنسان دائمًا عن خلاصه، وفي طريق سيره للخلاص، تعترضه مجموعة من التساؤلات، تقوم جميع الأديان والفلسفات للإجابة عنها، وفي سبيل الإجابة عنها يختلف دين عن دين، ويختلف مذهب عن مذهب؛ إلا أنّ بواعث الإجابة والاستشفاء من التشكك، والبحث دون تحيّر تظلّ مشتركة بين جميع بني الإنسان. هذه الأسئلة هي الأسئلة الكبرى، لمَ خُلِق الإنسان؟ ومن خلقه؟ ولِمَ خلق هذا الكون؟ ومتى؟ ومن خلقه؟ وما هو مبدأ الإنسان؟ وما هي غايته وهدفه؟ وإلى أين يسير؟ وما هي نهاية الكون؟ وما هو مصير الإنسان؟ وماذا بعد الموت؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا توجد أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب، إلا وحاول أن يضع حلولا لها. والحقيقة أنّ الدين وحده هو القادر على إيجاد إجابات مقنعة لهذه الأسئلة، ذلك أنّ الدين يؤدي إلى اكتمال مكوّنات الفرد؛ لأن الدين يحيط الإنسان من أربع جوانب: أولها: الجانب العقلي، عن طريق تنمية العقل وتكريمه، وجعله مناط التكليف، ودعوته للتفكر والتأمل، والدعوة إلى استحسان أصحاب العقول والألباب. ثانيها: الجانب النفسي، عن طريق تلبية الدوافع النفسية، والبحث في ماهيّة النفس، وما تنطوي عليه من محاسن ومساوئ وكيفية معالجة كلٍّ، ورسم الطريق لبلوغ الكمال النفسي. ثالثها: الجانب الروحيّ، عن طريق إيجاد الصلة الدائمة بين الفرد وبين الخالق المدبر الرعي له في كلّ أحواله، وفي كلّ عمل، وكلّ فكرة، وكلّ شعور، كما أنّ الدين يغذّي الروح بطاقات روحيّة عظيمة وهائلة كالشجاعة والتضحية والكرم؛ ذلك أنّ الدين حين يخاطب، يخاطب الوجدان بالأساس. رابعًا: الجانب الجسديّ، عن طريق الترغيب في المحافظة على الجسد، بإيجاد الرياضة الجسدية التي هي محلّ القوّة، كما اتفق أنّ الجسد أحد العناصر الهامة التي ينبغي المحافظة عليها، سواء من سريانه وراء الشهوات والغرائز بما يستتبعها من مهالك، أو إلقاء به في تهلكة متحققة، منظّما ذلك كلّه في أُطر تحفظ الميول الجسديّة المتباينة والعواطف المتعدّدة.

