جميعنا رأى صور التزاحم على المواد الغذائية والمطهرة في المحلات والأسواق، محليًا وعالميًا، وكيف قامت الجماهير بشراء وتخزين كميات كبيرة مما تسبب في نفاذها، وخلو الأرفف منها في معظم المحلات. هذه الصور التي ظهر بها الإنسان في تعاملاته في ظل هذه الأزمة تجعلنا نتساءل: ما الدافع الأساسي وراء هذا التزاحم والتكالب على الأغذية والمنظفات؟

                         إن كلمة السر في الإجابة ستكون “الحياة”..

فالله قد خلق الانسان ومنحه الوجود بدلًا من العدم، وجعل حب الحياة أمر فطري في النفس البشرية، فأنت إذا خيّرت إنسانًا بين الموت والحياة، لاختار الحياة، لأنه مفطور على ذلك، نأكل ونشرب ونتناول الدواء، ونبني بيوتًا تقينا البرد والحر، ومصحات لللعلاج والتداوي؟ كل ذلك من أجل ماذا؟ من  أجل بقائنا، وحماية أنفسنا مما قد يضرنا.

فحبّ الحياة وإن كان طبيعة فى كل حىّ، فإنه فى الإنسان طبيعة وإرادة معًا، طبيعة تدفعه إلى حفظ نفسه، ووجوده أطول زمن ممكن. وحبّ البقاء إرادة وُجدت وتنامت فى الإنسان عن طريق تفاعله مع الكون، واتصاله بالأحياء، واشتباك مصالحه معهم، وامتداد آثاره فى الحياة وفيهم. يتضح لنا ذلك من خلال الحديث الدائم عن الأحياء في القرآن الكريم، ولفت الأنظار إليها، سواء في عالم النبات أو الحيوان، فيشعر الإنسان بالوشيجة، وعمق الاتصال، وسريان التناغم مع من في الكون وما فيه. هذا الشعور يعمل على تهذيب النفس، وبعث الهدوء فيها، وإزالة القلق والتوتر عنها. من هنا تبدأ خصوصية العقل المسلم واختلافه الجوهري عن العقل المشترك بين البشر، ليس الأمر ترتيبًا في درجات العقل، بل هو اختلاف نوعي في تصور الكون والحياة.

 فالحياة في الدين الإسلامي تعتبر أقدس ما يملكه الإنسان على الإطلاق، ومن ثم كان لها تصور أوسع وأشمل وأكثر أمانا وطمأنينة، فهي تمتد طولاً في الزمان، وعرضاً في الآفاق، وعمقاً في العوالم، وتنوعًا في الحقيقة. هذه الامتدادات جميعها ما هي إلا تجليات وانعكاسات للنفخة الربانية التي سرت في النفس البشرية، قال تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين” الحجر: (28-29). إن هذا الإكرام الإلهي لسيدنا آدم كان ولازال منعطفا أساسيًا في نظام الكون وحركة المخلوقات التكاملية، فالله عز وجل قد خلق الانسان لغاية أسمى من مجرد الوجود على سطح الأرض فترة من الزمن. فقيمة الإنسان الحقيقية لا ترتبط بأي عوامل خارجية؛ بل إنها تنبع من ذاته، من تلك النفخة الربانية التي منحها الله إياه، وكرمه بها، وميّزه بالعقل والإدراك والعلم، وكلّفه بتعمير الأرض بعد أن سخّرها له، هذه النعم أعطاها الله لجميع بني آدم دون تفريق أو تمييز.

إن المتأمل في المشهد الإنساني الراهن تأخذه الدهشة من المفارقة العجيبة بين هذا الحرص على الحياة والتمسك بها وإعلاء قيمتها، وبين تلك الفلسفات العدمية التي انتشرت في بلاد الغرب في القرن الماضي؛ “فلسفات الموت”، حيث أعلن أصحابها عن موت الإله، وموت الفلسفة، وموت اللغة وغيرها. لقد تبددت أمام المشهد العالمي الحالي تلك الأفكار والفلسفات التي نادت بالموت والعدمية، حيث يشهد الواقع الآن بأن حب الحياة والإقبال عليها هي الحال الطبيعية والفطرية، ولا يتجرد امرؤ في العالم عن هذه الحال، بل الكل يلهث وراء الغذاء والعلاج واللقاح وكل ما يؤمّن له البقاء.

حفظ النفس:

الإسلام لا يتعارض مع الفطرة، لذا فقد ارتقى في حفاظه على الحياة البشرية إلى حد أن جعل من حفظ النفس مقصدًا من بين المقاصد الضرورية التي جاء الإسلام من أجل حفظها والإبقاء عليها.

ولأن النفس الواحدة تمثل النوع الإنساني بأكمله فقد جاء القانون الإلهي: “أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” المائدة:32. أي من كان سببًا لحياة نفسٍ واحدة، بإنقاذها من موتٍ كانت مشرفةً عليه، فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن الباعث على إنقاذ النفس الواحدة هو الرحمة والشفقة، ومعرفة قيمة الحياة الإنسانية، واحترامها، والوقوف عند حدود الشريعة في حقوقها، وهذا من الواجب أن ينطبق على جميع الأفراد، ولن تكتمل الإنسانية إلا به. فالآية تعلّمنا ما يجب من وحدة البشر، وحرص كل واحد منهم على حياة الجميع، والقيام بحق الفرد من حيث إنه عضو في النوع الإنساني، فيكون حرصه على حياة غيره، كحرصه على حياة نفسه، إذ الإسلام يربي ضمائر الناس وأخلاقهم، فيجعل تفكيرهم يتجه نحو المجموع لا الفرد.

