كيفَ أثّرَتْ العلمانية على البيئة؟

ندى عبد السلام

طالبة علم نفس، ودراسات إسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

تشير الأبحاث إلى أنه قد مَرَّ ما يزيد على اثنتي عشرة ألف سنة (12000 سنة) منذ نشوء المجتمعات البشرية بالشكل المعاصر المعهود لدينا[1]، لكن بالرغم من طول تلك المدة إلا أن كوكب الأرض لم يشهد فيها هذا القدر من الخلل في “توازنه البيئي” كالذي يراه الآن. لقد تسبب الإنسان الحديث خلال الثلاثمائة عام الماضية في إلحاق الأذى والدمار بالأرض على نحو أصبح يهدد به بقاءه عليها، ولكن لماذا لم يظهر هذا الخلل من البداية؟ لماذا بدأ يظهر فقط في الثلث الأخير من الألفية الثانية عشرة من نشأة المجتمعات الإنسانية؟!

إذا راجعنا التاريخ سنجد أن هناك علاقة صريحة لا تقبل الجدل بين بداية الثورة الصناعية وإحداثها لطفرات في العلم والتكنولوجيا وبين بداية انهيار التوازن البيئي وظهور كوارثه، ولكن هذا يفتح بابًا لتساؤل آخر: هل التقدم يُحتّم دمار البيئة؟ هل يُمكن للتقدم الذي هدفه الأساسي تحسين معيشة الإنسان أن يكون هو المُدية التي تقتله؟ 

الحقيقة أن المشكلة ليست في التقدم بعينه وإنما في الإنسان الحديث ونموذجه المعرفي الذي أقام عليه هذا التقدم. الإنسان الحديث الذي تخلص من فكرة “القدسية” وانتهج الفلسفة العلمانية فقام على أساسها بنبذ كل معنى ميتافيزيقي للطبيعة فصار ينظر لها على أنها معين لا ينضب ومطيّة تُمتَطى كي تمده بموارد يظنها لا نهائية، وكل هذا في النهاية من أجل تحقيق الهدف الخفيِّ الأكبر الذي جاء تبعًا للفكر الحداثي الفردي وهو مذهب المتعة أو التلذذية(Hedonism).

وقد أثبت الواقع المعاصر فشل الفلسفة الحداثية ومجيئها بنتائج عكسية عند التطبيق بسبب قيامها على أسس هشة وغير مستدامة[2] تقوم على تعامل الإنسان مع الطبيعة بمنطق السيادة، حيث يظن الإنسان نفسه منفصلا عن الطبيعة ويعتبر سبيل فلاحه على الأرض يتأتى من تحقيق السيطرة عليها. ولكن هذا المنطق في الحقيقة ما هو إلا نتيجة لسبب واحد رئيسي وهو نزع “القدسية” من الحياة.

فالمجتمع الغربي –بعدما نفر من أفعال الكنيسة الخاطئة المخالفة للعقل وللاكتشافات العلمية الحديثة-شرع في نبذ فكرة الإله والدين كُليّةً، واستكمال حياته على الأرض من دونهما، ولكنه لم ينتبه إلى أن رفض فكرة الإله يترتب عليه نزع كل معنى من الحياة، الأمر الذي يحوي ضمنيا رفض وجود حقيقة مطلقة لأن كل شيء يصبح نسبيا في نظره، ومن ثَمَّ لا يمكن أن يكون هناك معنى لأي “كائن”، لأنه لا يستقيم وجود معنى مع عدم وجود حقيقة مطلقة.

انطلاقا من هذا المفهوم تتحول الطبيعة إلى “حادث ممل” نشأ بالصدفة ومن أجل البقاء، وليس له أي قيمة، قيمته إنما تتأتى من مدى قدرته على نفع الإنسان، (العالم كله -بما في ذلك وجود الإنسان –يصبح عديم القيمة وخاليا من أي مضمون أو معنى حقيقي. هذا الموقف يسمى في الفلسفة “بالعدمية”، وهي النظرة التي تفتح باب أهواء النفس على مصراعيه، إذ أنه لم يعد هناك شيء يمنع الإنسان من اتباع رغبات نفسه لأنه لم يبق له أي معنى للحياة سوى محاولة إمتاع ذاته.

 وكما هو مشهود ومعلوم عن النفس فإنها إذا تُرِكَت لأهوائها كان الفساد نتيجة حتمية، وذلك لأن رغبات النفس لا حد لها ولا تشبع بمجرد الحصول على ما تشتهيه، وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى دين حتى يكتشفها الإنسان، فكما أجمعت الشعوب والحضارات: ازدهار الأمم لا يتأتى إلا من خلال ضبط الشهوات، بينما الانغماس فيها هو ما يؤدى لسقوطها[3].

هذا ببساطة لأن الكون لم يُفطر على غير ذلك، فالذي فصّله لم يجعله معين لا ينضب وإنما أودع فيه سُنّة “التَّوازن”.  يقول الله عز وجل: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر: 19] ويؤكد على هذا المعنى في قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

ثم يحذر من الجَوْر على تلك السُنّة فيقول: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 – 9].

هذا تحذير من خالق هذا الكون وفاطره بألا نطغى في الميزان، لأنه سنة وقاعدة كلية[4] أودعها في خلقه وأوضحها للإنسان في البيان الذي أنزله له، ولم يرد له وللكون غيرها. لذلك فإنه فقط عندما يُنتَهك هذا النظام وينقض الإنسان عهده مع خالقه يظهر الفساد في الكون، الأمر الواضح في التوكيد الإلهي: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]. فالفساد لا يظهر إلا بنقض العهد مع فاطر الكون ورفض قدسيته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Steffen et al. “Planetary boundaries: Guiding human development on a changing planet”. Journal of Education for Sustainable Development (2015): n. pag. Web. 1. Apr. 2017.

 [2] Chiras, Daniel D, Dr. Environmental Science. Burlington: Jones and Bartlett Learning, LLC, 2013. Print. p.34

[3] Nasr, Seyyed Hossein, Dr. “Religion and the Environmental Crisis.” World Wisdom. (2007): pag.4. Web. 10 Mar. 2017.

 [4] جهاد هاشم براون، “الأبعاد الميتافيزيقية للوعي البيئي الإسلامى”، مؤسسة طابة (2013)

أشترك الأن