سمعنا من بعض الناس عندما بدأ انتشار وباء كورونا في الصين أنهم قالوا: هذا عقوبة من الله لهم بسبب بعض الممارسات العنصرية والقمعية التي يقومون بها في حق بعض الأقليات المسلمة هناك، ثم لما انتشر الوباء في بقية دول العالم قال هذا الفريق إن الوباء عقوبة من الله للعالم أجمع بسبب العصيان والإعراض عنه، في حين كثر التساؤل من الشباب وغيرهم عن سبب ابتلاء الله للناس بهذا البلاء وكان هذا التساؤل مصحوبا بالحاجة إلى إجابة على هذا السؤال.

يغيب عن كثير من الناس أن فهم أفْعَال الله سُبحانَه ومعرفة الحكمة منها وتعالى لابد فيها من الرجوعِ إلى صَاحِبِهَا وهو الحكيمُ سُبحَانه وتَعَالى، فَلا نَعْرِفُ الحِكْمَةَ إلا من خلالِ الوَحْي. وَمَا لم يُخْبِرُنا به الوحيُ فهو قولٌ على اللهِ بغيرِ عِلْمٍ؛ لأنَّ أفعالَه سُبحانَه التي تحدثُ في الدّنيا أعقدُ وأعمقُ مِمَّا يُمْكِنُ أن تراهُ في مَشْهَدٍ واحدٍ أوْ زَاوِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَمْ مِنْ خَيْرٍ في الظَّاهِرِ تَرَتَّبَ عليهِ شَرٌّ عظيم، وكَمْ مِنْ شَرٍّ أَخْرَجَ خَيْرًا كبيرًا.

ورغم إيمانِنَا بأنَّ اللهَ أجْرَى هذا الكونَ على الأسبابِ والقوانينِ الطبيعية، إلا أنّنا نُؤمِنُ أنَّ هُنَاكَ حِكْمَةً عظيمةً من كلِّ مَا يَقَعُ في الدنيا من خيرٍ وشرٍ، عَلِمْنَا هَذِهِ الحِكْمَةَ أوْ جَهِلنَاهَا، وقد أخبرنا اللهُ سبحانَهَ في القرآنِ الكريمِ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في السنة عن بعضِ الحِكَمِ والمعاني من وراءِ الكَوَارِثِ المُدَمِّرَة أَوْ الشُّرورِ التي وقَعَتْ لِبَعْضِ الناسِ، فَتَارَةً يُخْبِرُنَا أَنَّهَا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبهِم لِرُسُلِهِم، فَأفْنَاهُمْ كُلَّهُم كما حصلَ لقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وتارةً يخبرنا بأنه أرسل عليهم عذابًا شديدا من الأمراضِ والطَّوَاعِينَ والخَسْفِ والمسْخِ كَمَا وَقَعَ لِفِرْعَوْنَ وبَنِي إسرَائِيل، وتَارَةً يُخْبِرُنَا أَنَّ الأَمْرَاضَ والشُّرُورَ قدْ تكونُ للتَّخْويفِ والإِنذَارِ أيْ لِيَتُوبَ النَّاسُ لِرَبِّهِمْ ويَرْجِعُوا إليه إذا ابْتَعَدُوا عنه، وتارةً يُخْبِرُنا أنَّ الابتلاءَ بالخوفِ والجوعِ ونقصِ الأموالِ والأنفسِ والثَّمَرات للاختبارِ بالإيمانِ والتَّسْلِيم والصَّبْر وليس عقوبًة أو غضبًا منه سبحانه، وتارةً يُخبرنا بأنَّ البَلاء بُشْرَى للصّابرين ورِفْعًة لِدَرَجَاتِهِم واصطفاءً ومحبةً لهم، فَكُلُّ هَذِهِ حِكَمٌ ومَعَاني من الابْتلاءاتِ والشرورِ التي تقعُ في الكَوْنِ وللناسِ، ونحن لا نَمْنَعُ ولا نَجْزِمُ أنْ تَكُونَ بعضُ هذهِ الحكمِ مُرَادةً في حَقِّ إِنسانٍ مُعيَّنٍ أوْ مَجموعَةٍ مُعَيَّنة، ولا نَتَأَلَّى عَلَى اللهِ تعالى فَإِنَّ هَذَا مِنْ عِلمِ الغَيْبِ، ولكنْ نَنْشَغِلُ بِمَا طَلَبَهُ اللهُ مِنَّا، من الصَّبْرِ والاحْتِسَابِ والرَّضا، وعدمِ الجزعِ والاعتراضِ، معَ التّوْبَةِ والتَّضَرُّعِ والاسْتِغْفَارِ، وإحسانِ الظّن بالله.

