لماذا نثق بالبدهيات؟

 

هل سألت نفسك يومًا ما هي الأفكار والمعلومات التي نحن على ثقة عمياء بها ولا تحتمل الخطأ مُطلقًا؟؟

هناك الكثير من الأفكار الراسخة عند البشر؛ عقائد ووجهات نظر وقناعات متعددة، وليس سؤالي عن ذلك، إذ كل ما سبق قد تدخل التحيزات والميول والأهواء والانتماءات في تبنّيه والإيمان به بعيدا عن الموضوعية ومنطقية التفكير، ولكن السؤال الأهم ما هي القضايا التي يشترك كل البشر على اختلاف ميولهم وطبائعهم وقناعاتهم في التصديق بها بشكل جازم لا يحتمل التردد؛ بحيث يمكنُ أن تشكل هذه القضايا اللبنة الأولى في بناء جدار من الثقة واليقين ببعض الأفكار حتى لا نغرق في دوّامات الشّك والحيرة.

هذه القضايا هي التي يسميها فلاسفة الإسلام وعلماء الكلام بالضّرُوريات، والمقصود بهذه الضروريات هي التي القضايا التي لا تحتاج النفس كي تصدق بها -بشكل لا تردد أو شك فيه -إلى برهان أو دليل أو تأمل أو نظر. ويقابل هذه الضروريات ما يُسمّى المعرفة النظرية، وهي القضايا والأفكار التي تحتاج في إثباتها والإيمان بها أدلة صحيحة، وتفكير وإعمال العقل بطرق الإثبات المنطقية والتجريبية الصحيحة.

وقد أرجع المسلمون هذه الضروريات إلى أربع أنواع من القضايا وهي:

  • المحسوسات:وهي القضايا التي تجزم بها النفس بسبب تعلق الحواس الخمس بها. كقولنا: “الشمس طالعة”، أو “القمر ساطع”، أو “النار محرقة”. فإن العين بمجرد النظر إلى السماء في النهار أو الليل تدرك النفس فورا طلوع الشمس وسطوع القمر، وأنت بمجرد ملامسة جلدك للنار ستتعرض للاحتراق فورا، ولا تحتاج في مثل هذه القضايا إلى تناول كوب شاي لتفكّر على مهلٍ في صحتها، وإلى الأسباب التي دفعتك إلى الجزم والتيقن بهذه الحقائق الراسخة.
  • الأوليات: وهي القضايا التي يجزم العقل بها بمجرد تصور الأجزاء التي تتكون منها، كقولك: “الكل أكبر من الجزء”، و”الواحد نصف الاثنين”. فإنك بمجرد فهمك لمعنى لفظ الكل ومعنى لفظ أكبر ومعنى الجزء، ستجزم فورا وبدون تفكير بصحة هذهالعبارة. ومن ضمن هذه الأوليات قوانين الفكر الرئيسية كقاعدة: “النقيضان لا يجتمعان أبدا” وقاعدة “الهوية” أي أن الشيء هو بعينه ذاته وليس أمرا آخر.
  • المتواترات: وهي الأخبار التي نقلها عدد كثير جدا من الناس عن عدد كثير مثلهم ويخبرون فيه عن أمر محسوس بحيث يستحيل أن يتفقوا ويجتمعوا معا ليكذبوا علينا؛ فمثلا كلنا على يقين قاطع من وجود دولة في العالم اسمها” البرازيل” وإن لم نذهب إليها، وكلنا على يقين راسخ من أن محمد علي باشا الكبير كان هو حاكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولسنا نطلب دليلا على صحة هذه الأخبار بسبب العدد الكبير جدا من الناس الذين توارثوا جيلا بعد جيل يخبروننا بهذه الأخبار التي أصبحت بالنسبة لنا حقائق لا تقبل الجدل.
  • الوجدانيات: وهي الأمور التي تدرك بالحواس الباطنة ولا تتوقف على العقل مثل الشعور بالجوع، والشعور بالسعادة أو الحزن أو الملل أو الحيرة، فكل هذه المشاعر البشرية بمجرد أن يصيب الإنسان واحد منها، فإنه لا يسأل نفسه عن دليل وجودها، فهل رأيت من قبل رجلا جائعًا يُتعب نفسه في التفكير والاستدلال على جوعه أم لا أم أنه ينشغل فورا بتوفير اللقمة التي تسد جوعه؟ وهل سمعت عن فتاة حزينة تتساءل وتتفكر أحزينة هي أم لا، أم هي فقط تستلم للحزن أو تجاهد للخروج منه. نعم، ربما تساءل الإنسان عن تلك الأسباب التي جعلته يصل إلى هذه المشاعر والوجدانيات، فيتساءل: لماذا جعت سريعًا؟ أو لماذا حزنتُ وتألمت نفسيًا عندما تركت وطني؟ ولكنه لا يفكر أو يسأل نفسه أبدا: هل أنا حزين أم لا، وهل أنا جائع أم لا.

