كيف يمكن أن يكون الإله منزها عن التحيز والجسمية

السؤال

يقول بعض الناس إن كان الفعل لا يتصور صدوره إلا عن الجسم، لأن الفاعل لابد أن يقوم بنشاط فيزيقي كالإنسان، فكيف يكون الخالق في التصور الديني مجردا عن الزمان والمكان ثم يكون فاعلا خالقا رازقا، وغيرها من الأفعال، كما أن الفلاسفة الإلهيين يقولون إن الإله لا يفعل إلا فعلا واحدا عن طريق العلة والمعلول، ثم تصدر بقية الأفعال بطريق غير مباشر عن الإله، وبالتالي يستحيل أن يكون الإله خالق هذا العالم وما فيه من الحوادث المتجددة لأنها نتاج الطبيعة والعلل والأسباب الموجودة في العالم. فالعالم إذن قد وجد اتفاقا من غير فاعل، فما رأيكم في هذا الكلام ؟

الإجابة

مغالطة قياس الغائب على الشاهد:-

هذه الدعوى – وهي أن أي فاعل لابد له من القيام بنشاط فيزيقي مادي، وأن تقوم به الحوادث لكي يكون فاعلا-مبنية في الحقيقة على قياس الغائب على الشاهد، أي إن المدعي يقول: إن الفاعل كي يصدر عنه فعل لابد أن تقوم به الحركة أو بجزء منه ، وأن تقوم بذاته الصفات المتغيرة المتعاقبة كالحركة والسكون والشدة واللين، وهذا بالضرورة يستلزم كون الفاعل جسما، ثم إنه يعمم هذا الحكم الذي ثبت بالمشاهدة والحس –وهو أن كل فاعل متحرك وتحل به الحوادث- فيدعي أن كل موجود فاعل لابد أن يكون كذلك ، وهذا القياس في الحقيقة قياس ضعيف لا يوصل للمطلوب؛ لأنه يفترض أن كل حكم ثبت للمشاهد يثبت لغيره مما لم يشاهد بدون علة جامعة للقياس.    

وحاصل المغالطة الواضحة في هذا القياس أنه يفترض: أن كل ما هو موجود فينبغي أن يكون له نفس حقيقة وصفات ما أدركناه ووقع تحت حواسنا من الموجودات المحسوسة، وبالتالي فهو يحصر الوجود كله في المحسوس بغير دليل.

ومعلوم أن القضايا الكلية لا تثبت صحتها إلا بالبرهان العقلي أو بالاستقراء التــام، وصاحب هذه الدعوى لا يستطيع الادعاء أنه قام باستقراء تـــام لكل الموجودات فوجدها جميعا أجساما ووجد الحركة شرط لقيامها بالفعل؛ فإن أصل الدعوى أن الخالق سبحانه ليس واقعا تحت الحس والمشاهدة وهو مجرد عن الزمان والمكان، ثم إنه مخالف لبقية المخلوقات في ذاته وصفاته في اعتقاد المؤمنين، فلا يوجد استقراء تـــام، وأما البرهان العقلي فلم يأت به صاحب الدعوى بل رأينا أن استدلاله قائم كما ذكرنا على ما يسمى بقياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف.

ووضح إمام الحرمين الجويني معنى قياس الغائب  على الشاهد بقوله في كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص 83 : «القضاء على غائب بحكم الشاهد لجامع» اهـ

فالشرط في صحة هذا القياس أن يكون هناك جامع بينهما ، ولنضرب عليه مثالا فنقول: إننا بالمشاهدة قد وجدنا أن الجسم لا يخلو عن الحركة والسكون، والحركة والسكون صفات حادثة لتعاقبها وتجددها، إذن الأجسام كلها حادثة، وهذا الحكم يشترك فيه المشاهد والغائب من أجسام العالم؛ لأن العلّة المشتركة بين كل الأجسام هي كونها متحيزة وعدم انفكاكها عن الحركة والسكون.

لكن القياس يكون باطلا إذا خلا عن هذه العلة المشتركة التي تسمى جامع القياس، ومثاله ما قاله صاحب الدعوى من كون الفاعل لابد له من أن يكون جسما ومتحركا، ولهذا فطن أئمة المسلمين إلى أن هذا النوع من القياس يفضي إلى التشبيه والتجسيم والقول على الله بالباطل وبغير علم.

