لماذا أهتم بقضية الدين؟

أشرف صيقلي

 

تكلمنا في مقالٍ سابق[1] على محورية الدليل والبحث والنظر في الإسلام، ولكن قبل الخوض في البحث عن أدلة وجود الله صحة الدين، قد يسأل سائل: ما الحاجة أصلا إلى الاهتمام بهذا الأمر؟ لماذا أهتم بالمسألة الدينية أساسا؟

ونتناول الجواب على هذا السؤال فنقول:

رفع الجهل عن النفس:

تخيل لو استيقظ شخص فوجد نفسه في مكان لا يعرفه، ألا يكون أول ما يشغل نفسه هو أن يسأل: ما الذي أتى بي إلى هنا؟ إلى أين أنا ذاهب؟

وهذا حالنا في هذا الوجود! وجدنا أنفسنا في هذا العالم، فانطلقت همم البشر في البحث عن الجواب على هذه الأسئة الوجودية المهمة.

إن العقلاء يرغبون في المعرفة والاطلاع على الحقائق حتى لو كانت لا تتصل بهم، فكيف وتلك الأمور لها اتصال بهم ؟!

فرفع الجهل عن النفس من أهم البواعث التي تحرك الناس إلى معرفة الحقائق والكشف عنها.

 

الحرص على النفس:

وكذلك، لو أن إنسانا من جيرانك أخبرك أن هناك كلبا مسعورا على باب منزلك، فإن العقل لا شك يجوز حصول ذلك، ثم أنت تفكر في خطورة التعرض للكلب، فطلب الاحتياط والحرص على النفس، يجعل العاقل يعد لهذا الأمر.

فإذا بلغك أن هناك أناسا يدّعون:

  • أن هناك إلها خالقا للكون
  • وأنه أرسل رسلا
  • وأن هؤلاء الرسل معهم أدلة على كلامهم
  • وأنهم يقولون: إن الله يأمركم باتّباعنا، وأن الدليل على صحة ما نقول كذا وكذا

وأن من أطاع هذا الكلام فله نعيم أبدي، ومن عصى هذا الكلام فهو في شقاء أبدي

والعقل يجوّز أن يكونوا صادقين فيما يخبروا به. ولو كانوا صادقين، لأدّى ذلك أن ينال الشقاء الأبدي ذلك الذي رفض الإذعان لكلامهم، ويضيع النعيم الأبدي من أعرض عن دعوتهم.

فمن عنده ذرة من العقل، وحرص على النفس .. وجب عليه أن يصرف همته إلى:

البحث والتأكد من صدق هؤلاء الرسل فيما أخبروا به حتى يدفع عن نفسه المشقة الأبدية إن وجد أن كلامهم حقيقي،

وأما من تكاسل وأعرض، فلا يعد من العقلاء.

مرة أخرى.. انظر فيما يدعيه هؤلاء الأنبياء.. إنهم يدّعون كلاما خطيرا جدا:

  • الثواب والجزاء والنعيم الأبدي لمن أطاع
  • والعقاب والعذاب والجحيم لمن أبى وتولى

فانظر في هذا الأمر، وخطورته.

ما أكثر ما يعيشه البشر من سنوات؟ 60 سنة؟ 80؟ 100؟ 200؟ فلنفرض أنها 1000 سنة! كيف إذا قارننا بين هذه السنين –أيا كانت- وبين الأبد ؟!

1000 > ∞

هل يكون لأي شيء وزن، مهما زاد، في مقابل الأبدية؟

أليست حياتنا الدنيا تتضمن كثيرا من الصبر على أمور شاقة ككثرة العمل، والمذاكرة، والامتحان، والسير في الحر والبرد، إلى غير ذلك من أنواع التضييقات التي نضيّقها على أنفسنا طلبا للحصول على أمر مرجوّ.

