محمد عبد الظاهر

“إن بحث الإنسان عن المعنى لهو الحافز الأساسي لحياته”[1]

هكذا تكلم فكتور فرانكل طبيب الأعصاب والمعالج النفسي في كتابه (الإنسان يبحث عن معنى)، والذي ربما نفرد له مقالا خاصا فيما بعد.

وقال أيضا في نفس الكتاب:-

“يزداد عدد المرضى الذين يتجمهرون في عياداتنا وفي غرف الاستشارة خاصتنا، والذين يشتكون من فراغٍ داخلي؛ من شعور بانعدام تام ونهائي لمعنى حياتهم. لقد صِغت مصطلح (العصاب معنويّ المنشأ nothingness neurosis) لوصف هذه الحالة”. [2]

ولو تركنا فرانكل وتتبعنا تاريخ البشرية لوجدنا الفيلسوف والمؤرخ الإغريقي بلوتارك[3] يخبرنا أنه: “من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار أو ملوك أو ثروة أو آداب أو مسارح، ولكن لم يرَ الإنسان قط مدينة بلا معبد”.

إذن لا يخلو زمان ولا مكان اجتماع للإنسان إلا واقترن ببحثه عن معنى لحياته، ولو أدى به ذلك لنسج الأساطير والخيالات، أو اختراع الأديان الأرضية إن عَدِمَ دينا سماويا.

* ثم جاء عصر الحداثة أو التنوير[4]: بعد الثورة الفرنسية وما تبعها من ثورة على سيطرة الكنيسة على المجال العام، وإزاحتها عنه، خلفت وراءها فراغا في المعنى الذي كان يمتلئ به إنسان القرون الوسطى، أي معنى الحياة لأجل الرب.

ذلك الفراغ التي حاولت الحداثة ملئه بنقل المركزية من الرب إلى الإنسان، لتصبح متعة الإنسان هي إلهه الجديد، ثم لما تطور العلم التجريبي وسرّع تحقيق هذه المتعة والرفاهية صار إلهاً أيضا، ولا بأس كذلك من تأليه النظم السياسية والأيدولوجيات التي ساهمت في تحقيق هذه الرفاهية، وصارت الاستهلاكية -الشره الاستهلاكي-بمثابة شعيرة لهذا الدين الجديد؛ دين عبادة الذات والملذات.

* ثم جاء عصر ما بعد الحداثة[5]: وانتشر التشكيك والحيرة وسيولة المفاهيم، ولم تعد المركزية لشيء محدد، إنه ما يمكن أن نسميه عصر التيه.

وبالطبع فالحديث في كل هذه النقلات ليس على التعميم وإنما هو عن الاتجاه الغالب على البشرية، فإن في كل عصر يوجد نسبة من المتدينين، ومن عباد ملذاتهم، ومن الحائرين.

ومن يتتبع السنوات الأخيرة يلاحظ عودة جديدة لنقل المركزية إلى كيانات غيبية تُضفى عليها صفات الألوهية وتقام لها شعائر وطقوس ذات بعد روحاني كاليوجا والاعتقاد في الشاكرا وطاقة المكان وما إلى ذلك.

ولكن ما علاقة هذه المقدمة بفيلمنا؟

يقدم لنا الفيلم رحلة البطل “جو جاردنر” الذي يعمل مدرسا لموسيقى الجاز للأطفال، والذي يحلم منذ صباه بالانضمام لفرقة جاز شهيرة، وفي اليوم الذي تأتيه فيه الفرصة لينضم للفرقة، يتعرض لحادث يدخل جسده في غيبوبة، ويدخل روحه في عالم فاصل بين الحياة والموت، لتبدأ رحلته فيه بين هروب إلى عالم مزدحم بالأرواح التي لم تولد بعد، ويجري تجهيزها لذلك بإكسابها سماتها الشخصية ومن ضمنها اكتشاف “الشرارة”، والتي يُفهَم من الحوار أنها الشغف أو الهدف من الحياة، ويدير كل ذلك من يعرّف نفسه بأنه مجموع المجالات الكمية[6] في الكون أو اختصارا (جيري) وأن هنالك تمثلات عديدة من (جيري)، وهم جميعا من يتحكمون في بث وقبض الأرواح.

وتستمر الأحداث المشوقة التي يقابل فيها شخصيات تتمكن واعية من الولوج لعالم الأرواح بممارسة طقوس من التأمل والموسيقى، ويكتشف خلال رحلته أن “الشرارة” ليست هي فقط الشغف أو الهدف، وإنما هي المعنى الذي يعطي قيمة للحياة، ويكتشف كذلك في نهاية الفيلم أن عزف البيانو في فرقة الجاز الشهيرة ليس هو المعنى الذي يملأ فراغ روحه، وإنما هو شيء آخر يستمر في البحث عنه.

