د.عزة رمضان العابدة

مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر

لن أنسى تمتمات ذلك الأستاذ الدكتور الذي كنا نتناقش معه في مشروعية الخلع في الدين الإسلامي وأدلته، وخاصة في حديث سيدنا ثابت بن قيس وزوجته التي قالت: ” يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، إلَّا أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ”، وكيف تفهّم النبي صلى الله عليه وسلم طلبها وأمره بتطليقها بعد أن ردّت عليه حديقته.

 ولم يعجب هذا الدكتور، ولم يقتنع بحجة المرأة التي بها وافق النبي أن يفّرق بينها وبين زوجها، بل رأى أنها غير محقة في طلبها، لأنها هي من وافقت عليه منذ البداية، وكان من ضمن تمتماته “إذن كل زوجة من حقها أن تطلب الخلع لأي سبب مهما كان..”.

هذه نفسية البعض وطريقة تفكيره وتعامله مع نصوص الكتاب والسنة، يريد أن يفسّر الآيات والأحكام وأدلتها تبعا لهواه ولما يراه، حتى ولو كانت رؤيته قاصرة وخبرته محدودة ومنهجه به خلل، هذا الخلل وتلك النفسية يزاد تأثيرها عندما يتعلق الأمر بطرف دون آخر، أو بصنف مستقل من الرجال أو النساء على حد سواء، فبعض من يتعاملون مع الفقه الإسلامي من خارج التخصص، وربما أيضا من داخله، يتصورون التعامل مع الأحكام الفقهية كالتعامل مع قضايا المنطق والفلسفة؛ بمعنى أنهم يتصورونها قضايا خاضعة للملازمات المنطقية والعقلية المنضبطة (العقل بمعناه الفني المباشر).

وهذا كله ليس حاصلًا في الأحكام المنطقية التي تخضع للثبوت والاطراد والتي لا تقبل التخصيص والاستثناء.

 فالدين الإسلامي منظومة كاملة بما فيه من عقيدة وشريعة وأخلاق، مصدره الوحي الإلهي مع اعتبار العقل كوسيلة للمعرفة ومعه الحس كذلك.

 وللشريعة الإسلامية منطقها الخاص فيما يُعرف بـــ”أصول الفقه”؛ والذي هو عبارة عن ترتيب لأجناس الأدلة ومراتبها.

 مما يعني أن لدينا بِنية استدلالية مسوَّغة معرفيا؛ لأنها مبنية على العقل واللغة، ومن ثم فهي مجمَع على صحتها عقلًا ولغة، كما أنها قطعية؛ باعتبار الاستدلالات وطرقها، لا باعتبار الأشخاص القائلين بها.

إذا نظرنا إلى الدين بهذه الرؤية الموضوعية التكاملية، فإن كل مسلم سيجد نفسه معتبرا ومعبَّرَا عنه، من ناحية كونه فردًا، ذكرًا كان أو أنثى، ضمن مجموع أتباع الدين الإسلامي، بل ضمن الجماعة الإنسانية؛ إذ المسلم مأمور بمعاملة غيره بالحسنى، قال تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.

فهذا هو الحد أو القدر الذي يقع به التعايش والسلام والاحترام وقبول الآخر، وهو من المرادات الأصيلة في ديننا الحنيف، كما جاء في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”.

ولأن المسلم له شريعة مستقلة تختلف عن شريعة الأمم السابقة، فنجد بعض الأحكام التي تتعلق بتفاصيل المعاملات والعلاقات، شرعها المولى عز وجل له مثل ما جاء في قوله: “وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يؤمنَّ وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَو أعجبكم”، وأيضا قوله تَعَالَى: “فإن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ”، وأيضًا قوله تَعَالَى: “وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر”، لكن لما كثرت المخالطة بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الكتاب، كانت هناك بعض الأحكام التفصيلية الخاصة بهم.

 فبعد أن أخبرنا الله عز وجل بأنه أحلّ لنا الطيبات في قوله: “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ  قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ” فجاء التفصيل في الآية التالية: “الْيَوْم أُحلّ لكم الطَّيِّبَات وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حِلٌ لكم وطعامكم حِلٌ لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ محصنين غير مسافحين”.

وبالنظر للآية الكريمة نجد أن الكلام جاء فيها أولًا عن الطعام وصرّحت بأن الإباحة حاصلة في الجانبين؛ (اليوم أُحلّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) و (وطعامكم حل لهم)، أما في الزواج فاقتصرت الآية على جانب واحد (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا …) وهذا يستفاد منه أن إباحة الزواج غير حاصلة في الجانبين، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين.

فأحلّ من المشركات نساء أهل الكتاب، أما المسلمة فلا يجوز لأي كافر كتابي أو غيره أن يتزوج بها بإجماع الفقهاء، هذا الإجماع الذي يرقّي المسألة الفقهية من مستوى الظن إلى مستوى القطع، وقد حصل هذا الإجماع بالنظر في مجموع الأدلة، والتي كان من بينها وقائع عينية.

