من خلق الله

 

ما دامت القاعدة العقلية تقول إن لكل شيء سبب، فلماذا يرفض المؤمنون كون الخالق له سبب؟

 ينبغي التوضيح أولا أن حق السؤال مكفول لأي إنسان في هذه الدنيا خاصة في هذه المباحث المهمة المتعلقة بالأسئلة الكبرى التي تواجه كل واحد في حياته حول نشأته ومصدرها، وحياته ومآلها، والعلة التي لأجله وجوده في هذه الدنيا، ونوضح أن الإسلام لا يضع سقفا لحدود الأسئلة التي يريد أن يسأل عنها أي شخص، بل يدعو إلى التفكر والتساؤل، واستثارة الذهن بالبحث وامتلاك المعرفة، قال الله {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46]. وقال سبحانه : {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176]

ولتقديم  إجابة وافية شافية على هذا السؤال : من خلق الله ؟ لابد أن نقدم بعدة مقدمات حتى يتضح التناقض في السؤال، وعدم تناقضه مع ما أثبتناه من ضرورة السببية في العلل والمؤثرات- لابد أن نقدم بعدة مقدمات :

ضرورة فهم الأحكام العقلية الثلاثة:

أولها : لابد أن نبيـّن أن هناك أحكاما ثلاثة، اتفق على إثباتها جميع العقلاء لجميع المفاهيم والأحكام والموجودات، وهي الأحكام العقلية الثلاثة: الوجوب والاستحالة والإمكان، ومعرفة هذه الأحكام الثلاثة يزيل الإشكالات عن كثير من الأسئلة ودعاوي التناقض.

أما الوجوب العقلي: وهو الأمر الذي لا يتصور الانتفاء بالنظر إلى ذاته، أو هو ما لا يتصور في العقل عدمه، ومثاله : تحيز الأجسام، فالجسم حال كونه جسما يستحيل ألا يكون متحيزا، أي يشغل قدرا من الفراغ الموهوم، وإذا انتفى التحيز انتفت حقيقة الجسم. ومثاله أيضا إثبات أن الكل أكبر من الجزء، وأن الواحد نصف الاثنين، فعند تصور معنى الكل والجزء ومعنى الكبر ، يجزم العقل بوجوب هذا الحكم بالنظر إلى ذاته ، ودون النظر إلى أي اعتبارات أخرى.

والمستحيل: عكس الواجب وهو الأمر الذي لا يتصور الثبوت بالنظر إلى ذاته، أي هو الأمر الذي لا يقبل الثبوت بأي حال ودون النظر لأي اعتبار آخر، ومثاله : اجتماع النقيضين كوصف الشيء الواحد بأنه موجود وغير موجود دون النظر لأي حيثيات أو اعتبارات أخرى، وكذلك وصف الجزء أنه أكبر من الكل ، وكذلك الدور توقّف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه ؛ كتوقف ( أ ) على ( ب ) ، وتوقف ( ب ) على ( أ ) ، كدعوى شخص أن سبب وجوده هو والده ، وأن سبب وجود والده هو ولده.

والحكم الثالث هو الإمكان: وهو الأمر الذي يقبل الثبوت أو الانتفاء بالنظر إذا ذاته ودون النظر لأي اعتبارات أو حيثيات أخرى، ومثاله : وجود الإنسان على الصورة التي يوجد عليها من اختلاف الصفات والأحوال، فالعقل لا يوجب أو يحيل وجود الإنسان، وكذلك لا يوجب أن يوجد على حالة واحدة من الطول أو القصر والكبر والصغر وغيرها من الصفات المتقابلة، فالعقل يجوز أن يتصف الإنسان بأضداد هذه الصفات التي يتصف بها، وأكبر دليل على الإمكان هو التغير والتحول من حالة لحالة ومن صفة إلى صفة.