ولا يجب أن يكون لأفعال الله حكمة واحدة عامة لجميع من يقع عليهم قضاؤه وقدره، بل يجوز أن يكون الفعل الواحد من أَفْعَالِ اللهِ والبَلاءَ الواحدَ له حكم متعددة ومختلفة تختلف باختلاف الأشخاص، فيهِ عقوبة لِقَوْمٍ ورحمة لِقَوْمٍ، ونعمة عظيمة لقوم ونقمة لقومٍ آخرين، وفي ذلك يقول الإمام القرافي رحمه الله “فإنه سبحانه وتعالى قد يريد بالفعل الواحد نفع قوم وضرر قوم، وهداية قوم وضلال قوم الى غير ذلك مما هو جائز على فعله تعالى كما قال جل علاه {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] فجعل نفس إنزال القرآن الكريم هدى لقوم وضلالا لآخرين وهو فعل واحد والكل بإرادته تعالى ومشيئته، وكذلك نعمه على خلقه قد تكون فتنة لآخرين، ونقمه عليهم قد تكون نعمة لآخرين بالاتعاظ وغيره من النعم والكل بإرادته تعالى”[1] اهـ.

وقَدْ تكونُ الحكمةُ مِن بعضِ أفعالِ اللهِ: ألَّا يَفهمَ الإنسانُ الحكمةَ مِنها لِيختبرَ اللهُ معنى العُبوديَّةِ والتَّسْليمِ عِندَ المُؤمنِ، وهو الذي يُسَمّي بتكْليفِ العَقْل، فَالتَّكَاليفُ نَوعَانِ كما يقولُ الإمامُ ابنُ الجَوزِيُ في كِتَابِهِ صيد الخاطر: الأولُ: تكاليفُ الجوارحِ مثلُ أَداءِ العِباداتِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكَاةِ والحَجِّ، والنَّوعُ الثَّاني هُو تَكْليفُ العقلِ: وهُو إِلزَامُ العَقْلِ والنَّفْسِ بالتَّسليمِ والرِّضا بالقضاءِ والقدرِ وبالأحكامِ الشَّرْعِيّة، لاسيما الأقدارِ والأحكامِ التي تجرِى بِما يَعْجَزُ العقلُ عَنْ فَهْمِهَا، وهَذَا هُوَ تمَامُ العُبُودِيَّة، ولا يَعْنِي هَذَا أَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ التَّأمُّلِ والتَّفْكِيرِ في العِبرِ والحِكَم من الأَحْداثِ، وألا ننظر في أعمالنا وعلاقتنا بالله تعالى، ولكنْ يَعْنِي أَنَّ فَهْمَ الحِكْمَةِ مِنَ البَلاءِ لَيْسَ شَرْطًا لِلتَّسْلِيمِ بِالأَقْدارِ عند المؤمنِ الصادقِ، وألا نجزمَ أو نتألّى على اللهِ في ادّعاءِ مَا أخفَى عِلمَهُ عَنَّا.

نسأل الله أن يرفع عنا هذا الوباء، وأن يرزقنا الصبر والأجر والسلامة.


[1] الأمنية في إدراك النية/ القرافي.