فهذه القضايا الأربعة هي أدوات التفكير الأولى التي يسلم العقل البشري بها دون بحث عن مصدرها، ويبني عليها كل ما سواها من المعارف والعلوم النظرية في مسيرة حياته وإدراكه، والسؤال الرئيسي الذي ابتدأنا به تلك المقالة: هو لماذا تمتلك النفس هذا اليقين الهائل، وهذه الثقة المفرطة في هذه الأربعة، ولا تبذل أدنى جهد في التفكير لإقامة الدليل على صحتها؟

هل كل معارفنا قابلة للشك والنقد أم أنه يوجد منها جزء ضئيل جدا لا يقبل التشكيك أبدا؟؟ وإذا كانت هناك بعض المعارف القليلة للغاية التي سميناها فيما سبق بالضروريات فما هو السرّ في كون هذه الأفكار والمعارف لا تقبل الجدل أو التشكيك ولا تحتاج في إثباتها والإيمان بها أي دليل عكس أغلب الأفكار الأخرى التي نؤمن بها؟

لو سألتُــكَ مثلاً عن قاعدة السببية، كلنا يجزم ويؤمنُ بقدر هائلٍ أنك إن ذهبت إلى بيتك فوجدت غرفتك -التي كانت في قمة الفوضى وعدم الترتيب عند خروجك منها -في منتهى الترتيب والنظافة وفي أجوائها يفوح العطر المفضل الذي تحبه؛ وعلى مكتبك المجلات والجرائد التي تفضلها؛ إنك لن تستطيع أن تقنع نفسك ولو للحظة واحدة أن هذا كله قد تم بدون سبب، حتى لو أبعدْتَ وقلت إن السبب في ذلك أمر غير عاقل راجع للطبيعة مثلاً، لكنك في النهاية لا تستطيع ان تقول إن كل هذا قدتم بدون سبب.

ولكي نتأمل معا في علة هذه الحقيقة، وهو أن هناك بعض الضروريات التي لا تحتاج إلى دليل، وأن للنفس ثقة بها من غير سبب، فسيكون ما هو آت مجرد توضيح لسبب الثقة في هذه الضروريات، وليس لذكر ما اعتمدت عليه في تأسيس هذا القوة واليقين.

تأمل معي في هذه العبارات:

(لا يوجد في الحقيقة أي شيء على الإطلاق، ليس هناك موجود ولا حتى أفكار أو علوم، كل ذلك هباء). هذه عبارة من ينفي وجود أي شيء.

– (ليس هناك موجود إلا الإنسان الذي يفكر وأفكاره فحسب). وهذه عبارة الذين يثبتون الذات المفكرة فقط وأفكارها، وينفون أي شيء غير ذلك بجزم ويقين.

(إن كان هناك واقع وموجود حقيقي خارج ذات الإنسان، فإن الطرق إلى معرفته غير ممكنة، جميع السبل إليه مسدودة) هذه هي عبارة المنكرين لإمكان معرفة الإنسان بالواقع الخارجي، لكنهم لا يستطيعون نفي وجود واقع خارجي ولا يستطيعون إثباته، هؤلاء هم الشّكّاك.

-(لدينا كثير من المعارف عن الواقع ولكن أغلبها غير صحيح ربما لأن وسائل المعرفة البشرية ليس لها قوة اقتناص الحقائق، ما ندركه هو مجرد “نموذج” من العالم أو الكون أما ما هو في نفس الأمر فليس هو الذي في عقولنا وأذهاننا) وهذه أيضا عبارات الشاكّين واللاأدريين .

أول ما أريد أن ألفت إليه نظرك إليه أيها القارئ الكريم هو أن جميع العبارات السابقة قد طرحها أصحابها على أنها حق وواقع ليس فيه شك. تأمل!

فالعبارة الأولى وهي التي انطلق أصحابها من إنكار كل شيء وأي شيء قد تبنّت شيئًا جزم أصحابُها به، وهذا النفي والإنكار الواضح منهم للوجود أو للتفكير أو حتى للإدراك والعلم؛ فيه إثبات لمعلومة واحدة على الأقل هم على يقين منها، ولذلك فإن هذه العبارة قد أبطلت دون وعي ما أرادت أن تثبته.

وفي العبارة الثانية هناك إقرار واعتراف بوجود الإنسان واعتراف باكتسابه القدرة على التفكير.