إذا خلا القياس عن العلة الجامعة بين الشاهد والغائب:

يقول الإمام الجويني في الإرشاد ص 82 : «فإن من قال يقضي على الغائب بحكم الشاهد من غير جمع لزمه أن يحكم بكون الباري تعالى جسما ممدودا من حيث لم يشاهد فاعلا إلا كذلك، ويلزم منه القضاء بتعاقب الحوادث إلى غير أول من حيث لم يشاهدها إلا متعاقبة إلى غير ذلك من الجهالات» .

فهذا الكلام المهم من إمام الحرمين يبين أهمية وجود الجامع والعلة المشتركة في القياس حتى لا يلزم عليه لوازم باطلة ، ومثّلَ لهذه اللوازم بالحكم على كون الباري سبحانه جسما متحيزا، فإن الإنسان لم يشاهد في حياته كلها إلا ما كان جسما أو صفة قائمة بالجسم، لكن لما قام الدليل العقلي القاطع على نفي المشابهة بين الخالق وخلقه، وتنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها كان الاعتقاد الحق بأن الله سبحانه مجرد عن الزمان والمكان.

ويزيد الإمام الجويني الأمر توضيحا فيقول في الإرشاد ص 82 : «اعتبار الغائب بالشاهد والتحكم بذلك من غير جمع يجرّ إلى الدهر والكفر وكل جهالة تأباها العقول».

وكثيرا ما يقع الوهم في الأحكام بسبب سيطرة الحس والمشاهدة على مدركات الإنسان وكونها أكثر قربا وإلفا لديه ، لكن برهان العقل يكذبها بعد قيام الدليل، ومن ذلك الحكم بأن إله العالم ليس متصلا به ولا منفصلا عنه وأنه موجود قبل الزمان ومنزّه عن الحلول في المكان، فإن ذلك مما لا تستسيغه من تعلقت مداركهم بالحس والمشاهدة فإنه لم يقع تحت دائرة الحس وسطوته موجودا موصوفا بهذه الصفات، كما أنه لم يقع تحت دائرة الحس موجودا له صفات الكمال ولا تأخذه سنة ولا نوم، لكن قام الدليل العقلي القاطع على إثبات ذلك كله فسلّم الحس بحكم العقل لأنه المهيمن عليه.

ونحن نقول لمن يدعي أن كل فاعلٍ لابد أن يكون جسما وأن يتحرك ويمارس نشاطا فيزيقيا، إذا ثبت عندك أولا أن خالق العالم القديم منزه عن التحيز في المكان وموجود قبل الزمان، فما المانع أن يكون الخالق فاعل بلا آلة أو بلا حركة ، وكل من التجرد عن الجسمية والزمان والفعل بلا حركة أو آلة غير موجودين في الشاهد فلم أثبت واحدا ونفيت الآخر ؟    

بطلان المذهب الحسي في المعرفة الذي لا يعترف إلا بالمحسوسات:

ولعل مستند هذه الدعوى يؤول أن صاحبها يستبطن المذهب الحسي في المعرفة ويدعي أن كل ما ليس بمحسوس فليس موجودا، وكل ما لا يفعل بدون حركة وتحيز فلا يكون فاعلا،  فهذه مجرد دعاوي قد أبطلناها في الكلام على نظرية المعرفة، ونحن وإن كنا نقرّ بأن كل الأجسام حادثة مخلوقة يستحيل عليها القدم أو القدرة على الخلق والإنشاء من العدم، فإننا نثبت بالدليل العقلي القاطع أن خالق العالم منزه عن مشابهة صفات المخلوقين، وإلا لما استحق القدم والوجوب.

وممن نبه إلى أن قياس الغائب على الشاهد بدون علة وجامع يفضي إلى الوهم وصدور الأحكام الخاطئة والمليئة بالمغالطات الإمام أبو عبد السنوسي، فقال في صغرى الصغرى ص 103/105:   « اعلم أن هنا مقدمتين باطلتين يعتقدهما العقل الناقص تبعا للوهم الفاسد:

أحدهما أن كل ما ليس بجرم قديما كان أو حديثا، فهو صفة، ومستند الوهم في اعتقاد هذه المقدمة استقراء الحوادث، فإن كل ما ليس بجرم فيها فهو لا يكون إلا صفة، فعمم ذلك الوهم الفاسد في حقه تعالى، وقاس من غير جامع فاعتقد أن الله تعالى صفة لا ذات لما ثبت بالبرهان القطعي أنه ليس بجرم، وقد قال بمقتضى هذا الوهم الفاسد النصارى وبعض الباطنية ممن ينتسب في زعمه إلى طريق التصوف وهو كفر صراح.

