مصطفى أحمد ثابت

باحث رئيس، مدير مبادرة سؤال.

استدعى الحوار الذي ذكره الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى على لسان بطلة مسلسل فاتن أمل حربي عن حق الأم في الحضانة بعد زواجها بآخر–جدلاً حول المنهج والطريق الذي سلكه الفقهاء والمجتهدون في كيفية استنباط الأحكام الشرعية والتعامل مع نصوص الوحي، ومع إقراري بوجود عدد كبير من المظالم التي تتعرض لها النساء بعد الطلاق على صعيد تعامل طليقها معها أو مع أطفاله بقلة مسؤولية ولا مبالاة، أو على صعيد صعوبة إجراءات التقاضي وطرق إثبات دخل الزوج إذا أراد التلاعب بحقوق النفقة؛ إلا أنّ المشكلة الرئيسية في عرض الكاتب لهذه المسائل لم يكن في خصوص الكلام على حق الحضانة، وهل يسقط عن الأم إن تزوجت بآخر أم لا، ومن هو الأحق بالحضانة عند زواج الأم؟ ولكن الإشكال الكبير المعروض في هذا العمل هو التعامل مع الفقه والأحكام الشرعية بسطحية شديدة، أو يمكنك أن تقول بعاطفة مهلكة مضرّة، وطرح المنهجية العلمية في التعامل مع أمر خطير وهو تعيين مصادر التشريع وكيفية التعامل معها.

جرى الحوار بين بطلة العمل والشيخ أو أمين الفتوى في مقر لجنة الفتوى على النحو التالي:

-يعني ربّنا ما قالش كده، إنتو اللي قلتوا.

-إحنا مين؟

-إنتو الشيوخ! ما هو في الكلام اللي قلته ده أنت مجبتش سيرة ربنا.

-أيوة، ما هو ده الفقه.

-أنا بسأل عن كلام ربنا مش الفقه.

-وأنت هتفهمي كلام ربنا لوحدك؟

– وأنا أتحدّاك إن ربّنا ما قالش كده!

-هوّ أنتِ ذاكرتي ودرستي علشان تتحدّيني؟!

-الحاجات دي مش محتاجة دراسة. ربّنا عادل ورحيم. والرحيم مش هيحرِم أُم من عيالها”.

 المشكلة في هذا المشهد أن الكاتب عرض الكلام عن معرفة حكم شرعيّ في مسألة معينة وهي حضانة الأطفال بعد الطلاق وكيفية استنباطه بطريقة عجيبة غاية في السطحية والابتعاد عن أي قواعد معتبرة أو منهجية في التعامل مع نصوص الوحي، ومن تلك الأخطاء المنهجية الخطيرة التي احتوى عليها:

1-أنه حصر مصادر الأحكام الشرعية في القرآن الكريم فقط أو هكذا أوهم القارئ، فالسائلة تسأل فقط عن كلام ربنا، والشيخ لم يردّ عليها بأن حكم هذه المسألة تحديدا ثابت من حديث صحيح في السنة النبوية، ككثير من الأحكام التي أجملها القرآن ووضع لها المبادئ العامة ثم بينتها وفصلتها السنة النبوية المشرفة، ولم يوضح لها أمين الفتوى أن مصادر الأحكام ليست مقتصرة على القرآن بل هناك سنة وقياس وإجماع وأقوال للصحابة وعمل أهل المدينة وغيرها من الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها بين المجتهدين.

2-الخطأ الثاني وهو خطير جدا: الجزم باعتبار حرمان الأم من حضانة الطفل بعد زواجها من غير أبيه مناقضا للرحمة الإلهية، بغض النظر عن اعتبار الشرع لمصلحة الطفل أولا في قضية الحضانة قبل مصلحة أحد الوالدين أو مراعاة مشاعره، وبغض النظر عن تعقيدات الواقع والعلاقات التي يمكن أن تضر بتربية الطفل وتنشئته حتى سن البلوغ في حالات معينة، وبغض النظر عن أن مفهوم الحضانة لا يعني حرمان أحد الوالدين المنفصلين من ولده.

