الإجابة:

هناك عدد كبير من الناس لا يود أن يشارك في الحياة الدنيا والتكليف بالإيمان والجنة والنار من الأساس، ويعتبر أن مجرد إيجاد الناس من دون اختيار لهم هو ظلم من الإله، لأنه لم يترك لهم حرية الاختيار في الحياة، وإذا قيل له إنك اخترت هذا في لحظة الإشهاد الأولى في عالم الذر كما تشير إليه بعض النصوص أنكر هذا بدعوى عدم تذكره، فهل يجب على الله أن يخير الناس في إيجادهم في الدنيا وهل يعد هذا ظلما؟ 

الجواب: هذا السؤال يرد من شخص يقرّ بوجود الله عز وجل ولكنه يعترض على وجوده في هذه الحياة دون أخذ رأيه في هذا الأمر، لكن السؤال في حد ذاته غير صحيح؛ لأنه يتعارض مع أبسط قواعد المنطق والتفكير الصحيح؛ فهو يحتوى على المغالطة المنطقية المعروفة ب”الدور” أو الحجة الدائرية، فلكي يستشيرنا الله لا بد أن نكون موجودين أصلا، وما دمنا موجودين فلا داعي للاستشارة؛ ﻷن هدف الاستشارة هو الإيجاد و قد تحقق أصلا، فأصبح الإيجاد مرهون بتحقق الاستشارة، وتحقق الاستشارة مرهون بالإيجاد، وهذا هو الدور  الممتنع والذي معناه: توقف وجود الشئ على ما يتوقف عليه وجود ذلك الشئ. وهو باطل، إذ لا بد من وجود بداية، فإما أن يستشير أولًا ثم يخلق، وإما أن يخلق أولًا ثم يستشير، والاحتمال الأول غير ممكن، والاحتمال الثاني تحقق جزء منه وهو الخلق ومن ثم لم يعد حدوث الجزء الآخر ممكنًا وهو الاستشارة قبل الخلق. فالفرضية التي يريدها السائل مستحيلة منطقيًا ومن ثم واقعيًا. فالله عز وجل خلقنا بالفعل، والواقع الذى نحن بصدده أننا مخلوقون، وليس لنا الاختيار الآن فى أن نعود من حيث أتينا.

أضف إلى ذلك أننا لا نعقل العدم في حق ذواتنا الموجودة، فكيف يقال: إن عدم ذواتنا خير لها أو شر لها من وجودها، والخير والشر لا ينسبان إلى معدوم أصلا؟ إن شئنا أن نعقد مقارنة بين موجود وموجود فهذا يتفق مع العقل، أما أن يكون الكلام على ذاتٍ موجودة للحكم على “حالها” في العدم أو قبل أن توجد، فنقول إن العدم أفضل لها من الوجود أو الوجود أفضل لها من العدم، فهذه سفسطة؛ لأن أحكام العدل والظلم وأحكام الخير والشر وصفات الأحوال والأفعال لا تتعلق بالشيء إلا إذا كان له وجود وتحقق في الواقع الخارجي.

حتى لو سلمنا للسائل -تمشيًا معه أو من باب التنزل كما يقولون- فستكون الصيغة الصحيحة للسؤال هي: هل يمكن أن أحيا لأجرّب هذه الحياة وأرى إن كانت جيدة وممتعة ام لا، وبعدها يستشيرني الله ويكون لديّ القرار بناء على هذه الخبرة السابقة؟ أما ان يتوجه السؤال الي السائل وهو في طور الأجنة او حتى في مرحلة ما بعد الأجنة او الطفولة حيث لا وعي فيها ولا تمييز، فسيكون دون جدوى؛ لانه ليست لديه المعرفة والخبرة التي تمكّنه من الاختيار بين الوجود وعدمه. فإذا أتينا بطفلين مثلا وسألنا كل واحدٍ منهما: هل تريد أن تكون موجوداً؟ فعلى أى أساس سيتم تحديد الإجابة، وهم لا يعرفون أىّ عالَم سيختارون العيش فيه، فالطفل لا يعرف من الدنيا سوى الرضاعه فقط، لا يدرك بعد الشقاء والسعاده والحُب والبغض والجنة والنار، فعلى أى أساس سوف يختار وهو لا يعلم ماذا سيختار كي يقبل أو يرفض؟