وينبغي أن يعلم أن هذه الأحكام العقلية الثلاثة تنقسم لما هو بديهي وما هو نظري، والبديهي ما يدركه العقل بأدنى ملاحظة من دون تفكير والنظري عكسه، فمثال الواجب البدهي مثلا الحكم بتحيز الجسم ، والحكم بأن الواحد نصف الاثنين، لأن العقل بمجرد تصور مفردات هذه القضية وهو معنى التحيز ومعنى الجسم ، وكذلك معنى الواحد والاثنين ومعنى النصف يجزم فورا بوجوب هذه الأحكام واستحالة تخلفها.

وأما النظري من هذه الأحكام فهو الذي يدرك بعد مزيد تأمل ونظر وبحث، وهذا النظر لا ينفي عنه قطعية الحكم إما بالوجوب أو الجواز أو الاستحالة، لكن الفرق بينه وبين الأول وهو البدهي أن احتاج إلى تقديم عدد من الأدلة والمقدمات للوصول إلى هذه الأحكام الثلاثة.

ومثال الواجب النظري الحكم بوجوب صدق الأنبياء المؤيدين بالمعجزات، ومثال المستحيل النظري ، الحكم باستحالة التسلسل وهو اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة بصورة غير متناهية ، مثل أن يتوقف ( أ ) على ( ب ) ، و( ب ) على ( ج ) ، و( ج ) على (د) ، وهكذا إلى ما لا نهاية .

واستحالة التسلسل : باعتبار أنّه يؤدي إلى استحالة تحقق أي واحد من المعاليل، وأنّ فرض تحقق ذلك يستلزم وجود المعلول بلا علة ، وهو محال .

صفات الواجب والمستحيل والممكن

وعند فهم هذه المقدمةأي

الأولى ، خاصة معنى الواجب والممكن نقول إن الموجود الواجب والممكن يتصف كل منهما بعدة أمور ، فمما يتصف به الممكن :

1- أنه لا محال في فرض وجوده أو عدمه وإلا فهو واجب لذاته، وتنقلب حقيقته.

2-  إن أحد الطرفين الجائزين عليه من الصفات المتقابلة ليس أولى من الآخر.

3- أن إمكانه هو علة احتياجه لغيره.

وكذلك نقول إن الواجب له صفات وخواص واجبه له بناء على تصور معناه وهي:

1- أن وجوب وجوده مستمد من ذاته وليس من غيره وإلا لكان ممكنا.

2- أن عدمه ممتنع .

3- أنه لا يحتاج في وجوده إلا سبب.

هل الخالق ممكن أم واجب الوجود ؟

وإذا تصورنا ما سبق، فإننا نسأل سؤالا مهما، وهو : إلى أي قسم من الأقسام الثلاثة يوصف به هذا العالم ، وأي قسم يوصف به الخالق ؟

إن الإجابة الضرورية التي يفترضها السائل أن العالم ينتمي للقسم الثالث وهو الإمكان ، لأننا قد افترضنا وأثبتنا خلقه واستحالة أزليته وأن العدم سابق عليه وجائز في حقه.

وأما الخالق سبحانه وهو الله ، فإننا أثبتنا وجوده بناء على بعض المقدمات وهي :

أولا: أن هذا العالم حادث ومخلوق وممكن.

ثانيا: أن كل ممكن يحتاج ويفتقر إلى سبب وموجد.

ثالثاً : استحالة تسلسل الأسباب والعلل لا إلى خالق أول قديم.

وقد قدمنا الأدلة القطعية على صحة كل مقدمة من هذه المقدمات الثلاثة، كما أنه لا يخفى على السائل أننا لما أثبتنا ضرورة قانون السببية وضحنا أن هذا المبدأ القائل بأن لكل شيء سببا أساسه هو النظر إلى ماهية الممكن، وهو الذي لا يترجح جانب وجوده على عدمه أو العكس، وذكرنا في أدلة ضرورة استناد كل ممكن إلى سبب ، أن ترجيح جانب الوجود على العدم يحتاج إلى مرجح، ويبعد ويستحيل أن يكون هذا الترجيح من تلقاء نفسه ، لأن ماهية الممكن أي “هويته” تقضي بأنه يستوي جانبا الوجود والعدم فيه لذاته، ومن ثم فإننا نناقض مبدأ الهوية -وهو المبدأ الأول من المبادئ العقلية لأرسطو إذا قلنا بـأن “الممكن” أوجد نفسه دون حاجة إلى مؤثر خارج عن ماهيته، ومختلف في حقيقة “الإمكان” الذي قد ثبت له.

