الإجابة:

إن الانسان بوصفه “حيوانا ناطقا” كما يعرّفه علماء المنطق، عبارة عن كائن حي تتصل فيه الذات الجسدية مع الذات المفكرة، أي أنه يتكون من جسد وعقل، هذا الجسد يشتمل على الحواس الخمس المعروفة، والتي بها يدرك الإنسان الأشياء المادية المحسوسة من حوله، ثم يأتي دور العقل بعد ذلك للربط بين هذه الإدراكات وتحليلها والوصول الى نتائج وأحكام عامة بشأنها، مما يعني أنهما مصدران مهمان في تكوين المعرفة الإنسانية، ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر .

لكن باستقراء المعارف والعلوم نجد أن هناك بعض المعارف العليا والتصورات الكلية  التي لا يستطيع العقل إدراكها بمفرده ،كما أن الحواس غير قادرة على الوصول إليها، والتي تعرف بما وراء المادة (الميتافيزيقا) أو الأمور الغيبية، لذلك كان لا بد من مصدر ثالث يمدنا بمثل هذه المعارف. هنا يأتي دور الوحي الإلهي والدين الذي جاء به الرسل عليهم السلام، لتتكامل المعرفة الإنسانية وتجمع بين متطلبات المادة والعقل والروح. لذلك قال العلماء: إن اسباب العلم الحصولي ثلاثة: الحواس السليمة والعقل والخبر الصادق (الوحي) والتي تعرف ايضا بمصادر المعرفة.

هذا القدر يكاد يكون من المتفق عليه، خاصة بين المؤمنين والمتدينين، لكن بعد شيوع نظرية المعرفة النسبية بمستوياتها المختلفة في الغرب وظهور بعض الفلاسفة أمثال ديفيد هيوم وكانط ورسل واصحاب الوضعية المنطقية، ومن تابعهم في الشرق انتقلت هذه النظرية – وخاصة النسبية الدلالية التي سيأتي بيانها – إلينا وشاعت باعتبارها واحدة من مظاهر العلم والحداثة، والنظر الى القائلين بوجود المعارف المطلقة على أنهم إما جهلة او متعصبين.

لكني أريد أن ان أطمئن السائل/ة لأن هذا السؤال وغيره من الاسئلة المتعلقة بنظرية المعرفة عامة، كانت ولا زالت مطروحة بقوة على الساحة الفكرية، سواء وردت بصورتها البسيطة كما هو الحال في هذا السؤال أم بصورة فلسفية عميقة كما يتناولها الفلاسفة والمفكرون، والتي من أهمها الأسئلة حول إمكانية المعرفة وصدقها مثل: كيف يكون بوسعنا أن نميز في أفكارنا بين الصحيح منها والخاطئ؟ وهل ثمة معايير نتوسلها لتحقيق هذا التمييز؟ وإذا كانت فما هي؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تكاد تنتهي؛ لأنها تتعلق بكينونة الإنسان نفسه، وتفاعله مع العالم من حوله، وعن حياته ومصيره.

وقبل هذه التساؤلات هناك أيضا أسئلة حول إمكانية المعرفة: هل بإمكان الإنسان أن يعرف أم لا؟ هل في إمكان الإنسان أن يتوصل إلى معرفة (حقيقة) بشكل يقيني أم لا؟
على مستوى تاريخ الفكر البشري يمكننا أن نقسم الفلاسفة والمفكرين في محاولتهم الإجابة على السؤال السابق إلى فريقين:
الفريق الأول: يتمثل في القائلين بإمكانية المعرفة. أي أن بإمكان الإنسان أن يتوصل إلى معرفة الموضوع معرفة يقينية.

الفريق الثاني: يمثله الفلاسفة الذين أنكروا إمكانية المعرفة. هم لم ينكروا أن بإمكان الإنسان أن يعرف، لكنهم أنكروا أن بإمكانه أن يثق في يقينية معرفته، وهؤلاء هم الشكاك الذين يرون استحالة قيام معرفة يقينية.