وبالتالي فان السؤال الصحيح يمكن ان يكون: لماذا لم يستشرنا الله قبل أن يختبرنا ؟
وقد أجاب الله على هذا السؤال في قوله تعالى: “إنا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض والجبال فأبين أن يحملنها و أشفقنا منها و حملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا” الأحزاب:72، وهذا معناه أن الله سبحانه و تعالى عندما خلق المخلوقات، خّيرها في أن يعطيها حرية الطاعة و المعصية في مقابل الثواب و العقاب، لكن المخلوقات رفضت الدخول في هذا الاختبار الصعب ووافق الإنسان وحده. فإن كان هذا السؤال مشكلا عند بعض الأديان، فهو ليس مشكلا عندنا في الدين الإسلامي؛ ﻷن الإسلام قد أجاب على السؤال بكل وضوح. لقد خلق الله الإنسان وجعله حرًا في اختياره، سواء اختار الهداية أو الضلالة، فلا يجبره الله على طاعة ولا معصية، فالإنسان له الاختيار ولا إكراه له على اختياره، قال تعالى: “وهديناه النجدين” أي طريقي الخير والشر، وهو يختار بينهما.

من البديهي والضروري أيضًا أن ندرك الفرق بين الخالق والمخلوق، او بين المالك والمملوك، هذا الفرق لا يؤهلنا لمحاسبة المالك عن أفعاله فينا أصلاً، فالسائل أعطى نفسه الحق فيما لا حق له فيه، ألا وهو مساءلة خالقه والاعتراض عليه، دون مراعاة للفرق البدهى الحاصل بين حال الخالق وحال المخلوق، وبالتالى يتوصل السائل لنتيجة باطلة، بناء على ذلك الحق المزعوم، ألا وهي أن الإله غير عادل لأنه لم يستشرنا، وهي نتيجة باطلة مبنية على مقدمة خاطئة. المنطق الصحيح يقتضي ان إله الأكوان لا يستشير، هذه سنة كونية، لأنه الملك، ومنذ متى يستشير الملك عبيده فيما يأمرهم به ؟ ولماذا لا تطبق هذه النظرية على نفسك، لمَ لم تستشر الكمبيوتر قبل أن تصنعه؟ ولم لم تستشر طعامك قبل أن تأكله؟ او على والديك، لماذا لا نسألهم عن عدم استشارتهم لنا قبل الحمل والولادة، هذا مخالف للمنطق وللواقع.

إن من أخطر ما يمكن أن نتعامل مع الله بنديّة، نعامله بنفس مقاييسنا البشرية فيما يعرف في الفلسفة ب”أنسنة الإله”، فالله هو واجب الوجود المطلق المتصف بكل كمال والمنزه عن كل نقص، خالق الزمان والمكان والانسان؛ هذا المخلوق المحدود المركب من جسد وعقل وروح، له صفات محددة تميزه عن باقي المخلوقات، لكنه قد يغتر بهذا التميز وبما آتاه الله من قدرة وارادة وعلم فيبدأ في محاسبة الإله وفي إيجاب بعض الأمور عليه، ونسي ان الله تعالى لانه الإله المستحق للعبادة لا يجب عليه شئ، بل يأتي الكل منه على سبيل التفضل والانعام، وأول نعمة أنعمها الله علينا هي نعمة الايجاد، ثم يأتي من يقول لا أريد هذه النعمة، كنت أريد أن أبقى في العدم. كما أنه تعالى لا يحتاج إلى شئ ومن ثم فهو لا يحتاج الى مشورة، إذ المشورة لا يحتاجها الا المخلوق إما لنقص علم أو رغبة في العون، او سياسة للناس اوتردد في أمر، وكل ذلك منتفٍ عن الله عزوجل، فما الحاجة للاستشارة إذن؟ ثم إنك إيها المخلوق المحدود بعلمك المحدود وقدرتك المحدودة هل تتصور أن يكون اختيارك أفضل من اختيار الله الحكيم مطلق القدرة والعلم والإرادة الذي وهبك أنت الاختيار والإرادة؟ حينما نقول للمُلحد إن كنت ترى أنك أُجبرت على الحياة فلماذا لا تنتحر؟ حينها يقع فى تناقض.