ألا يكون سماع الإنسان بهذا الخبر وازعا له أن يسأل:

  • هل فعلا دعوى الرسل هذه صحيحة أم لا؟
  • هل فعلا معهم أدلة أم لا؟
  • هل هذه الأدلة توصل إلى ما يدعون إليه أم لا؟
  • ماذا عليّ أن أفعله حتى أنجو مما حذروا منه، وماذا عليّ أن أتركه؟

وهل ترك السؤال والبحث إلا غاية التهور؟!

إنّ المغامرة بعدم الالتفات إلى هذا الأمر الجلل لهو تهوّر كبير واستهتار شديد. 

فالأنبياء إن هم صدقوا فيما يدعونه فقد أشرف الإنسان على عذاب يبقى أبد الآباد، وإن كذبوا فلا يفوت الإنسان إلا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية المكدّرة؛ إذ لا نسبة لمدة العمر مهما طالت إذا ما قيست بالأبدية التي لا تنتهي.

بل إننا لو قدّرنا الدنيا مملوءة بحبات الذُرة، وقدّرنا طائرا يلتقط فى كل ألف ألف سنة حبة واحدة منها لفنيت حبّات الذُرة ولم ينقص أبد الآباد شيئا يذكر.

فكيف ينتهي رأي العاقل إلى ألا يصبر عن بعض الشهوات مائة سنة مثلا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد، مع علمه بأن عدم صبره هذا يؤدّي إلى عذاب يبقى أبد الآباد؟

 

هل هذا رهان بسكال  pascal’s wager ؟

يؤمن بعض الناس بالدين لأنهم يرون أن هذا أسلم لهم، وذلك لأنهم إن عاشوا مؤمنين وكانت دعوى المؤمنين بالدار الآخرة صادقة فإنهم في نجاة وأمان

وإن لم تصح دعوى المؤمنين وانتهت الحياة إلى العدم فإنهم لم يخسروا شيئا كثيرا.

أما إن كانوا ملحدين .. فلو صارت دعوى المؤمنين صحيحة فإنهم سيعرضون أنفسهم للعذاب الأخروي

وإن لم تكن صحيحة فإنهم يذهبون إلى العدم كذلك.

فالمؤمن في أمان في كلا الحالين، والملحد على خطر عظيم، فالأسلم للإنسان أن يعيش مؤمنا.

وهذا النوع من الاعتقاد يسمّى (رهان باسكال Pascal’s wager) نسبة للفيلسوف والرياضي الفرنسي باسكال.

 

والذي أوجبه الله على الناس في دين الإسلام هو التصديق الجازم، والقطع بصحة الدين وما يأتي به[2]، وأما التصديق على احتمال صحة الدين مع عدم اليقين والقطع والجزم فليس إيمانا معتبرا شرعا أصلا، وليس هو المطلوب في دين الإسلام.

فالإيمان احتياطا ليس هو الإيمان الصحيح المطلوب شرعا.

 

ولكن لا مانع من استعمال هذه الحجة في حث الناس على ضرورة البحث عن صحة الأديان، وذلك أنه لما كان محتملا أن تكون دعوى المؤمنين صادقة، وسيترتب عليها حينئذ نعيما مقيما أو عذابا متصلا، فإن الإنسان لن يخسر شيئا بالبحث عن صحة تلك الدعوى، وينبغي أن يهتم بالبحث حتى يرى هل الدين حق أم باطل، بل سيخسر الكثير بترك البحث لو تبين له أن دعوى الأنبياء حق.

ولذلك قال أبو العلاء المعرّي:

قال الـمُنجِّمُ والطبِيبُ كلاهُمُا *** لاتُبعثُ الأمواتُ قلتُ: إليكما

إن صحَّ قولُكُما فلستُ بـخَاسِرٍ*** أو صحَّ قولي فالـخَسَارُ عَليكُما

لا شك أن الاحتياط هو في النظر والتأمل والبحث فيما يقوله هؤلاء الأنبياء وأتباعهم، خاصة وأن الدعوى التي يقولنها عواقبها عظيمة، وكذلك هم يقولون إن عندهم أدلة وبراهين على كلامهم!

