كيف نفهم معنى القضاء والقدر في ضوء الحرية الإنسانية؟

أ. يونس حديبي
باحث في العقائد ومقارنة الأديان

 

لا شكَ أنَّ هذا السُّؤال يترددُ كثيرًا في أنفسنَا بإلحَاح إلاَّ أنَّ مُراعاة السَّير المنهجي في مُعالجة هذه الأسئلة مُهمٌّ وضَروري فقد كان للعلماء المتكلمين في بحثهم ترتيب درسَ القضاء والقدر وحل سره بعدَ إثبات واجب الوجود سُبحانه وتعالى وما يَجب له من أوصاف الكمال، فإذا كنتَ متيّـقِنًا من وجوده سُبحانه وتعالى فلن يَكون عندكَ إشكال إن شاء الله في فهم ما قدّمه العلماء في تسهيل مأخذ هذه المسألة، أمَّا إن كانَ ثبوتُ وجود الله مَظنونًا عندك فلا بد أن ترجع لأصل المسألة، ومن ثم انتقل لغيرها فيكون سيرك المنهجي صحيحا غير متناقض، ومن طالع كُتبَ العقائد وكيف كانوا يُراعون ترتيب المباحث تيقنَ من عِظَمِ عقُولِ علماء الأمَّة فلم تُوضع المسائل اعتباطًا بل بسير علمي مُرتب فكان النظَّار يشيدون البناء المعرفي بما لا يُمكن أن تتطرق إليه الظنون.

إننَّا نُدركُ ضَرورة الفرق بينَ فعل نختاره وآخر نُضطر إليه أو ما يقع منا دون شعور، فمثلاً بعض الحركات اللاإرادية كالقيام عند وجود فزع أو خوف أو هروب عندَ الشعور بالخطَر وحَركة رَعشة اليَد وغَير ذَلك كلُّ هذَا يَقعُ منَّا دُونَ اخْتيار فجميع العقلاء يتفقونَ على أن هذا القدر مُجبر عليه ولم يكن محلَّ بحثهم في كُتب العقائد.

 وهُنَاك أفْعَال أخرى تقع بمحض اختيارنا كطلب العلم وقراءتك لهذه المقالة والذهاب للمدينة المنورة؛ فاختيارنا لهذه الأفعال دليله المشاهدة الحسية وما نجدُه في أنفسنا ووجداننا أنَّه ينبعُ بمحض إرادتنا واختيارنا وهذا الذي يُشار إليه في قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] أي سبيل الخير والشّر وقوله سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] أي وهديناه نجد الخير ونجد الشَّر.

 وكان أصل ابتعاثَ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام للدلالة على ما يصح وما لا يَصح من الأفعال، فخيارك أيَّها الإنسان لأحد الاحتمالين واقع منكَ بفعلك واختيارك وبعدَ أن ثبتتَ التفرقة بين الفعلين الاضطراري والاختياري يرد إشكال مهمٌ: هل ما نختاره من هذه الأفعال واقع باختيارنا استقلالاً أم أننا مجبورون على فعله تحت سُلطان القضاء والقدر؟

من المقدمات الممهدات أنَّ بسط مفهوم الإشكال يُساعدُ على معالجة الموضُوع وكما يقول المناطقة الحُكم على الشيء أو بالشيء فرعُ تصوره، فأي سُلطان للقضاء والقدر على الإنسان؟

فالإيمان بالقضَاء والقدر خيره وشرّه أتت الشواهد القرآنية والنصوص النبوية مؤكدّة له يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ومذهبُ السَّلف قاطبة أنَّ الأمورَ كلّها بتقدير الله»[1] فثبُوت معناه الكُلي لا يَشك فيه مسلم عاقل، لكنَّ الخلل الناشئ في تصور معناه أدى بعض الباحثين مُتهمًا والآخر مُشككًا وبعضهم مؤولاً، والنقاش لا يَكون في المبدأ معهم وإنما في تحقيق مناط المبدأ.

الإيمان بالقضَاء والقَدر من مُستلزمات الإيمان بعلم الله سُبحانه تعالى الأزلي فعلمُه قبل وقوع الأشياء هو القضَاء وعند ظهُور الأمر بما يوافق الـمَقضي يُسمى قدرًا، فها أنتَ تُلاحظ أنَّ لبَّ ومناط المسألة معنى صفة العلم وبفهم هذا يرتفع الوهم ويُحلُّ الإشكال.

ومعلوم أنَّ علم الله سبُحانه لا يجبرك على الفعل أبدًا فلو رجعنا لمعنى صفة العلم في كُتب العقائد لوجدتَ اتفاقا أنَّه: “كاشف عن الأمر لا يؤثر” ومعنى هذا الكلام أن العلمَ لا يُنشئ الفعلَ ويصنعه فهو يَكشفُ عنه كمَا هو في سابق علمه سُبحانه فعلمُك مثلاً بحضُور أحد أصحابك إليكَ -ولله المثل الأعلى -لا يَعني أنَّك أجبرتَه على الفعل، فلا تلازم بينَ العلم وإنشاء الفعل.

 فالقول بأن العلم كاشف لا مُؤثر يدفعُ الاستشكال، أما لو كان العلم هو الذي يصنع الأشياء ويؤثر لكان الإلزام صحيحًا مع ترتب محاذير أعظم أمَا وقد عرفنا أن علم الله عند المسلمين كاشف غير مؤثر يرتفع عنكَ هذا الوهم فالمنطق العقلي يؤكد عدم وجود التناقض بهذا المعنى.

 إذا تقرر هذا فالإنسان عندمَا تتوجّه نفسه لاختيار أمر ما يَخلق الله تعالى له الأفعال والتصرفات على وفق ما تتوجّه إليه نفسه كما سبق في علمه سبحانه؛ فتتعلّق قدرة الإنسان بالفعل تعلّقا لا بمعنى التأثير والإيجاد وعلى هذا تكون مسؤولية الإنسان ويستحق الثواب والعقاب وقد اصطلح على هذا التعلق بنظرية الكسب محاولة لتسهيل صلوحية تعلق قدرة الإنسان الحادثة بالفعل مع إثبات الاختيار للعبد لأنَّه لا تلازم بينَ اختيار الفعل واشتراط أن يكون خالقَا لفعله ليصحَ الاختيار فهذا خلل في الفهم ناتج عن غلط لعدم تصور مفهوم الجبر إذ الجبر هو أن تُجبر على الفعل ونفسك تختار غيره وبطلان هذا المعنى ضروري فما نجده في أنفسنا يُبطل هذا المفهوم ومن كل هذا :

فالله سُبحانه تعالى يعلم ما سيقع منك من الأفعال والتصرفات، وعلمه كاشف لا مُؤثر فلا يُجبرك على الفعل أو الترك فَيخلُق لك من الأفعال والتصرفات ما علم سُبحانه أنه سيقع منكَ، فينتفي بهذا إشكال الجبر المتوهَم وترتفعَ شبة نسبة خلق الفعل للإنسان، فهذا الذي قرره علماء أهل السنَّة موسعًا في كُتب المطولات ككتاب “تحت سُلطان القدر” للشيّخ مُصطفى صبري فحاول أن يوسّع المفهوم ويُشيد بناء نظرية الكَسب بأسلوب عقلي رصين وعمق طرحه يتجلى في عدم التناقض بين الكليات والجزئيات.

[1] 11/278 فتح الباري

مقالات ذات صلة

    None Found

شارك معنا

تواصل معنا

Pin It on Pinterest

Share This