 وأهل الكتاب كما يقول صاحب التنوير والتحرير([1]): هم أتباع التوراة والإنجيل؛ سواء كان ممن دعاهم موسى وعيسى عليهما السلام إلى اتّباع الدين، أم كانوا ممن اتبعوا الدينين اختيارًا (وهذا التقسيم ينبني عليه اختلاف في الحكم عند بعض الفقهاء)، ويرى أن حكمة الرخصة في أهل الكتاب؛ لأنهم على دين إلهي يحرم الخبائث، ولهم في شؤونهم أحكام مضبوطة متبَعة لا تُظن بهم مخالفتها، وهي في أصلها مستندة للوحي الإلهي، الأمر الذي جعل بعضهم يفسر هذا الحكم الشرعي بأن المسلم يؤمن بجميع الأنبياء والرسل والكتب، ومن ثم فهو يصدق بعيسى كرسول من عند الله، وبالإنجيل ككتاب أنزله الله، وهو مأمور أن يحسن معاملتها وفق ما أمره به دينه الذي وضع لذلك أحكامًا محددة، لهذا جاء هذا التخصيص في حق المسلم دون المسلمة؛ إذ يُخشى عليها من عدم تيقن معاملتها بالحسنى وتقديس ما تؤمن به وتعتقده، إذ لا ضابط محدد لدى غير المسلم في هذا الباب.

فالزواج اليوم وإن كان يوثق بشكل مدني، وله إجراءاته القانونية، إلا أنه بالنسبة إلينا في الإسلام عقد ديني بالأساس، من حاجة المسلم أو المسلمة إلى فكرة الزواج والخطبة و العقد والمهر، هذا كله له موقعه في منظومة الشريعة الإسلامية وله أحكامه التي يترتب عليها أحكام أخرى، ليأتي الزواج في تمامه على صورة نظام اجتماعي له أسسه وأركانه وشروطه وأحكامه وغاية من أجلها شرعه الله عز وجل لبني البشر وسماه ميثاقًا غليظًا، وفق التصور الكلي للغاية التي من أجلها خُلق الإنسان.

وحتى في زواج المسلم من كتابية (مسيحية أو يهودية)، وإن كان جائزا كما دلّت الآية واتفق أهل العلم على ذلك، لكن هناك من قال بجوازه مع الكراهة، كما رُوي عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه رأى تزويج المسلمات أفضل وأحسن لمشاركتها المسلم في دينها، فقد روي أن سيدنا حذيفة رضي الله عنه تزوج من يهودية، فكتب إليه عمر رضي الله عنه يأمره بطلاقها ويقول: كفى بذلك فتنة للمسلمات.

 فنفهم من هذا أن الزواج من الكتابيات ليس على إطلاقه كما هو مشهور.

ورُوي عن عطاء أنه قال: “إنما رخّص الله تعالى في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت؛ لأنه كان في المسلمات قِلّة، وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة”.

ويرى الفخر الرازي أنه عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سببًا لميل الزوج إلى دينها، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها، وكل ذلك القاء للنفس في الضرر من غير حاجة.

 وبالنظر إلى ختام الآية المذكورة نرى أنه لما ذكر فرائض وأحكامًا يلزم القيام بها، أنزل ما يقتضي الوعيد على مخالفتها، ليحصل الزجر عن تضييعها، تعظيما لشأن ما أحله الله وما حرمه وتغليظًا على من خالف ذلك.

وإذا نظرنا إلى الآية لأمكننا فهم أن مطلق طعامهم حلال لنا أكله، وهم مثلا يأكلون الخنزير فهل يعني هذا أن الخنزير حلال لنا؟ بالطبع لا، لأن عندنا نص صريح في تحريم أكل الخنزير، فيكون حاصل المعنى هنا في هذه الآية: طعامهم حلٌ لكم إذا كان من الطعام الذي أحللته لكم.

هكذا يكون النظر في الآيات وخاصة آيات الأحكام، لا يصح الاكتفاء بظاهرها ولا اقتطاعها من سياقها ولا إسقاطها في غير موضعها، فالقرآن آياته وأحكامه مترابطة في نسق واحد.

 وفي أحكام الدين لا بد أن نفرّق بين أنواع الأدلة ومراتبها، وما يصح أن تُنصَب المعارضة به وبين ما لا يصح، وبناء على هذا فإن العملية الاجتهادية لها منطقها الخاص وتعقيدها الذي يدريه من تعمّق في أبحاث الدلالات الشرعية ومقتضيات النصوص، والمجتهد يجب عليه أن ينظر في تلك الأدلة حتى يحصل عنده الظن الراجح، حتى إذا حصل عنده وجب عليه قطعًا الأخذ به.

وهنا ينبغي التمييز بين القانون الشرعي وبين الرأي الشخصي النابع عن تصور سطحي، والناتج عن فكر قاصر محدود لا يستضيء بنور الوحي ولا يهتدي بمنهاجه ولا يعرف للشريعة منطقًا. فالقانون الشرعي سنده الإيمان (العقيدة) ومعه العقل، ثم إن هناك تلك الزاوية التأملية التي لا بد من وجودها داخل هذه المنظومة؛ لأنه في الأساس يخدم حاجة تعبدية معها حاجة واقعية عملية.

لكن للأسف كما يحدث كل مرة عندما نناقش حكمًا، يتعلق كله أو بعضه بالمرأة، يتم اختطاف القضية وأحكامها واقتطاعها من سياقها، بدلا من النقاش الجاد حول الحكم الشرعي والبحث في دليل هذا الحكم وتسلسله في منظومة الشريعة كما ذكرت، ومحاولة فهم الواقع في ضوء هذا الدليل أو من خلاله، بدلا من هذا النهج العلمي المتدرج والمستقيم في تحصيل المعرفة وإدراك المقصد الشرعي لها، يتم توظيف المسألة إعلاميًا ومجتمعيًا في سياق نسوي على أنه تمييز يترتب عليه ظلم للمرأة!

فهلّا فهمنا كيف يُتوصل إلى الأحكام الفقهية وأدلتها الشرعية؟

[1] محمد الطاهر بن عاشور عالم وفقيه تونسي.