إن الواقع انك لازلت تفضّل الحياة على الموت ولذا تتجنب دومًا ما يؤذيك ويهلكك، وهذا اعتراف بأن وجودك خير من عدمك، حياتك خير من موتك، فلمَ المزايدة على هذا الخير وهذه النعمة، نعمة الحياة ؟ وهل يقابل اﻹحسان و النعمة باﻹعتراض والنكران والجحود ؟

اما من يعترض بأن عدم استشارته قبل خلقه فيها ظلم له فهو مردود أيضًا لان العدل والظلم ليس متعلقا بها، وإنما العدل أن يؤتي الإنسان القدرة على الطاعة والمعصية، وتبلغه الحجة الرسالية في ذلك، فإن اختار الطاعة أثيب بالحسنى، وإن اختار المعصية أثيب بالسوأى، فهذا هو العدل والفضل، وهذا أصل المسألة وأسها، لا الكلام عن حال المعدومات المعدومة!وبهذا يعلم الرد على قولك: ( بما أن موافقة الإنسان (أو عدمها) على خوض التجربة هي الفيصل في تحديد العدل الإلهي،) . فليس ذلك الفيصل بفيصل في شيء.

 بالنسبة لقوله تعالى 🙁 وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) الأعراف/ 172، 173

فهناك من يقول في معناها إنك قد وافقت على دخول الاختبار، وبالتالي محيت هذه الحادثة من ذاكرتك هذا لأنك وأن كنت متذكرًا هذه الحادثة  فستكون متذكرًا ميثاقك وعهدك مع الله، وبالتالي فلن تعصيه. إن معنى اختبار الحياة الدنيا سيتلاشى إذن، حيث إن الرسل لا فائدة من وجودهم، والغيب أصبح شهادة بالتالى لن يوجد ممن ينكر وجود الله ووحدانيته سبحانه، حيث إننا بالفعل رأينا عالَم الغيب على حقيقته، لكن ما نحن فيه اليوم هو تمام الاختبار. إننا لا نتذكر ذاك الاختبار، لكن نجد آثاره فى قلوبنا، بالضبط كأن يكون أحدنا فى حُلم وهو نائم، وكان يجرى فيستيقظ يجد آثار التعب علي قدميه، فهذه هى الفطرة والبدهيات التى أودعها الله فى نفوسنا تذكرنا بذاك الميثاق. 

أيضا لا بد أن نأخذ في اعتبارنا الدافع النفسي من وراء السؤال، فسائل هذا السؤال غالبا يكون غير راضٍ عن حياته، بسبب أزمات أو مشاكل أو متاعب نفسية، اما من يتمتع في حياته او لديه بعض الرضا فإنه لا يرد على ذهنه هذا السؤال ولا يريد أن يعترض على الخالق بمثل هذا الاعتراض. ومعلوم أن الدنيا لا تساوي شيئًا بجانب الآخرة هي مرحلة مؤقتة للحياة الأبدية التي فيها النعيم الدائم، لذا ينبغي أن لا نننشغل بمثل هذه الأسئلة الجدلية التى لا جدوى لها، بل نشغل أنفسنا بالإجابة عن أهم سؤال سؤال في هذه الحياة، سؤال الغاية من الخلق: لماذا خلقنا الله عزوجل؟ وماذا ينبغي علينا أن نفعل؟ حتى تستقر نفوسنا ونطمئن وبعدها نتوجه إلى ما فيه النفع لنا ولمن حولنا حتى نسعد في الدارين.