وفي العبارة الثالثة هناك اعتراف بوجود الواقع واعتراف بوجود المعرفة واعتراف بأن هذه المعرفة لا يمكنها الوصول للواقع أو الظّفَر بِه. لكن السؤال المهم الذي يحق أن نسأله لهؤلاء كيف جزمتم بوجود واقع لا تمثله هذه المعرفة؛ والحال إن وصول الإنسان لهذا الواقع لا يكون إلا عن طريق الإدراك والمعرفة؟؟

أما العبارة الرابعة فقد اعترف أصحابها بوجود واقع وبوجود معرفة غير مطابقة لهذا الواقع، لكن السؤال كيف تم اكتشاف أن ما بحوزتنا من معارف وأفكار ليست مطابقة للواقع إذا كانت الوصول إلى الواقع محصور في المعرفة، أليس إدراك الخطأ دليل على أنه يوجد أمر واحد على الأقل وتم إدراكه إدراكا صحيحا ثم الجزم بأنه خطأ؟

فهذه هي مقولات الشكاك أو النافين لإمكان وجود معارف يقينية راسخة عند الإنسان بما فيها ما سميناه الضروريات وهي المعارف التي تتبناها النفس البشرية وتتكئ عليها دون دليل مسبق، وهي لشدة وضوحها كما رأيت يمكنها أن ترد في كلام صاحبها حتى وهو يحاول إثبات العكس.

وهذه الأفكار البشرية يقوم الذهن البشري باستعمالها في تفكيره دون أن يدري ويعتمد عليها في كل نظره حتى وإن أراد أن يبني فكرة مخالفة لتلك الضروريات كدعوى أن المعرفة غير متحققة أو عدم تحقق شيء، فإنه يعتمد عليها دون أن يدري، ولا يستطيع التخلص من أسرها.

وقد دار الحديث قديما وحديثا بين الفلاسفة والمتكلمين حول سر امتناع الشك والتردد تجاه هذه البديهيات والضروريات والتي منها قانون الهوية “أن الشيء هو هو” وقانون السببية واستحالة اجتماع النقيضين، وبعبارة أخرى تباحثوا حول مصدر الثقة المطلقة للنفس بهذه الضروريات لدى كافة الأذهان البشرية بلا استثناء.

اختلف الفلاسفة هو مصدر الثقة بهذه الأفكار اليقينية الراسخة الموجودة عند كل بني البشر، فهناك رأي يرى أن هذه الأفكار موجودة من قبل الله في الأذهان عند خلقها له، وهذا رأي اعتنقه ودافع عنه الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت.

ورأي يقول إن هذه البديهيات قد تحصلت في الذهن عن طريق التجربة، وقد ذهب إليه بعض العلماء التجريبيين، وهو باطل، لأن غاية ما تفيده التجربة هو المشاهدة والملاحظة أما الفرض والاستنتاج فلابد أن يتأسس أولا على التسليم بمبدأ السببية واستحالة اجتماع النقيضين والهوية وإلا لما توصلنا لأي فرض أو استنتاج.

ورأي آخر يقول إن هذه الأفكار والسببية منها تحديدا لا تعني أكثر من التعاقب بين شيئين زمانا وهذا رأي اشتهر ديفيد هيوم بالتنظير له.

ورأي يقول إن هذه الأفكار يتم الثقة فيها عند أول اطلاع للطفل على الواقع بواسطة القوة الحسية ثم القوة الحافظة ثم المتعقلة، وهذا التعلق الأولي يمنح النفس ذلك اليقين العالي الذي لا يقبل الشك والتردد ثم يسيطر على كل الأذهان منذ أولى مراحل عمر الإنسان.

وهذا الرأي الأخير هو الذي نعتقد وتوضيحه أن: –

كل العلوم والمعارف البشرية تكتسبها النفس بطريقين: الطريق الأول عن طريق حضور معلومة عن الواقع، وصورة ذهنية عنه، دون أن يحضر واقع المعلومة بذاتها بين أيدينا، تخيل مثلا: أنت تشاهد مقدم برنامج التوك شو يخبرك بأمر ما، أو تسمع مذيع الراديو في سيارتك يخبرك بأمر ما، وكذلك قراءة الصحف والمجلات صباح كل يوم، كل ذلك يضع بين أيدينا معلومات كثيرة عن أحداث كثيرة، غير أن هذه الوسائل والأخبار التي عرفنا منها هذه المعلومات لم نشهدها بأعيننا، ولذا فهناك احتمال موجود بعدم تطابق هذه الأنباء مع الواقع، لأن هذا الأسلوب في المعرفة يفتح المجال لتسلل الخطأ لمعارفنا وعلومنا. وهذا يسمى بالعلم الحصولي.