فالاهتمام بمضمون دعوى الأنبياء لا شك أنه الموقف الراجح في نظر العقلاء، وعلى أقل تقدير فالاحتياط فيه أسلم، وترك الاهتمام تماما وعدم البحث والنظر فيه، لهو تهور كبير.

نعم.. لا ينبغي أن تصدّق شيئا لم يقم عليه دليل، وعليك أن تعمل عقلك في صحة هذا الذي يدعونه.

وإنّ هذا النعيم المقيم المحتمَل، والعقوبة الشديدة بالخلود في النار في حال صدق خبرهم.. لكفيلة بأن تجعلك تبحث وتفكّر.

فالكلام ليس على تبني الإيمان بالدين احتياطا، بل على النظر والتأمل في صحته وأدلته.

فهذه بعض الأسباب العقلية التي التدفع إلى البحث والنظر لبناء الاعتقاد عن دليل وبرهان.

 

شوق الأرواح إلى بارئها:

ونحن لم نتعرض إلى الأشواق التي تهتف بها الروح إلى بارئها، حينما يتأمل الإنسان بعيون قلبه في هذا الكون فيجد هاتفا في نفسه يقول: ثمّة حقيقة كبرى وراء هذا العالم، هناك أصل تشتاق إليه الروح، هناك سر في المحبة والرضا لا نفهمه، هناك ترقٍ في النفس يشير إلى رحمات تنزل على قلب الإنسان في لحظات كثيرة، إنه ذلك المعنى الذي يقول فيه جلال الدين الرومي في قصيدته (أنين الناي):

(تُراك استمعت إلى حكايا الناي..وأنين اغترابه
منذ اُقتطعت من الغاب..لم ينطفئ بي هذا النواح
فلعل كل من أُبعد عن محبوبه، وأحرق الشوق له روحا ..يستمع لقولي.. فيعيــه
ولعل كل من فارق موطنه ..لا تبُـح أنفاسه إلا بالحنيـن
إلى أوان للوصال)

نحن لم نتكلم على هذه المعاني، مع أنها أمر شعوري يرد في بواطن كثير من بني آدم، لأننا اخترنا أن نسلك في هذه المقالات المسلك البحثي العقلي الذي نستطيع فيه إقامة الأدلة، لا المسلك الشعوري الذوقي الذي ربما يختلف من إنسان لآخر بحسب صفاء نفسه.

تنبيه:

الكلام السابق موجّه لمن يقول: (لا أهتم أصلا بالمسألة الدينيةوليس موجها إلى من يقول: (أهتم بها .. لكني لا أجد دليلا لتصديقها).. فهذا الثاني نناقشه في الأدلة العقلية على المسائل الدينية، وهذه ستأتي في المقالات القادمة بإذن الله.

فخلاصة ما نريد أن نقوله في هذا المقال:

أنت إنسان أُلقي بك في هذا الكون الواسع المعقد المتشابك، ولك عقل متسائل، فينبغي أن يدفعك إلى البحث عن الأسئلة الكبرى التي شغلت البشر: من أين؟ إلى أين؟ ولماذا؟ وهذا يقودك للبحث في الدين.

وإن أناسا في تاريخ البشر قد ادعوا أن للكون إلها وأننا سنصير إليه للحساب في دار أخرى، يعقبها ثواب أبدي وعقاب أبدي، فلو صحت دعواهم فستعرض نفسك للسُخط والعذاب، فينبغي لك الاهتمام والبحث في صحة هذه الدعوى، وهذا يحملك على الاهتمام بالمسألة الدينية.

 

[1] انظر مقال: هل الإيمان يناقض الفِكر والنظر والاستدلال؟

https://goo.gl/A7swDb

[2] انظر مقال: هل الإيمان يناقض الفِكر والنظر والاستدلال؟

https://goo.gl/A7swDb

أشترك الأن