من خلق الله؟

الحمد لله،

من الأسئلة التي تطرأ في أذهان الكثير من الناس سؤال: إذا كان الله هو الذي أوجدنا من عدم، فمن الذي أوجد الله؟ وإذا كان الله أوجد نفسه فلماذا لا أكون أنا قد أوجدت نفسي؟

هذا السؤال الذي يطرأ على أذهان الكثير هو سؤال طرحه كذلك من يسمَّوا بالملحدين الجدد. فهم يقدمونه على انه سؤال جديد صعب يصعب على المتدينين الإجابة عنه. وفي هذا السؤال يأتي الملحدون من البلاد المسلمة بإضافة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن طرح هذا السؤال باعتباره وسوسة من الشيطان. فهل هذا السؤال معجز حقا إلى درجة تجعل رسول الله ينهى عن طرحه؟

الإجابة أن السؤال ليس كذلك، وأن النهي عن مثل هذا السؤال هو في منتهى العقل. لماذا؟ لأنه سؤال غير عقلاني. ولتبيين ذلك علينا أن نستحضر معاني فلسفية وهي معاني: الوجوب، والإمكان، والاستحالة. هذه المقدمات الفلسفة لما ضاعت –للأسف- أصبحت الإجابات على الأسئلة الوجودية مرتبكة وغير كافية للإقناع العقلاني، لأنها تناقش فروها بدون مناقشة أصولها، وبالتالي تكون الإجابات عليها سطحية.

الذي يطرح هذا السؤال حجته كالآتي: أنتم يا متدينون تقولون أن كل موجود له سبب، وبالتالي العالم له سبب وهو الله. لكنكم تغفلون أن الله الذي تزعمون وجوده كذلك موجود ينبغي أن يكون له سبب مما يفرض علينا طرح سؤال: من خلق الله.

والحقيقة أننا لا نقول أبدا أن كل موجود له سبب، وبالتالي يكون قولنا أن كل موجود له سبب هو مجرد افتراض ممن يعترض على قولنا. ما نقول هو أن كل موجود ممكن له سبب. إذن، هناك نوع واحد من الموجودات ينبغي أن يكون له سبب، وهو الموجود الذي وصفناه بالممكن.

فما هو معنى الممكن؟ قسَّم أهل النظر العقلي الأشياء إلى واجب وممكن ومستحيل، هذا من حيث النظر العقلي. فالعقل يحكم على الشيء إما بالوجوب، أو الإمكان، أو بالاستحالة. ومعنى أن يكون الحكم عقليا أنه لا يعتمد على العقل، فلا يعتمد على التجربة مثلا كالعلوم التجريبية أو على وضع واضع مثل القانون. وهذه تفرقة بين أنواع الأحكام، وبين أنواع الحكم العقلي غابت عنا للأسف مع أن الأنظمة التعليمية التي تهتم بالفلسفة وتعطيها قيمتها الحقيقية كانت تدرسها في المراحل الابتدائية. فمثلا نجد في قصيدة الخريدة البهية التي كان يدرسها الأطفال في الأزهر:

أقسام الحكم العقلي لا محالة * هي الوجوب ثم الاستحالة

ثم الجواز ثالث الأقسام * فافهم مُنِحتَ لذة الأفهام.

والواجب العقلي هو: ما لا يجوز في العقل عدمه، مثل كون الواحد نصف الإثنين. والمستحيل العقلي هو ما لا يجوز في العقل وجوده، مثل اجتماع النقيضين كأن يكون الشيء موجودا ومعدوما في نفس الوقت. والممكن هو ما يجوز في العقل وجوده أو عدمه.

وإذا عرفنا معنى الممكن، وعرفنا أنه يجوز أن يكون موجودا ويجوز أن يكون معدوما، عرفنا أنه لا بد من سبب يدعم كفَّة الوجود على العدم، يسمونه المرجِّح. فإذا نظر الإنسان إلى الكون وتأمل في نوع الوجود الذي يوصف هذا الكون به. هل هذا الكون مستحيل؟ بالطبع لا، لأنه لو كان مستحيلا لَمَا صحَّ وجوده أصلا، ونحن نعلم أن الكون موجود. هل هذا الكون واجب؟ بالطبع له، لأنه الكون المادي مكوَّن من مادة، والمادة يجوز عليها العدم فلا تكون واجبة. فلا يبقى لنا اختيار إلا أن يكون هذا الكون ممكن.

