ما معنى أنا ملحد؟ [1]

كتبه: أحمد حسين الأزهري

عادة ما يقف تصور الناس عن الإلحاد أنه عدم الإيمان في وجود الإله، ولكن هذا التصور في الحقيقة قاصر. الملحد لا يؤمن بأن وجود الإله مستحيل؛ لأن الشيء المستحيل لا يحتاج إلى دليل على أنه مستحيل. الكل أكبر من الجزء، فالسيارة أكبر من الموتور، والساعة أكبر من العقارب، ويستحيل أن يكون الموتور أكبر من السيارة التي تحتويه أو أن تكون الساعة أصغر من عقاربها! وها ذا الأمر المستحيل واضح بنفسه لا يحتاج إلى دليل ولا إلى بحث وتفتيش! فالملحد لا يقول بأن وجود الإله مستحيل، لأنه يبحث ويفتش عن دليل على عدم وجوده، كالدكتور الذي يريد أن يستبعد وجود مرض فيطلب من المريض أن يقوم بعمل التحاليل، وبالنظر في نتائج التحاليل يستبعد وجود المرض، وقبل الفحوصات والاختبارات الطبية احتمالية إصابة المريض بالمرض ما زالت قائمة! بل حتى بعد ورود الفحوصات تظل احتمالية وجود المرض قائمة، ولكن هي احتمالية ضعيفة! فالملحد لا يستبعد كليةً وجود الإله، بل يؤمن بأن وجود الإله ممكن، ولكن هذا الأمر الممكن لم يحدث، أو أن وجود الإله فرضية وهناك فرضيات أخرى أرجح من منها، ومع ذلك هذه الافتراضية – أي افتراضية وجود الإله – ليس مستبعدة تمامًا كالأمور المستحيلة بنفسها. وبالتالي الفرق بين الملحد والمؤمن، أن الملحد يعتقد أن وجود الإله ممكن مع وجود فرضيات أخرى أرجح في نظره، ولكن المؤمن يعتقد أن الإله واجب الوجود، لا يحتمل الإمكان، فهو ليس افتراضًا راجًا، بل كل افتراض يعتبره المؤمن باطلًا!

والملحد لا يكون ملحدًا إلا إذا اعتبر شيئًا يلحد فيه، لأن الإلحاد هو عدم الإيمان بوجود الإله، فهو في الحقيقة يقف موقف النافي لدعوى المؤمن، فهو كملحد ليس صاحب عقيدة يعتقد فيها اعتقادًا مطلقًا قطعيًا. يعني من يعتقد بأن الكون أزليًا وُجد بنفسه، ولا يعتقد بأن هناك فرضيات أخرى محتملة، فهذا من الممكن أن يسمى دهريًّا ولا يسمى ملحدًا. فالإلحاد هو موقف بإزاء موقف. ليس الإلحاد تأسيسًا لعقيدة معينة، ولكن هو نفي لعقيدة محددة. وبالتالي، لا يلحد الملحد إلا بتصور معين ومحدد للإله، فهو ينفي تصورًا معينًا للإله، ولا ينفي كل تصور عن الإله. فحينما يقول الملحد «الإله غير موجود» أي الإله الذي تصوره في ذهنه أو الصورة الذهنية للإله التي عرضها عليه المؤمن، ولكن لا ينفي بالضرورة كل الصور الذهنية عن الإله.

والملحد ليس متشككًا في وجود الإله، لأن المتشكك ليس لديه دليل على وجود الإله، وكذلك ليس لديه دليل على عدم وجود الإله، بخلاف الملحد. فالملحد يقيم على رأيه دليلًا؛ فحينما يقول الملحد بأن الإله غير موجود، يأتي بدليل على اختياره، ولا يكتفي بأن يبطل دليل أو أدلة المؤمن، لأن مجرد إبطال دليل المؤمن على أن الإله موجود، لا يعني بالضرورة أن الإله غير موجود، إذ ربما يوجد دليل آخر أو توجد أدلة أخرى على وجود الإله. وبالتالي، الملحد لا يكتفي بأن يقول دليل المؤمن غير صحيح لأجل كذا وكذا، ولكن يأتي هو بدليل على رأيه بأن الإله غير موجود. وهذا يعني أن مَن ينسب نفسه الإلحاد لمجرد عدم حصوله على دليل وجود الإله، فهو ليس ملحدًا حقيقيًا، بل هو متشكك، كالجاهل، الذي لا يعرف إذا كان شيئًا ما موجودًا أو غير موجود.

والملحد حينما يقول «أنا ملحد» يدرك – أو ينبغي أن يدرك – معنى «أنا» التي ينسب إليها إلحاده، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. كيف يقول: «أنا ملحد» وهو لا يفهم ما هو الشيء الذي ينسب إليه الإلحاد؟! الـ«أنا» عند الملحد هو شعور ناتج عن تفاعلات عصبية في المخ. فالحالة الشعورية الناتجة عن تلك التفاعلات هي التي يقال عنها ملحد أو غير ملحد.

هكذا ينبغي أن تفهم جملة «أنا ملحد»، حتى لا يظن المتشكك نفسه ملحدًا، وحتى يصحح الملحد فهم إلحاده! والله الهادي لارب سواه.

شارك معنا

تواصل معنا

Pin It on Pinterest

Share This