وباستقراء بسيط لأهم الدوافع لدى القائلين بالنسبية المعرفية نجدها: تجاهل المبادئ العقلية الأولية، والخلط بين المعرفة الاعتبارية والظنية والاضافية من جهة وبين مطلق المعرفة، لذلك لا بد لنا أن نميّز بين عدة أمور والتي بها ينحل الكثير من الإشكالات:

الفرق بين المعرفة المطلقة والمعرفة النسبية:

فالمعرفة المطلقة يقصد بها المعرفة الموضوعية المطابقة للواقع في نفسه، دون اي فرض او اختراع ذهني، بحيث تكون مجردة عن اي تأثر بالخلفية الثقافية او الدينية او الانفعالات والاهواء الشخصية؛ لانها تعتمد على المبادئ العقلية البديهية الصادقة بذاتها والتي سيأتي بيانها. بينما نجد ان المعرفة النسبية تفرق بين وجود الشئ في نفسه ووجوده لنا ، وبالتالي فهي غير منفكة عن ادراكنا لها وتعاطينا معها على حسب ما لدينا من وسائل وأدوات. وتنقسم المعرفة النسبية الى قسمين: القسم الأول منهما يتعلق بنسبية الأدوات المعرفية مطلقا، وهي النسبية المعرفية المشهورة، ويتعلق القسم الثاني بفهم النصوص ودلالاتها، وهي النسبية الدلالية.

كذلك لا بد أن نميز بين أقسام المعرفة الانسانية من حيث طبيعتها في نفسها ومن حيث ايضا أدواتها المعرفية، وذلك من أجل بيان مدى حجيتها ويقينيتها، وايضا درجة الوثوق بها. ويستتبع ذلك التفرقة بين ما هو قطعي وما هو ظني، وحتى في الأحكام القطعية لا بد ايضا ان نميز بين القطع العقلي (المنطقي) الذي يجزم العقل فيه بحصول شئ او ووجود علاقة ما كالارتباط مثلا بين السبب والمسبب دون تصور الانفكاك بينهما، وبين القطع العادي والذي يكون الارتباط فيه ارتباطا عاديا، يجوز تخلفه عقلا، الا انه لا يتخلف بحسب اطراد العادات. والذي بناء عليه يكون لدينا درجتان من اليقين: درجة ليس معها احتمال وهي الحكم العقلي، ودرجة اخرى يجوّز فيها العقل وجود الاحتمال وهي الحكم العادي، وان كانت الاحتمال فيه لا يؤثر على إفادته اليقين. وهذا قد يقرّب لنا بعض المعاني المهمة فيما يتعلق بالحقائق العلمية في العلوم التجريبية الحديثة التي رفضت الحتمية وتبنت مبدأ الاحتمال الذي أشار إليه العالم هايزنبرج، والذي كان معتمدا ايضا عند متكلمي الاسلام من الأشاعرة في قولهم بالامكان بالمعنى الأخص أي سلب الضرورة عن الطرفين، الوجود والعدم، فالممكن هو الذي يستوى طرفاه وجودا وعدما، لذا يحتاج في وجوده الى مرجح يرجح طرف الوجود على طرف العدم وهكذا في باقي التصورات والأحكام العقلية.

لذلك كان من اللازم أولًا في أي معرفة الانطلاق من التسليم بوجود بعض المقدمات البدهية او الضرورية وهي عبارة عن مسلمات ينطلق منها العقل، وتنبثق منها المبادئ الأخرى، حتى ان الإمام الباقلاني قال عنها: إنها العقل نفسه. أول هذه المبادئ: مبدأ الهوية الذي يقضي بأن الشئ هو هو، ولا يمكن أن يكون غيره. ومنها العلم بأنّ النقيضين لا يجتمعان، فيستحيل عقلًا أن يوجد شيء ساكن ومتحرك في الوقت نفسه؛ وهو ما يعرف بمبدأ عدم التناقض. كذلك مبدأ الثالث المرفوع او الوسط المرفوع ومقتضاه أن الشئ إما أن يكون (أ)، أو ليس (أ)، ولا يمكن أن يكون لا هذا ولا ذاك، فالعدد مثلًا إما أن يكون زوجًا أو لازوجًا (فردًا)، ولا يمكن أن يكون إلا أحدهما. ومنها أيضًا مبدأ العلية ويُقصد به أن كل أمر حادث لا بد لحدوثه من سبب؛ اذ لا يمكن حدوث شئ دون علة محددة، فمثلًا: الطفل الصغير إذا ضربه أحد فانه يبحث عمَّن ضربه، ولا يقبل أن يقال له: إن هذا حصل بلا سبب.