ثم لابد أن ينتبه أن المفاهيم الكلية العامة كالرحمة الإلهية والعدل، أو صعوبة الامتثال لأمر إلهي لشدته على مشاعر الأب والأم أو غيرهما لا تعد وحدها كافية في استنباط الأحكام الشرعية وإلا لاعتبرنا أن تشريعات العقوبات التي جاء بها القرآن الكريم مناقضة للعدل والرحمة، أو يمكن أن يقول الأب إن كان شديد التعلق بأولاده أن حضانة الأم لهم بعد الطلاق يعتبر مناقضا للعدل والرحمة ، كل ذلك دون أن ننظر للمآلات والمصلحة الآجلة المترتبة على تشريع تلك الأحكام، ودون النظر إلى أن بعض الأحكام قد تكون الحكمة منها ابتلاء المكلف بمعنى الصبر والتسليم بأمر لم يظهر له حكمته، وهذا واقع في أكثر العبادات.

3-سؤال البطلة عن «إن ربنا ما قالش كده بنفسه» بخصوص أن الأم تسقط حضانتها إن تزوجت أوحى للمشاهد أن كلام الله الذي يستنبط منه الأحكام الشرعية الفقهية لابد أن يكون محصورا في العبارات الصريحة المعنى المستفادة من اللفظ المنطوق به وغير محتملة لأي معنى آخر، كأن يقول القرآن مثلا: (بسم الله الرحمن الرحيم، تبقى حضانة الطفل بيد الأم دائما مهما طلقت أو تزوجت)، وهو الذي يسميه الأصوليون النص أو اللفظ الذي يفيد معنى لا يحتمل غيره من المعاني كقول الله تعالى : {وَإِلَٰهُكُمۡ ‌إِلَٰهٞ ‌وَٰحِدٞۖ } [البقرة: 163]  المستفاد منه أن الله واحد لا شريك له، ومصطلح النص يعتبر قسما من أقسام ما يسميه علماء الأصول بالمنطوق يعني المعنى الذي دلّ عليه اللفظ في محل النطق، ومثاله قول الله تعالى: {فَلَا ‌تَقُل ‌لَّهُمَآ أُفّٖ} [الإسراء: 23] الذي يدل على تحريم التأفف للوالدين، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: في سائمة الغنم زكاة، وهو ما يستفاد منه أن الغنم التي ترعى وتأكل من الكلأ المباح ولا تُعلف -وهي التي تُسمّى بالسائمة -يجب فيها الزكاة.

ويقابل المنطوق المفهوم وهو ما كانت دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق بل في محل السكوت كتحريم ضرب الوالدين الذي دل عليه قوله تعالى: {فَلَا ‌تَقُل ‌لَّهُمَآ أُفّٖ} [الإسراء: 23] وسموه بالمفهوم لأنه يُفهم من غير تصريح به.

فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن طرق دلالات القرآن الكريم -الذي نزل باللغة العربية -على الحلال والحرام والأحكام الشرعية قد تختلف وتتعدد تبعا لاختلاف أساليب اللغة، فمنها ما يكون قطعيا لا شك في دلالته على المراد، ومنها ما يكون ظنيا أي له معنى قوي وراجح على غيره من المعاني لكن يبقى هناك احتمال لإرادة المعنى الآخر، وهو المسمى بالظاهر في اصطلاح علماء الأصول، وقد يرتقي هذا الظني إلى رتبة القطعي عندما يجمع عليه الفقهاء؛ فإن إجماعهم يقوي الظنّ فلا يصير هناك إمكان لاحتمال خلاف ما أجمعوا.