هل يمكن استغلال الدين؟ تقدّم أنّ الدين شأنه شأن أي أيدلوجيّة فكريّة يمكن أن تصنع شيء من الوهم يُستغلّ، فالدين يمكن أن يُستعمل كمخدّر، ويمكن أن يستعمل كمحرّر. وحتى نكون أكثر إنصافًا نقول: أنّ في الدين مجموعة من الأفكار يمكن أن تكون أداة لذلك، ونعني بالإمكان هنا أنها قابلة لذلك- وليس أنّ حقيقتها ذلك. الفكرة الأولى: فكرة الآخرة، وكيف أنّها ستكون أرض عدالة، يحاسب فيها كلّ إنسان بما قدّم المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وتُستغلّ هذه الفكرة التي هي حصرًا على الدين بما يمكن أن يكون تسكين لبعض الناس عن المطالبة بالحقّ، وفي الحقيقة أنّ في دين الإسلام ليس هذا بمحلّ تفاخر أو طلب، بل الدين داعٍ إلى أخذ الحقّ المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف”. الفكرة الثانية: فكرة القدر، وكيف أنّ الإله تدخّل بدءا في تقدير الأمور، وقضى بوقوعها لا محالة على الإنسان، وكتابة شقاوته وسعادته. وتستغلّ هذه الفكرة من قبل المتسلطين على رقاب الناس، في تسويغ وتبرير ما يفعلون بحجة كونه مكتوب ومُقدّر، والحقيقة أنّ الإسلام دعا إلى السعي الدؤوب في الأرض، قال الله تعالى في القرآن:{فامشوا في مناكبها}، وفي الحديث: [وكلّ ميسّر لما خلق له] تأسيسًا للسعي في طلب الأشياء وعدم الركون لما يحمله القدر في طيّاته. الفكرة الثالثة: الزهد في الدنيا، وكيفية اجترار النصوص التي يوحي ظاهرها بعدم التعلّق بشيء من الدنيا، والزهد فيها كليّةً. وتستغلّ هذه الفكرة من قِبَل بعض الناس في الترويج لإبعاد الناس عن تحصيل ما يمكنهم تحصيله، وإذ هم يسعون لتحصيل الثروات، والإسلام ما دعا لذلك بل دعا للأخذ من الدنيا ما أمكن ذلك، بشرط عدم التعلّق القلبي بها، {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}. مثّلت هذه الأفكار الثلاث مرتكزات لدى بعض الداعين، فتكون حينها استغلال للدين كمخدّر أو أفيون كما يعبّر طرح الإشكال. وحين نتأمل القرآن الكريم نجده يقصّ علينا من تجارب الأمم السابقة من كانوا يستخدمون الدين كأداة للتحريف والتبديل، ليشتروا به ثمنًا قليلا لدى بعض الناس، أو لكسب شيء من الدنيا {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]، أي أخذوا عوضا منه فائدة دنيوية حقيرة فغبنوا في هذا البيع والشراء، وهذا الثمن هو ما كان يستفيده الرؤساء من المرؤوسين من حطام الدنيا ليتمتعوا بلذاتها الفانية، وشهواتها الفاسدة، وكانوا يؤولون الكتاب ويحرفونه لأغراض كثيرة كالخوف من الحكام أو الرجاء فيهم، فيصرفون نصوصه إلى معان توافق هوى الحاكم ليأمنوا شره، أو لإرضاء العامة أو الأغنياء بموافقة أهوائهم لاستفادة جاههم ومالهم. [تفسير المراغي (4/ 157)]. تلك هي مناطات استغلال الدين وجعله مخدّرًا، والتساؤل هنا بعد العرض هذا، هل يقوم الإسلام بهذا؟ الإجابة: لا. لماذا؟ الإجابة: ذلك أنّ الإسلام لم يكن قطّ مجرّد فكرة وأداة طيّعة في يد الحاكم يستغلّها كيف شاء، بل أمر أن من رأى منكرًا فليغيّره، وإن كان الحاكم ظالمًا وجب عزله. وليس الدين مجرّد أداة لتسكين الناس، فدعاهم إلى المطالبة بحقوقهم ما أمكنهم ذلك، ذلك أنه جعل الأواصل المجتمعيّة قويّة جدًّا وليس كأي أيدلوجيّة أخرى فالدين يحقّق التوازن بين الفرد والمجتمع، فلا يطغى الفرد ويستأثر بالحقوق، ولو أدّى الأمر إلى شقاء المجتمع كما هو الحال في النظام الرأسمالي، ولا يستبدّ المجتمع بالفرد، ويتحكم فيه ويسلخ منه قيمته وخصائصه وفطرته ووظيفته في الكون، وهو ما تحاوله الشيوعيّة لتجعل من الفرد آلة للإنتاج وعبدًا للدولة أو للحاكمين فيها. وإنّ الدين الذي يحقق للفرد تنمية العقل وكمال النفس وتهذيب الروح وتقوية الجسد يؤدي إلى إصلاحه، ويكون صلاحه وإصلاحه صلاحًا وقوّة للمجتمع؛ لأنّ المجتمع مجموعة أفراد، وإنّ الأمة تتكون من مجموع أفرادها، وإنّ بناء الأمّة على أكتاف أبنائها، وإنّ قوّة الأمة من قوّة العناصر فيها، وإنّ صلاح المجتمع يتحقق عند صلاح الأفراد.

البحث عن السعادة. يبقى أن نتساءل هل السعادة في الدين أم السعادة في ترك الدين، بالطرح الذي طرحه دعاة أنّ الدين أفيون الشعوب، يدعون إلى أنّ التمسك بالدين يؤدي إلى الشقاء كونه مانعًا لأتباعه عما سبق أفردناه، ونريد أنّ نقول أن الدين بجانب كونه معطى جسدي وروحي ونفسي يسبب السعادة، فهو أيضًا باعث على الأمان؛ ذلك أنّ سعي الإنسان في الدنيا ليس هدرًا وليس ظلا زائلا بل له بُعد أخروي فيه جزاء ما تقدّم الأيدي، وفيه موعود غيبي ميتافيزيقي يمكن أن يكون في ذاته غاية {والآخرة خير وأبقى}.

انتهى.