ذلك لأن المعرفة الآتية عن طريق الحواس تفقد الشرطين الأساسيين اللَّذيْن يجعلان المعرفة معرفة مطلقة، وهما الضرورة وصدق التعميم. لذا كان لا بد من عامل آخر إلى جانب الحواس هو الذي يتولى دور إطلاق الحكم على بقية أفراد النوع الذي خبرت بعض أفراده، ذلك العامل الآخر هو العقل بمبادئه الأولية السابقة، التي تتميز بصفتين أساسيتين:

  1. الفطرية: اذ العقل البشري مفطور علي التسليم بها لانها موجودة فيه بالقوة منذ ولادته، اي انها بارزة وواضحة وضرورية لا تحتاج في ذاتها الى مقدمات او براهين او تجارب تؤكدها وان احتاجت في بعض الاحيان الى تنبيه وتذكير.
  2. العمومية: حيث انها معروفة لدى الجميع.

والسؤال الان: هل يستطيع عاقل أن يشك في هذه المقدمات والمبادئ الأولية؟

بالطبع لا، لأن كل إنسان عاقل يسلّم بها بمجرّد تصوّرها، وأيضًا لا تحتاج إلى دليل ولا إلى تعلّم أو نظر، بل لا يمكن الاستدلال عليها؛ وإلا فما الجواب مثلًا على: لماذا كل حادث لا بدّ له من سبب؟ لا جواب غير أنّ طبيعة العقل لا تتقبّل غير ذلك. ثمّ هذه المقدّمات لا يمكن الشكّ فيها أو تصوّر نقيضها؛ لأنها مقتضى غريزة الإنسان العقلية، ومقتضى فطرته التي لا يتمكّن من مقاومتها، ولأنها أساس الاستدلال التي عليها تُبْنى المعارف والعلوم بإجماع العقلاء، فالشكّ فيها لا بدّ أن يستند إلى أمور نظريّة، وتلك الأمور النظريّة لا بدّ أن تستند إلى هذه المقدّمات فيلزم الدور الباطل وهو توقف الشئ على نفسه.

لذلك قال أهل الحق: “حقائق الأشياء ثابتة، والعلمُ بها مُتَحققٌ خلافًا للسوفسطائية”؛ تلك الجماعة التي تنكر وجود حقائق ثابتة، وتدّعي أن الحقيقة نسبية، فقالوا إن (الإنسان معيار كل شيء)؛ بمعنى أنه هو الذي يحدد الحقائق العلمية، والقيم الخلقية، وبوسعه أن يعدّلها، أو يلغيها، أو يستبدل بها غيرها.إن  أنصار هذا المذهب ينكرون قدرة الإنسان على المعرفة اليقينية، وعدم استطاعته الوصول إلى أية حقيقة موضوعية، بل ينكرون وجود أية حقيقة يقينية بوسع الإنسان الاطمئنان لها والركون إليها، فمثل هذه الحقيقة لا وجود لها، طالما أن الحواس هي ما يمكن اعتباره مصدرا وحيدا للمعرفة ـ وهي الوسيلة التي تبنتها قبلهم غالبية مدارس الفلسفة اليونانيةـ وهذا المصدر لو فحصناه وتأملنا فيه، سنتوصل إلى إن الحواس متغيرة لا تثبت على حال واحدة، ثم إنها تختلف باختلاف الأفراد، كما تتأثر بالمحسوسات التي هي أيضاً في تغير دائم، فتجئ أحكامها على الشيء الواحد مختلفة باختلاف أحوال الزمان والمكان، وباختلاف أحوال الأفراد من صحة أو مرض، وباختلاف بيئتهم وثقافاتهم، بل ربما تعارضت هذه الأحكام وتقابلت.
وبناءا على هذه الحجة يقرر السوفسطائيون أنه: من الصعب الوصول إلى حقيقة ثابتة نهائية، فالحقائق إذن نسبية متغيرة، وليس هنالك حقيقة عامة مطلقة. وبالتالي يصبح الإنسان الفرد معيارا ومقياسا للحقيقة؛ فإذا اختلف اثنان في الحكم على معرفة موضوع واحد، فوجهة نظر كلٌ منهما صائبة، ولو كانت وجهات نظرهم متناقضة مع بعضها البعض. وهذا يعني أنه طالما كان الإنسان الفرد معيارا للحقيقة، يلزم من ذلك انه ليس هناك خطأ مطلق ولا صواب مطلق. وقد تصدى لهم قديمًا الفيلسوف اليوناني سقراط، مدافعًا عن موضوعية الحقيقة والقيمة، واستقلالهما عن إرادة الإنسان وشهواته. وماتت النسبية دهرًا طويلاً، ثم بُعثت من جديد وشاعت، كما قلنا في الفكر الفلسفي الأوروبي الحديث، كنتيجة أو رد فعل للفلسفة الحداثية التي أخطأت كثيرًا في استخدام العقل، والاستدلال العقلي الذي اهتزت مكانته في ظل سيطرة الفكر المادي الحديث، وشيوع المادية الجدلية على يد هيجل.