حتى أتت الجملة الختامية للفيلم والتي تعبر عن المعنى الجديد الذي أدركه، بعد أن قرر جميع ال”جيري” إعطاءه فرصة أخرى للحياة، وهو أن (يعيش كل لحظة فيها) إشارة إلى أن يستمتع بالتفاصيل الصغيرة، مثلما تم تقديمه خلال الفيلم في الاستمتاع بالطعام والشراب والعلاقات وحتى نسمات الرياح العابرة.

عودة للفلسفة

إذن فرسالة الفيلم في الإجابة عن سؤال المعنى تعود بنا إلى فلسفة الحداثة حيث تمركز الإنسان حول ذاته وإعلاء اللذة كتفسير للحياة، والمُلاحظ أن هذا ليس إجابة للسؤال، وإنما هو إلهاء عن السؤال.

يقول المخرج السينمائي وودي آلن عن مثل هذا الإلهاء: “إن وجودنا على الأرض هو مجرد صدفة، واستمتاعنا بلحظاتنا القصيرة السخيفة، لنلهي أنفسنا قدر الإمكان عن مواجهة حقيقة أننا كائنات فانية في كون فانٍ، فإن كل شيء تقدره سيزول، سواء كانت أعمال شكسبير أو بيتهوفن أو دافنشي، كل شيء سيزول، الأرض كلها ستزول، والشمس ستزول، كل شيء سيزول. أفضل شيء يمكنك فعله لتستمر في الحياة هو الإلهاء، الحب إلهاء، والعمل إلهاء، يمكنك إلهاء نفسك بمليون طريقة مختلفة، لكن المفتاح هو أن تلهي نفسك”[7].

وأما عن طبيعة الروح وماهية الكيان المتحكم فيها وفي الحياة والموت وفي كل الغيبيات، فقد قدمه الفيلم على أنه شيء من العالم المادي دون الذري (عالم الكم) مشيرا إلى الفلسفة المادية والعلموية التي تدّعي أنه ليس هنالك سوى المادة وأن كل الأسرار يمكن للعلم التجريبي اكتشافها، ثم أضاف لكل هذا الطقوس الشرقية التأملية التي سبق ذكرها كشعائر ضمن هذا الدين الخليط، والذي برغم كل هذا التجميع لم يقدم إجابة شافية لسؤال المعنى.

كيف يجيب الإسلام عن سؤال المعنى؟

يخبرنا الله –جل وعلى- في القرآن الكريم عن أنه خلقنا للخلود، وأن عقولنا القاصرة ليست مطالبة إدراك حكمته الكلية، فكان من رحمته أن جعلها لنا لنستدل على وجوده وكماله، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتدلنا على مقتضى العقل، ثم تكمل لنا مالا يستطيع التوصل إليه، وتخبرنا بحقيقة الحياة من كونها رحلة للتعرف عليه وعبادته وتزكية نفوسنا، كي تليق بالخلود في النعيم الأبدي، الذي لا تستقر الروح وتهنأ هناءً تاماً إلا فيه.

هل الفيلم ملائم لأطفالنا؟

بصرف النظر عن نية صناع الفيلم، والدخول في جدل نظريات المؤامرة، فإنه على الرغم من تضمن الفيلم لبعض الأفكار الجيدة، مثل عدم التمسك المفرط بالشغف، والاستماع للآخرين وبخاصة الأبوين، إلا أنه يتضمن أيضا بعض الأفكار الخطيرة على الأطفال أقل من ١٣ عاما، مثل تجسيد شكل الحياة قبل الميلاد وبعد الموت، مع معلومية صعوبة تجاوز الصور الذهنية التي تترسخ في الطفولة، وإن أردت دليلا فانظر أي صورة تخطر ببالك عند ذكر كلمة (الشيطان) فإن كانت مخلوقا أحمر اللون شبيه بالإنسان ولكن بذيل وقرنين، فتلك هي الصورة التي قدمتها لنا أفلام الرسوم المتحركة التي شاهدناها صغاراً، ولا نستطيع نزعها من أذهاننا.

ومن الأفكار الخطيرة أيضا تمثيل إدارة الكون وكأنها بيد مؤسسة بيروقراطية وليس إلهاً كامل القدرة والعلم والإرادة، بل تصوير أنه يمكن خداع الموظف المسئول عن إحصاء عدد الموتى في هذه المؤسسة!

وأخيرا فإن خلاصة الفيلم –كما سبق التوضيح- تحث على إعلاء اللذة كقيمة عليا، ومعنى نهائي للحياة.

لهذا كله لا نرى ملاءمة الفيلم لأحبائنا الصغار.


[1] https://antilogicalism.com/wp-content/uploads/2017/07/mans-search-for-meaning.pdf

[2] نفس المرجع السابق

[3] https://plato.stanford.edu/entries/plutarch/

[4] https://plato.stanford.edu/entries/enlightenment/

[5] https://plato.stanford.edu/entries/postmodernism/

[6] https://plato.stanford.edu/entries/quantum-field-theory/

[7] http://www.notable-quotes.com/a/allen_woody_ii.html