والحكمة في اشتمال نصوص الوحي على القطعي والظني، واشتمالها على أساليب متعددة وطرق مختلفة للدلالة على الحكم الشرعي أن يُفتح المجال للاجتهاد حتى يرفع اللهُ قدرَ الذين أوتوا العلم وسعوا في معرفة مراد الله بالسعي والبذل والتحصيل فيتفاوت الناس في الآخرة وتتمايز درجاتهم، وأيضا حتى يكون هناك مجال للاختلاف بين الفقهاء والمجتهدين، فتعدد الأحكام بما يسمح بوجود السّعة للمكلفين ولأولياء الأمور فيختاروا منها ما يناسب أحوالهم وعصرهم وما يلائم أحوال الناس، فتبقى أحكام الشريعة سارية صالحة ومصلحة لحال الناس على مر العصور.

فنصوص الوحي من قرآن وسنة ليست نصوصا جامدة، وعبارات منمطة كالبنود المصاغة في اللوائح والقوانين المعاصرة، ولبعد الناس في عصرنا عن روح اللغة العربية ومعرفة أساليبها وتعدد دلالاتها وعن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم كما كان للصدر الأول من الصحابة بما بيّن لهم معاني الوحي ومقاصده –ظنّ كثير من المثقفين في عصرنا أن أحكام الشرع ومراد الحق سبحانه من خلقه لابد أن تأتي بما يناسب ثقافتهم ومقدار معرفتهم باللغة، مع التغاضي عن كافة الأدوات والآلات التي ينبغي للمسلم أن يحصلها من علوم ومعارف شرعية ولغوية حتى يكون مؤهلا للاستنباط ومعرفة الأحكام الشرعية، فصرنا نرى بعض الناس يظن أنه لن يتعبد الله بتكليف أو عبادة إلا إذا قرأ آية أو حديثا حصل له معه القطع والجزم في نفسه بأن الله أراد منه هذا، حتى لو كان هذا الجزم مجرد وهم أو جهل مركب نتيجة لقلة العلم، مع طرح وإهمال كل نص ظني الدلالة على الأحكام الشرعية وكأن الله لم يخاطبنا إلا بالقطعي، وهذا هدم للفقه كله أو أغلبه؛ إذ الأحكام الفقهية كما يقول المجتهدون مبناها على الظنون.

وقريب من هذا الذي أوهمه نص السيناريو في المسلسل، وهو أن الأحكام الشرعية تستنبط فقط من العبارات والآيات التي لها دلالة صريحة وواضحة ومستفادة من اللفظ من حيث النطق به ولا تحتمل أي معاني أخرى حتى يجوز التعبد بها والعمل بمقتضاها، ما قاله الدكتور سعد الهلالي الذي راجع سيناريو هذا المسلسل في أحد تصريحاته التليفزيونية لما سئل عن الحجاب فقال: «جملة “الحجاب فرض” جملة فقهية وليست جملة قرآنية أو جملة نبوية، لكن أنا لا أستطيع ولا يستطيع غيري أن نقول: قال الله تعالى: الحجاب للنساء فرض؟ أستغفر الله! هل يجرؤ أحد أن يقول: قال رسول الله: الحجاب للنساء فرض؟ أستغفر الله!».

رابط المداخلة

وهذه الطريقة من الصحفي الذي كتب السيناريو، ومراجعه أستاذ الفقه المقارن في الأزهر في التعامل مع النصوص الشرعية فيها قدر كبير من “التهريج” والاستخفاف إن صحّ القول، فأنت ترى عقلية تتعامل مع الوحي كما لو كان نصا دستوريا أو قانونيا معناه لا خلاف عليه ولا يحتاج لفهمه أو استنباطه إلا مجرد قراءته بمعزل عن أي دليل آخر من الأدلة الشرعية.

فكلام الفقهاء عند هؤلاء عبارة عن جملة خبرية خبرها كلمة (فرض أو حرام أو مكروه أو مستحب) كأن تقول: الصلاة فرض، والزنا حرام والوتر سنة، والمبالغة في المضمضة في الصيام مكروه.

أما كلام الله عندهم فهو شيء هلامي ليس له معنى واضح إلا مجرد الأخبار والقصص وقليل جدا من الآيات القطعية التي ليس فيها مجال للاجتهاد.

أما بالنسبة إلى قضية الحضانة نفسها وتعامل الفقهاء معها فسوف نفرده بمقال آخر إن شاء الله تعالى.