المقدمة الثانية الباطلة: أن كل ذات موصوف بالصفات فهو جرم، وهذه القضية لازمة للقضية الأولى، إذ هي في معنى عكس نقيضها الموافق الذي هو كل ما ليس بصفة فهو جرم، ومستند الوهم في اعتقاد هذه القضية هو مستنده في القضية الأولى، وهو: النظر إلى ما تقرر في الحوادث ، والقياس عليها من غير جامع ، فاعتقد بهذا النظر الفاسد أن الذات العلية جسم لما فام بالبرهان القطعي على أنه موصوف بالصفات العلية لا صفة.

وقد قال أيضا بمقتضى هذا الوهم الفاسد في هذه القضية المجسمة كالحشوية واليهود ومن تبعهم على ذلك، ومنهم من اعتقد هذه المقدمة الباطلة وقادته إلى التعطيل وهي نفي وجود الإله أصلا، وأن العوالم وجدت وجودا اتفاقيا بغير فاعل، لأنه لما استقر في الحوادث أن الفاعل منها لا يكون إلا جسما قاس من غير جامع، وقال: لو كان للعوالم فاعل لوجب أن يكون جسما، لكن الجسم يستحيل منه إيجاد الأجرام وكثير من الصفات، فيتعين أن أجسام العوالم وجدت بلا فاعل» اهـ    

فهذا الإمام الجليل يلخص الشبهة وردّها في كتاب مختصر للمبتدئين في علم الكلام، ويلخص ما ذكرناها من قبل -من كون دعوى استحالة أن يكون الله خالقا لأنه منزه عن الزمان والمكان في اعتقاد المسلمين – مبناه على قياس الغائب على الشاهد من غير جامع،  وحصر الوجود كله في الأجسام والمحسوسات، وهذه أكبر روافد الخطأ في تلك المسائل. 

دعـــــاوي الفلاسفة بأن العالم صادر عن الله بالفيض وردها:

وأما دعوى قدماء الفلاسفة الإلهيين من أن الله واحد ولا يصدر عنها إلا واحد ، فنقول أولاً: إن الفلاسفة وإن كانوا يؤمنون بوجود إله واجب الوجود إلا أنه عندهم ليس خالقا: بل هو موجب بالذات، أي إن ما يصدر عنه يلزم عنه ضروريا، فالله عندهم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار ولذلك فهم يعتقدون أن العالم قديم قِدم المعلول ، وليس حادثا مخلوقا.

فهم أولا ينفون أن يكون لله أي صفة يتصف بها ، ومن تلك الصفات صفة الإرادة، وهي الصفة التي يرجح بها جانب الفعل على الترك، ثم إنهم قالوا إن الصادر عن الله موجود واحد هو أول المخلوقات وهو عقل مجرد، والعالم بجملته صدر عن الله بتلك الواسطة ، وهذا العقل المجرد هو المعبر عنه في لسان الشرع باسم الملك، ثم يصدر منه الثالث ومن الثالث الرابع، وهكذا تكثر الموجودات بالتوسط.

وهذا الكلام كله باطل بإثبات الدلائل القاطعة على حدوث العالم وأنه مسبوق بالعدم، فيثبت أن مخلوق من فاعل متحقق بالقدرة والإرادة ، ودعواهم أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لا دليل عليها ، بل هي باطلة، ويشهد الواقع بخلافها، فإن قصد بالصدور : أن يفيض عنه فيضان المعلول عن علّته فقد بينا أنه باطل ، وإن قصد أن يكون مخلوقا له بمشيئته وإرادته ، فلا يبعد أن يصدر منه ما لا يحصى من المخلوقات والموجودات الحادثة، والله أعلم

https://suaal.org/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d9%8a%d9%85%d9%83%d9%86-%d8%a3%d9%86-%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%87-%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%87%d8%a7-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%8a%d8%b2-%d9%88/