في حوار تليفزيوني مع أستاذ الفيزياء النظرية الراحل ستيفن هاوكنج، سأله المحاور سؤالا مشهورا: هل يمكن أن تكون قوانين العلم التجريبي مقيدة للخالق؟ بمعنى أن تكون تلك القوانين التي رسمها الخالق أقوى وأشد صرامة من قدرة هذا الخالق على أن يتحكم فيها أو يغيرها، كما سأله: هل يستطيع الله أن يخلق صخرة لا يقدر على حملها؟ وهل ممكن إثبات وجود الخالق بواسطة العلم التجريبي.. وكان هاوكنج قد قال في معرض رده على تلك الأسئلة إن الإله لا يتدخل في سير الكون منذ خلقه، ولي على هذا الكلام بعض الملاحظات.

السؤال عن تقييد الله بقوانين العلم كالسؤال عن خلقه صخرة يعجز عن حملها: هذا الكلام غير صحيح، وهو في الحقيقة كاشف عن مدى بعد هاوكنج وطبقته عن ممارسة العلوم العقلية الفلسفية، هذا الجهل بالفلسفة هو الذي أدى بهاوكنج نفسه إلى إعلان موت الفلسفة واستبدالها بالعلم في كتابه “التصميم العظيم”، وهو الكلام الذي اضطر إلى الاعتذار عنه لاحقا بعد صدور عدد من النقود من الفلاسفة عليه.

في هذه المقارنة يكشف هوكنج جهله بأوليات العلم العقلي الفلسفي، فكل ممارس للفلسفة بل وكل قارئ هاوٍ فيها يعلم أن الوجود/الكائنات لدى الفلاسفة والمتكلمين على ثلاثة أضرب: الواجب والممكن والمستحيل، والمرجع هنا هو حكم العقل على كائن ما بأنه واجب الوجود Necessary أو ممكن الوجود Contingent أو مستحيل الوجود Impossible.

أن يخلق الله صخرة يعجز عن حملها هو من القسم الثالث أي المستحيل العقلي، وهذا القسم لا تجري عليه القدرة ابتداءً، فالسؤال من أصله خاطئ ولا يصح أن نسأل إن كان الله يقدر أو لا يقدر على المستحيل العقلي ولا يعتبر عدم تعلق قدرته بهذا القسم عجزا لأن العجز هو عدم القدرة على ما يمكن وجوده لا على ما لا يقبل الوجود أصلا ويستحيل، فالقدرة الإلهية لا تعمل إلا في الممكنات العقلية وكل هذا مثبت بالبراهين العقلية الصارمة ولينظر طالبه كتب الكلام.

أما السؤال عن تقيد الله بقوانين العلم فهو عبارة عن السؤال عن قدرة الله على خرق تلك القوانين من عدمه، تلك القوانين – المأخوذة من الملاحظة وهي التي يقصدها هاوكنج في كلامه لا المبنية على الاستنتاج العقلي – وكل ما يخضع لها يقع في حيز الممكن لا المستحيل ولا الواجب ضرورة ملاحظتها من التغييرات الطارئة على الكون الممكن ، وبالتالي فإن جواب السؤال البديهي هو “لا” ، وإلا لو عاد مقيدا بقوانين العلم التي أجرى الكون عليها وخلقه وفقها فإنه يكون هو نفسه واقعا في حيز الممكنات بينما دل البرهان القاطع على وجوب وجوده لا إمكانه وهذا تناقض !!

إن جملة هاوكنج هذه لغو في ميزان العلم العقلي وتجعل كل قارئ للعلوم الفلسفية يفغر فاه عجبا أن كيف تصدر مثل هذه الجملة منه، لكن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: “من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب”   !!

ثانيا: قوله إن الإله – إن وجد – لا يتدخل في سير الكون ولم يتدخل منذ وجد الكون وفقا لرصدنا !!

أقول: كيف يمكنك رصد فعل الإله؟

كيف تفرق بين حادثة ما وقعت في الكون لتقول إن هذه الحادثة من فعل الإله وتدخله وتلك ليست من فعل الإله بل وفق “طبائع الأشياء” وقوانين الكون الحتمية !!

وهذا بالطبع بناء على التسليم “جدلا” لمبدأ خروج شيء في الكون عن فعل الإله وإلا فإن عقيدتنا أنه “لا فاعل في الكون إلا الله” وأن كل ما يقع في الكون هو بالخلق المباشر لحظة فلحظة من الإله، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى نقاش السببية وخرقها، وكما نرى فهاوكنج وفريقه يقولون بقول هو وريث قول الطبائعيين قديما ويقابله قولنا نحن بالخلق الدائم، كما أسلفت لم يتغير شيء.

ثالثا:  السعي إلى اثبات وجود واجب الوجود بوسائل العلم التجريبي الحديث لا معنى له، فإنه حتى لو تمكن العلم الحديث من بناء مراصد ضخمة وحاز تقنيات متطورة جدا كشفت عن وجود كائن صنع هذا الكون فإن الكشف عن كون هذا الكائن هو الإله أو لا غير ممكن البتة بوسائل العلم الحديث ومراصده ووسائله ببساطة لأن البحث هنا عقلي محض لا تجري عليه الحواس ولا تفيد، فإنه لو كشفت حواسنا عن ذلك الكائن بل رأيناه رأي العين فإنا لا نملك أن نجزم بكونه “واجب الوجود” بتلك الوسائل، الحواس وتلك الوسائل  الحديثة غاية ما يمكن أن تفيد هو اثبات “وجود” ذلك الكائن لا اثبات “وجوب وجوده” الذي هو أخص وصف للإله كما نبه عليه شيخ الإسلام مصطفى صبري في “موقف العقل” ، وبين إثبات “الوجود” و إثبات “وجوب الوجود” كما بين السماء والأرض، وبالتالي فلا قيمة البتة للعلم الحديث وكل بحوثه في إثبات وجود الإله أو نفيه والبحث عقلي محض .
والله الموفق.