لكننا نقول: إنه لا يمكن التشكيك في العقل بالعقل نفسه، كما لا يمكن ايضا التشكيك في الحس بالحس، فالحس مجرد ناقل، وما يُنسب اليه من أخطاء هي اخطاء العقل العام التي يتداركها بعد ذلك بوسائله اليقينية الصادقة القائمة على تكرار المشاهدات بأدوات حسية متعددة وبالتحليل العقلي الذي لولاه ما عرفنا الخطأ. فالحس صالحٌ للاعتماد عليه مبدأ أوليًا لسائر التصورات العقلية الأولى، لانه لا يدرك الا الشئ المرتبط به فقط،فيكون إدراكه جزئيا، لا كليًا. لذلك يأتي دور الوسائل الأخرى المساعدة في الوصول الى مرتبة اليقين، والتي عددها الامام الغزالي كالتالي:

  1. الأوليات: وهي العقليات المحضة التي اقتضى ذات العقل المجرد حصولها من غير استعانة بحس أو تخيل مثل علم الإنسان بوجود ذاته، وأن الاثنين أكثر من الواحد.
  2. المشاهدات الباطنة: وذلك كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وخوفه وفرحه وجميع أحواله الباطنة.
  3. المحسوسات الظاهرة: كقولك الثلج أبيض والقمر مستدير.
  4. المعلومات بالتواتر: كعلمنا بوجود مكة، وبعدد الصلوات الخمس.هذه الأمور وراء المحسوس يحكم العقل بصدقها وآلته في ذلك السمع، ولا مجرد السمع بل تكرر السماع.
  5. التجريبيات: وهي ما يهمنا في هذا المقام، إذ يُعبر عنها باطراد العادات، وذلك مثل حكمك بان النار محرقة، والخبز مشبع. هنا يحكم العقل بواسطة الحس، وبتكرر الإحساس مرة بعد أخرى؛ إذ المرة الواحدة لا تحصِّل العلم.

يقول الإمام الغزالي: “وإذا تأملت هذا الفن حق التأمل، عرفت أن العقل نال هذه بعد الإحساس والتكرر بواسطة قياس خفي ارتسم فيه ولم يثبت بعد شعوره بذلك القياس؛ لأنه لم يلتفت إليه، وكأن العقل يقول: لو لم يكن هذا السبب يقتضيه .. لما اطرد في الأكثر، ولو كان بالاتفاق لتخلف؛ فإن الإنسان يأكل الخبز، فيتألم رأسه ويزول جوعه، فيقضي على الخبز بأنه مشبع، وليس بمؤلم لفرقٍ بينهما. وهذا الأمر يحرك أصلًا عظيمًا في معنى تلازم الأسباب والمسببات، والتعبير عنها باطراد العادات.

ايضا ينبغي ملاحظة الفرق بين الامور الاعتبارية التي يعتبرها الشخص باختياره وليست منتزعة من الواقع الخارجي كأحكام المرور  وغيرها من الرسوم والتقاليد التي لا شك في نسبيتها، وبين الأمور الظنية التي يقصد بها الاحكام المكتسبة بغير البرهان العقلي كالشهرة واخبار الثقات وغيرها، فمعرفتها والحكم عليها لا يفيد اليقين بل غايته إفادة الظن الراجح الى أن تتعاضد عليه ادلة أخرى فيرتفع الى درجة اليقين.

وهنا يأتي الكلام عن التاريخ القائم على الرواية التي تفيد الظن الراجح، لذلك ينبغي ألا يكتب التاريخ في لحظته، بل لا بد من الانتظار فترة من أجل التثبت من هذه الروايات والاحداث، ولكي تكون هناك فرصة لجميع الأطراف لتسجيل ما لديها، وهذا غالبا ما يحدث، فان كان المنتصر يكتب ما يريد فاننا نجد دائما ان هناك روايات اخرى معارضة لما يكتبه، وتفسيرات مغايرة لما يرويه. والا كان التاريخ والروايات كلها قولا واحدا لا خلاف فيه، وهذا غير موجود.