وبناء على ما سبق فيتضح للسائل أن الله سبحانه واجب الوجود لذاته، أي أن وجوده مستمد من ذاته، ويستحيل عليه العدم لأن ما ثبت وجوبه وقدمه استحال عدمه، وأيضا فإن وجوده ليس مستمدا من غيره أو متوقف عليه.

وبهذا يعلم أن هذا السؤال : من خلق الله يحتوي تناقضا واضحا، وهو افتراض أن الواجب الوجود الذي يستمد وجوده من ذاته ولا يسبقه أو يطرأ عليه العدم، معتمد ومستند في وجوده إلى غيره. وهو خُلفٌ وتناقضٌ واضح في جملة قصيرة.

وعلم أيضا مما سبق أن هذا ليس تخصيصا في الأحكام العقلية فيما يتعلق بإثبات قانون السببية على العالم ، ومنعه على خالق العالم؛ لأنا نقول إن السببية متعلقة بإمكان ماهية الموجودات بغض النظر عما تصدق عليه، وهو مما لا يصدق على واجب الوجود الذي نسميه وهو الله سبحانه وتعالى.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الفرق ، في قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل: 17] لبيان الفرق أن ماهية الخالق الواجبة تختلف قطعا عن ماهية الممكن المفتقرة إلى السبب .

وجود الله سبحانه ليس متعلقا بالزمان:

وينبغي العلم أن وجود الله سبحانه ليس وجودا زمانيا، بمعنى أن وجوده مقارن لوجود الزمن، بل هو سبحانه موجود قبل الزمان ومستغنٍ عنه، وأن الزمان قد بدأ بخلق العالم.

وعليه فمن المغالطات أيضا السؤال عن الله بــ متى ؟ أو متى كـــــــان ؟ لأنه يـجـر أيضا للسؤال بمن خلق الله، فهو سبحانه لا يعتمد في وجوده على زمان أو مكان أو سبب.

قال الفيلسوف الاسترالي جون ماكي J.L.Mackie في كتابه Truth, Probability, and Paradox: « إذا كان الإله وجد فجأة في خلال الزمن، فيحتاج إلى محدِث كالعالم ، وإذا كان الإله موجودا في خلال الزمان بلا بداية ولا نهاية، فهذا يعيد التشكيك في إحالة وجود ما لا نهاية له، ولِنَخرج من هذه الإشكالات، ينبغي القول: إنَّ الإله موجود بلا زمان، ولا يقال موجود في كل الزمان.

جواب سؤال هل يقدر الله أن يخلق إلها معه :

أما السؤال الثاني الذي يسأله بعض الملحدين: وهل يقدر الله أن يخلق إلها مثله؟ ويقولون : إن قلتم نعم يقدر فقد أفسدتم ما ادعيتموه من وجوب استغناء الإله عن السبب ووجوب الواحدانية لله وأنه لا شريك له ، وإن قلتم لا يقدر فقد أثبتم له العجز ونفي كمال القدرة ، وبالتالي فلا يستحق الألوهية.

والحقيقة أن المتأمل قليلا في السؤال يجد فيه نفس التناقض الذي وضحناه في السؤال الأول، وحتى يتضح هذا التناقض وتلك المغالطة فلابد أن نسأل ما هو الإله ؟ وما هي صفة القدرة ؟ وهل فرض وجود إله ثاني ، أو إله مماثل للخالق القديم واجب أم جائز أو مستحيل بالنظر إلى ذاته ؟ ومن تأمل هذه الأسئلة وجاوب عليها ، يتبين له ببساطة تناقض السائل.