فإذا عرفنا أن الكون ممكن، ذهبنا إلى السؤال التالي له. هذا الكون يجوز عليه الوجود والعدم، فهل يجب أن يكون هناك مرجِّحا يرجِّح وجوده على عدمه؟ الإجابة نعم، لأن الترجيح لا يكون إلا بمرجِّح (الترجيح بلا مرجح مستحيل عقلا، وكونه مستحيلا عقلا لا يمكن تبيينه هنا فسيتم التبين في مقالة أخرى إن شاء الله عن المستحيلات العقلية).

وهنا يأتي سؤال: هذا المرجِّح الذي صنع الكون، من الذي صنعه أو رجَّح وجوده على عدمه؟ فتكون الإجابة أن هذا الصانع إما أن يكون وجوده ممكنا، او يكون وجوده واجبا. فإن كان وجوده ممكنا وجب علينا أن نسأل عن المرجح الذي رجح وجوده على عدمه. لكنه لو كان واجبا، لا يجب علينا طرح هذا السؤال. والدعوى التي يدعيها المتدينون أن هذا الصانع للعالم وجوده واجب لا يحتاج إلى صانع آخر أو مرجِّح يرجِّح وجوده على عدمه. لماذا؟

لأن هذه السلسلة من الأسباب ينبغي أن تتوقف عند حد. ينبغي أن تكون هذه السلسلة متناهية. فهذه السلسة إما أن تكون متناهية أو غير متناهية. فإن كانت غير متناهيا، كان من الواجب أن يكون قبل صنع هذا العالم، عدد غير متناهي من الصانعين الذين يصنع بعضهم بعضا. فلو سمينا صانع هذا العالم صانع 1، ثم سمينا صانعه صانع 2 إلى أن نصل إلى صانع 99999 ثم نصل إلى الصانع رقم ما لا نهاية. فيكون هذا الكون نتيجة حصول عدد لا نهاية له من عمليات الصناعة، وهذا الأمر متناقد. لأن معناه أنه تم الانتهاء من عدد ما لا نهاية له فيصبح: ما لا نهاية له قد انتهى بالفعل. كيف ينتهي ما لا نهاية له؟ ويكون هذا تناقض مستحيل عقلا.

بهذه الحجة، يثبت أنه لا بد من صانع أول تنتهي إليه كل الموجودات، يمنع من أن تكون الأسباب والموجودات غير متناهية. وهذا الصانع الأول يكون وجوده واجب إذ أنه لا يجوز في العقل أن يكون هذا الصانع الأول غير موجود. فينطبق عليه تعريف الواجب.

فإذا عرفنا أن صانع الكون واجب وليس ممكنا، تأكدنا من أن السؤال عن صانع هذا الصانع الواجب سؤال غير عقلاني، وعرفنا لماذا نهى عنه رسول الله على الله عليه وسلَّم واعتبره وسوسة. لأنه سؤال لا يقبله العقل فيكون مصدره غير مصدر العقل. وتصويره على أنه سؤال عقلاني هو من باب العقل الإبليسي الذي سبق وانتقدناه في هذه المدونة. وأختم هذه التدوينة باقتباس للإمام ابن الجوزي في شرحه للحديث الذي نهينا فيه عن هذا السؤال:

وفي الحديث الخمسين بعد المائة: ((لن يبرح النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا الله خَالق كل شَيْء، فَمن خلق الله))

اعلم أن الباحث عن هذا إِنما هو الحس، لأَن الحس لم يعرف وجود شيء إِلا بشيء، ومن شيء، فأما العقل الذي هو الحاكم الْمَقطوع بحكمه، فقد علم أنه لابد من خالق غير مخلوق، إِذ لو كان مخلوقا لاحتاج إِلى خالق، ثم بتسلسل إِلى ما لا نهاية له، والمتسلسل باطل، وإِنما أثبت العقل صانعا، لأنه رأى المحدثات مفتقرة إِلى محدث، فلو افتقر المُحْدِثِ إِلى مُحْدِثٍ كان محدثا.

شارك معنا

تواصل معنا

Pin It on Pinterest

Share This