هنا لا بد من التنبيه على الفرق بين مجرد الرواية وبين التواتر ؛ اذ التواتر لا بد من فيه من نقل جمع عن جمع يستحيل علي أيٍ منهم الكذب.

ننتقل الى مستوى آخر وهو مستوى النظر والاستدلال: فبالنسبة للأدلة، لكي تؤدي إلى حقيقة مطلقة، لا بد فيها من شرطين، الأول: صحة مادة الدليل: أي لا بد أن تكون كل المقدمات المستخدمة في الاستدلال يقينية، حتى تعطي نتيجة يقينية. والثاني: صحة صورة الدليل: أي لا بد أن تكون هذه المقدمات اليقينية مرتَّبة ترتيبًا صحيحًا يسمح بأن نتوصل من خلاله إلى نتيجة. فمتى كان الدليل مركبًا من مواد يقينية وصورته صحيحة كانت النتيجة يقينية حقيقية لا تقبل الخلاف.

مما سبق يمكننا التوصل إلى أن كثيرا من الخلاف الواقع بين الناس إما أن يكون بسبب أن بعضهم يستخدم مقدمات غير يقينية، أو أن هناك خللًا في الطريقة التي تجمع المقدمات ببعضها البعض إلى أن تؤدي إلى نتيجة. ويكون واجب الناظر في القضايا الخلافية هو أن ينظر في أدلة كل فريق يدّعي أنه على الحق ويكون محل بحثه في صحة مادة الدليل وصحة صورته.

اختلاف الطبيعة والمنهج والغاية والوسيلة:

إذا رجعنا مرة أخرى إلى السؤال السابق: هل في إمكان الذات الإنسانية أن تتوصل إلى معرفة حقيقة موضوع معين بشكل يقيني أم لا؟ واضح هنا أننا إذا تأملنا هذا السؤال سنرى أن الإجابة عليه تتوقف على نوعية الموضوع المراد معرفته؛ لأن السؤال: هل في إمكان الإنسان أن يعرف الطبيعة؟ يختلف عن السؤال: هل بالإمكان معرفة الله؟ هل بالإمكان معرفة الإنسان؟ وهكذا ..
لذلك فالإجابة المقدمة على مستوى علوم الطبيعة، تختلف عن الإجابة المقدمة على مستوى علوم الإنسان وغيرها، سواء من حيث الموضوع المراد معرفته، او من حيث الهدف والمنهج والوسيلة المستخدمة للوصول الى هذه المعرفة. فعلى مستوى العلوم الطبيعية، نجد ان موضوع المعرفة يتمثل هنا في الظاهرة الطبيعية، وهدف العلم هنا هو التوصل إلى القوانين التي عن طريقها نستطيع أن نفسر هذه الظاهرة التفسير الصحيح ونستطيع في نفس الوقت التنبؤ بما سيحدث لها مستقبلا، وبالتالي نستطيع التحكم بها والسيطرة عليها، ومن ثم تسخيرها لخدمة أغراضنا وأهدافنا وغاياتنا الإنسانية. وبالتالي يكون المنهج المناسب هو المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة. بخلاف الاعتقاد والايمان فان منهجها عقلى خالص وان كان ينطلق من الواقع المحسوس وقد بيّنا ذلك.

لسائل ان يسأل: ما المنهج الصحيح اذن للوصول إلى حقائق الدين الغيبية؟
لقد تنبّه علماء المسلمين لمسألة معرفة ما هو غيبي (ميتافيزيقي) من أجل الإيمان به وتصديقه والمنهج المناسب للوصول لهذه المعرفة، حتى إن الأمام أبوحامد الغزالي قد أفرد لها بابًا مستقلًا في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد تحت عنوان: في بيان وجوب التصديق بأمور ورد بها الشرع وقضى بجوازها العقل، فقال: “إن ما لا يُعلم بالضرورة ينقسم إلى ما يُعلم بدليل العقل دون الشرع، وإلى ما يُعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يُعلم بهما معًا”. هذه القسمة الثلاثية تبيّن لنا أن للعقل دور، ولكنه وحده غير كافي بسبب محدوديته، واعتماده على الحس المتغير، فلا بد إذن من مصدر آخر للمعرفة، هذا المصدر هو الشرع أو الوحي الذي يجبر قصور العقل ومحدوديته وفي نفس الوقت لا يتعارض مع مبادئه.