فنقول أولا :  إننا لما أقمنا الأدلة على وجود الله ، استلزم ذلك وصفه ببعض الصفات الواجبة ، منها أنه واجب الوجود لذاته، أي يستمد وجوده من نفسه ويستحيل عليه العدم ويستحيل افتقاره أو استناد وجوده من غيره.

معنى القدرة الإلهية وبيان أنها تتعلق بالممكنات فقط

وكذلك أيضا أثبتنا له صفة القدرة الكاملة لما رأينا من بديع صنعه إلى إيجاد الممكنات من حيز العدم للوجود ومن جملة هذه الممكنات ها العالم بكل ما فيه أو لما رأينا من آثار هذه القدرة على إعدام هذه الموجودات الممكنة.

ولذلك قال الإمام السنوسي في (شرح أم البراهين ص 28 ) في تعريف صفة القدرة: «صفة توثر في إيجاد الممكن وإعدامه».

ومعنى هذا أن القدرة من صفات التأثير أي هي التي تنقل الممكن من حيز العدم إلى حيز الوجود أو العكس. ويفهم من هذا لماذا لا تتعلق هذه الصفة بالقسمين الآخر من أقسام الحكم العقلي التي بيناها وهما الواجب والمستحيل؛ لأن الواجب لا يقبل الانتفاء، والمستحيل لا يقبل الثبوت، ولو تعلقت صفة التأثير وهي القدرة بالواجب أو المستحيل للزم قلب حقيقة كل منهما، وتغير ماهيته وهو محال.

وأما فرض وجود إله ثاني أو إله مماثل للخالق القديم، فهو مستحيل في ذاته؛ لأن الإله هو الواجب المستغني عما سواه، وما دام افتُرِضَ استناد وجود هذا الإله المزعوم إلى إله غيره سابق في الوجود عليه فلا يكون حينئذ إلهاً، لأننا قد جوزنا عليه كل صفات الممكن وهو سبق العدم على وجوده وافتقاره إلى غيره، والإله لا يكون إلا واجبا.

الدليل على استحالة تعدد الآلهة:

وقد استدل العلماء على دليل الوحدانية بهذا الدليل وه والوارد في قوله الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، ووجه الاستدلال أننا لو فرضنا وجود إلهين لكل واحد منهما قدرة وإرادة تعلقت بنقيض ما يريده الآخر ، كمثل إيجاد زيد أو إعدامه، فلابد يبعد أن تنفذ قدرتاهما معا أو تنفذ قدرة واحد منهما، والأول مستحيل لما يترتب عليه من اجتماع النقيضين وهو محال عقلا لذاته، والثاني مستحيل لأن الذي لن تنفذ قدرته غير مستحق لوصف الألوهية، فثبت أن وصف الألوهية والوجوب لا يكون إلا لواحد وهو الله سبحانه.

وعليه فنحن نقول للسائل الذي يسأل هل يقدر الله أن يخلق إلها غيره ؟ إن الإله الذي سيخلقه الله تسميته إله غير صحيح وهو فرض محال لأنه سيعتمد ويفتقر في وجوده لغيره.

وإذا كان وجود إله مع الله محالا، فنحن لا نقول أن الله يقدر أو لا يقدر أن يوجده، بل نقول إن القدرة لا تتعلق بالمحال، لما بينا أن القدرة صفة تأثير لا تتعلق إلا بالممكنات ولا يلزم على ذلك عجز أو غيره؛ لأن العجز يكون إذا تخلفت القدرة في إيجاد عما تصح أن تتعلق به وهو الممكنات كلها، أما أن تتعلق القدرة بالواجب أو المستحيل فهذا هو المستحيل بعينه لما يترتب عليه قلب الحقائق والماهيات كما بينا.

وبهذا يعلم المغالطات والتناقضات الموجودة في هذا السؤال، والله أعلم

 

 

Pin It on Pinterest