وهناك طريق آخر في اكتساب المعرفة حيث يحضر فيه الواقع المراد معرفته بذاته وبلا توسط معلومة عنه بين أيدينا، فإمساكك بالكتاب أو المجلة بين يديك تغلق المجال أمام محاولات إقناعك بأن هذه ليست الجريدة أو الكتاب، بل هذا هو فنجان القهوة الخاص بك مثلا! ولم يتوسط المذيع ومقدم البرنامج الكاذب بين وبين كتابك أو مجلتك، بل ذات الواقع قد حضر بنفسه إليك فمجال ارتكاب الخطأ هنا في تشخيص ذلك الواقع غير وارد.

أيضا تأمل مقدار الثقة والوضوح في الأمور التي تقع في عمق كيانك ومشاعرك الدفينة كالسعادة والألم واللذة والاندهاش والحيرة والحب والكره، فإنه لا يمكن زحزحتك قيد أنملة عن ثقتك بوجود هذه المشاعر بداخلك، وباتت عندك من أوضح الواضحات، والسبب في ذلك هو زوال الفاصل بين وجودك وبينها، إذ تقع كلها في وجودك ويحيط بها علمك في اللحظة التي أحاطت بك فيه، نفس الأمر يتعلق بإدراكك لوجودك وإدراكك لوجود إدراكك فهو أمر بدهي جدا.

وينبغي أن تكون هذه الضروريات التي نتحدث عنها كالوجدانيات والمحسوسات والأوليات كالهوية واستحالة اجتماع النقيضين، قد تعلقت بك بواسطة هذا الطريق حتى منحتها نفوسنا كل هذه الثقة، وهذا هو الذي يسمى بالعلم الحضوري أي حضور المعلوم بنفسه بين يدي العالم.

ولو أردنا أن نتوغل أكثر وأكثر إلى عمق هذا اليقين لنكشف عن مضمون هذه الثقة يمكننا أن نسأل: ما الذي تخفيه قاعدة الهوية وقاعدة استحالة اجتماع النقيضين وقاعدة السببية مثلا بين جنباتها؟ وما هو موضوعها الأساسي؟

لو تدبرنا ببساطة في هذه القوانين الأولية لوجدنا أن موضوعها أمرا واحدا وهو: (أن الوجود ليس هو العدم) ولا يجتمع معه. هكذا فقط بكل ببساطة.

إنك مهما تأملت وفكرت فإنك لن تعثر في طيات العدم على أي وجود، لتنافر هاتين الحقيقتين وتصادمهما؛ إذ التحقق والواقعية لا يساوي قطعا عدم التحقق واللاواقعية.

والذي تخفيه قاعدة السببية ببساطة أنه ما من حدث وُجد بعد عدم يستحيل أن يوجد بدون سبب إذ أننا لو بحثنا عن العدم لن نجد أي شيء، وهذا الموجود كان لا شيء، فلا مفر من وجود موجود آخر يكون سببا له، فالأمر راجع إلى “الوجود” والعدم مرة أخرى.

هذه القوانين الثلاثة هي التي فرضت لكل فكرة تطرأ على الذهن استقرارا وقوة وثقة ويقينا، ولا يمكن أن تكون التجربة هي التي فرضت القوة لهذه القوانين، لأن كل تجربة مدينة لهذه القوانين في صحتها، فالعالم الذي يبحث عن أسباب مرض الإيدز مثلا إن لم يكن يعتقد بقانون الهوية وباستحالة الجمع بين النقيضين فكيف تستقر في ذهنه فكرة عن وجود مرض أصلا، فضلا عن وجود الإيدز ووجود ما حوله واختلاف الإيدز عن مرض الربو مثلا، وكيف يمكنه الاعتقاد بوجود سبب لمرض الإيدز أصلا إن لم يكن يؤمن في قرارة نفسه بالسببية ؟؟

وبناء على الطريق الثاني وهو ما يهب للفكرة يقينا في ذهن الإنسان لأن الذات المعلومة تكون حاضرة بين يدي العالِـم أي العلم الحضوري، لابد أن تكون هذه القواعد بنيت على أن صفحة النفس أقرب من صفحة الخارج وأنها مسرح لوقوع أحداث هائلة عديدة في عمقها؛ إذن مفاد هذه القواعد منتزع من عمق النفس ومن توارد الوقائع عليها، ولكن ما هي تلك الوقائع تحديدا؟

هذه الوقائع هي “وجود” النفس و”وجود” مشاعرها، و” وجود” قواها. هذه الوجودات هي التي وهبت للذهن أول تصور عن الوجود وأنه غير العدم. وجعلت الذهن يصيغ من هذا المنظر الفكرة الأولى؛ وهي أن الوجود غير العدم وأنه نقيضه.

 

 

Pin It on Pinterest