يستكمل الإمام الغزالي بيانه موضحًا أن المعلوم بدليل العقل هو حدوث العالم أي خلقه من عدم، ووجود المحدِث، أي وجود الإله الخالق وقدرته وعلمه وإرادته، فان كل ذلك ما لم يثبت لم يثبت بالشرع (الوحي). لأن الوحي مبني على إثبات صفة الكلام النفسي لله تعالي، وبناء على ذلك لا بد من إثبات بعض القضايا في العقيدة بالعقل أولًا لنبني عليها بعد ذلك الشرع. وهذا ليس معناه أن العقل أداة عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة، بل ينبغي التفريق بين وجود حقائق العقيدة وبين كنهها وتفاصيلها وما هي عليه، فالعقل قادر على إثبات وجود الحقائق الكبرى والبرهنة عليها، لكن التخبط يبدأ عندما يخوض في محاولة تعقل الكيفيات التي تكون عليها الحقائق الغيبية لأنها غائبة عن الحواس، ومن ثم لا يستطيع الانسان النفاذ إلى عوالمها المفارقة،  لذلك كان من الواجب الجمع بين العقل النظري المجرد وبين العقل الموسع ذي الأصل الديني، الذي يجمع في ادراكه بين الحس والوحي، لتجتمع الحقائق الوجودية التي يتوصل إليها العقل المجرد، مع الحقائق الإيمانية التي يضيق عنها، فيأتي دور العقل الموسع ليكون نور على نور.

لذلك يرى الامام الغزالى ان بناء المعرفة يتمثل في نظم ثلاثة هي:

  1. نظام الضرورة المنطقية (في الرياضيات والمنطق)، وهو ميدان المعرفة الصورية.
  2. النظام الاجرائي للتعاقب والتساوق ( في الطبيعيات والأخلاق)، ويُعرف بنظام العادة، او نظام الاحتمال والاستقراء، وهو يتناول الوجود من حيث هو ارادة بتطبيق العقل عليه.
  3. نظام متعالٍ هو نظام الوجود من حيث هو إرادة، ويُعرف بنظام الإرادة المطلقة وهو غير قابل للمعرفة العقلية بل لا يُدرك الا بالتصوف والمعرفة الوجودية الذوقية.

هذه النظم هي بمثابة إعادة ترتيب للمعارف، يتم فيها تحديد وضع العقل الوجودي والمعرفي. وعليه فان مفهوم “مجري العادات” والذي يعني التجريبيات، هو القاضي الوحيد في الفرضيات التي نضعها، إذا كنا لا نريد الخلط بين الوهم واليقين.

بالاضافة جميع ما سبق من تراتب أدوات المعرفة وتضافرها وتكاملها للوصول الى الحق، فإن الاسلام قد أمرنا بالتحرر من أسر العقل الجمعي ومن سلطة الآباء ومن كل أشكال الأسر الاجتماعي، وكذلك من جملة الاهواء الشخصية، حين أعلن أنه ليس لذلك إلا طريقة واحدة؛ وهي التفكير الفردي الهادئ المتحرر من كل القيود إلا قيود البداهة والمنطق السليم: “قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا” سبأ: 46. لذا نستطيع القول مثلا بأن العقل الملحد لا يمكنه أن يصل إلى يقين في إنكاره لوجود الله؛ لأنه بنى إنكاره هذا على مقدمات فاسدة، بخلاف المؤمن بالله الذي اتبع فطرته ثم سار في الكون باحثًا عن الحقيقة فاتحًا عقله لكل ما يصلح أن يكون دليلًا يقينيًا لاعتقاده. والمؤمن في طريق بحثه منهي عن تبني أي فكرة، حتى الدين نفسه، إلا عن طريق ما يثبته العقل الصافي من الدلائل اليقينية التي من شأنها أن تكشف عن حقيقة المطلوب أو على الأقل يجوّزه العقل ولا يتعارض معه. ذلك لأن الحقيقة العلمية تعتبر في حكم الدين قمة المقدسات الفكرية وينبوعها.