هذا بدوره يؤكد أن الحياة البدنية للإنسان ترتبط بحياته المعنوية وتكامله الروحي كمقدمة واجبة لهدف عظيم لا بد من الوصول إليه، لينعم الإنسان بالحياة الحقيقية، التي من أجلها ينادي الله في المؤمنين: “يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم” “الأنفال: 24”. ومن أجلها يضرب الله الأمثال “أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ” الأنعام:122. فالحياة البدنية التي تمثل الجانب الحسي في الإنسان، من حيث كونه حيوانًا متحققة بالفعل، إلا أنه لا بد من تحقيق الفصل المميز للنوع الإنساني بأكمله، وهو العقل، وهذا لن يكتمل، في التصور الإسلامي، ولن يتم إلا بنور العلم والهداية كما دلّت الآية الكريمة.

فلسفة الإحياء:

يوجهنا الله عز وجل نحو فلسفة أعلى من مجرد الحياة، لأنها تحتوى على المعنى الذي يمنح الحياة قيمتها، إنها فلسفة الإحياء، تلك القيمة التي أوشكنا على فقدها في عصر تشيؤ الإنسان وميكنته، بعد أن بات همّ العلم التجريبي والتقدم التكنولوجي هو إطالة عمر الانسان وتحسين قدراته البيولوجية والذهنية، بصرف النظر عن المعنى أو القيمة من وراء ذلك. بات العلماء منشغلين بإحكام السيطرة على البيئة، والاستفادة منها قدر الإمكان، دون الاهتمام بالمحافظة على توازنها، أو حتى مجرد التفكير في حق الأجيال القادمة في هذه الموارد الطبيعية التي يتم تدميرها بشكل مستمر.

هذه الفلسفة التي ينبغي أن تكون حاكمة في حياة الفرد والمجتمع، قد منح الله من أجل تحقيقها العقل للإنسان، ووضع العديد من النواميس الكونية والسنن الإلهية، ليتمكن من صناعة الحياة وإدارتها، فالله قد جعل لكل شئ سببًا، سواء في الصحة أو المرض، في النصر أو الهزيمة، في الحياة أو الموت، بخلاف المعجزات والكرامات التي هي حالات استثنائية نادرة في تصور الإسلام عن الحياة، فالدين يصنع الإنسان، والإنسان بدوره يصنع الحياة، من خلال ما وهبه الله.

إن التقدم المادي  والعلمي والتقني له أهميته في الحياة اليومية، وهو من جملة الأسباب التي بثّها الله في الكون، ليتمكن الإنسان من العيش عليه، والتعامل مع مكوناته، لكنه ليس كافيًا ولن يكون، فليس بالعلم المادي وحده يحيا الإنسان، وما نراه حولنا اليوم يؤكد لنا هذا المعنى، لقد وقف الإنسان، بكل ما أوتي من تقدم علمي وتقني، مذعورًا وعاجزًا أمام فيروس صغير يهدد حياته، وحتى لو تغلب على هذا الكائن الصغير، فما الذي يضمن له ألا يظهر غيره؟ لا بد للإنسان إذن أن يقرّ بضعفه ومحدودية قدراته وعلمه، ومن ثم فهو محتاج إلى خالقه في كل حين، أيضًا لا بد من تفعيل منظومة الأخلاق والقيم التي تحقق فلسفة الإحياء، من أجل أن تستعيد الحياة توازنها مرة أخرى.

إن قيمة الحياة الإنسانية لا معنى لها إلا في الاعتقاد بوجود الله القادر العليم الحكيم، وباليوم الآخر كضرورة دينية وأخلاقية معًا، عبّر عنها القرآن الكريم في أكثر من آية. هذا الأمر ليس من مهمة العلم الطبيعي الكشف عنه، وليس من اختصاص العلماء البحث فيه، وإنما هو نور الوحي وهداية الأنبياء؛ لكي يؤمن المرء بعدالة الخالق بين عباده، وإذا كان ميزان العدالة قد اهتزّ في يد البشر في حياتهم الدنيا، فإنه غير قابل للخلل في يد الخالق العدل سبحانه، بهذه الحقيقة تسكن النفوس من حيرتها وتطمئن القلوب.

أخيرًا، أرجو ونحن في هذه الأزمة – التي نتضرع إلى الله أن ينجينا منها ومن كل كرب – ألا يقف طموحنا فقط عند حق الحياة، والحرص عليه والتمسك به في مقابل الموت، بل ينبغي أن يكون همنا وفكرنا وسلوكنا موجهًا نحو  إعلاء المعنى والقيمة من وراء هذه الحياة؛ لتتحقق فينا وبنا حقيقة “الإحياء”.