غربة الأسئلة بين أنسنة الإله وتأليه الإنسان

مصطفى ثابت
باحث رئيس في مؤسسة طابة.

 

حضرتُ مُؤخَّرا كَمُستَمِعٍ ورشة عمل نظمتها مُبادرة سُؤال حول “الإيمان بين التقليد والاستدلال”، وكعادة جميع فَعَالِيَّات المُبَادَرة نُوقِشتْ عَدد كَبِير مِنَ الأسْئلة فِي جَوٍّ آَمِن ومِسَاحَة عالية من الرُّقِي في الحوار بلا قِيود أو هجوم سواء من السائل أو المتلقِّي؛ لكنني انتبهت إلى أن عددا من الأسئلة المتكررة أو الملاحظات التي سجلها الحضور أثناء الورشة كانت أسئلة غريبة عن ثقافتنا ونموذجنا المعرفي، ولا أقصد بغربة الأسئلة هنا أنها أسئلة غير مشروعة أو غير مُهمّة أو أنها أسئلة تترفع عن الإجابة، لكني أقصد أن عددا منها مُتَأَثَّر دُون قَصْد بافتراضات أو مُسَلَّمَات مُستوردة من ثقافات وتصورات عن الإله بعيدة غاية البعد عن صفات الإله في النموذج المعرفي الإسلامي بوجه خاص.

كان من هذه الأسئلة: لماذا خلقنا الله وأوجدنا في هذا الدنيا؟ ولم يكن المقصود من السؤال البحث عن مُراد الله من الخلق ومعرفة وظيفة الإنسان في الدنيا ليحققوا رضاه وينالوا السَّعادة التي وعدهم بها، فهذا سؤال طبيعي ومفهوم؛ إذ هو السؤال الذي جاءت جميع الرسالات والشرائع للإجابة عليه على مدار رحلة الأنبياء في هذه الدنيا، لكنَّ السَّائلِة الكريمة كانت متشوِّقَة لمعرفة ما يمكن أن نُسمِّـيــه: «الدوافع النفسية» عند الإله والتي اقتضت أن يَخْلُقَ الخَلْق، كانت ألفاظ السؤال: «ليه ربنا خلق الأرض والسما والإنسان والجنة والنار؟ ليه عمل كل ده؟»، ثم استطردت: «لما بسمع إجابات من نوعية خلقنا عشان نعمّر الأرض، بشوف إنها إجابات غير مقنعة لأن ربنا يقدر يعمّر الأرض من غيرنا»، ثم أخذ أحد الحاضرين طرف سؤالها واستكمل مُستنكرًا: «صحيح ليه كل الدراما دي» ؟؟!! ثم عَقّبت إحدى الحاضرات: «It looks like a game واحنا مخلوقين غصب عننا وربنا هيحاسبنا غصب عننا، طب أنا مش عايزة اتخلق ومش عايزة أتحاسب على خير أو شر، ليه بقا مخدش رأيي قبل ما يخلقني؟ ومين بقا المفروض يحاسب التاني؟».

 هذه الأسئلة وغيرها –وهي أسئلة عميقة ومُهمّة ومشروعة – نشأَت عند غالبنا بسبب افتراض مُسلّمات عن حقيقة الإله وصفاته تأثرنا بها من عقائد وأفكار أخرى بعضها قديم وبعضها حديث يمكن أن نُلخّصها في فكرتين: إحداهما ما يُسَمَّى بـ: “أنسنة الإله” أو “Anthropomorphism” والثانية: ما يمكن أن نُسميه: “تأليه الإنسان”.

أما أنسنة الإله أو إضفاء كثير من الصفات البشرية والجسدية عليه فهي فكرة لها جذور قديمة في أغلب العقائد والأديان غير السماوية وبعض الأديان التي لها أصل سماوي،  فظهرت بشكل واضح في عقائد قدماء اليونان عند آلهة جبال الأوليمب، فهناك الجميلة أفروديت إلهة الحب والجمال التي عشقت أدونيس، وهناك أبوللو إله الشمس الذي يمسك القوس والسّهام ومعهم زيوس إله الآلهة وإله الرعد والبرق والسماء الذي له ما يزيد عن مائة زوجة وأكثر من مائة وأربعين ولدا، فآلهة اليونان كانت آلهة تحركها دوافع الشهوة والرغبة والانتقام والعشق والغيرة تماما مثل أي إنسان متهوّر لا يستطيع أن يُقيِّد تصرفاته بلجام العقل أو الأخلاق، كما كان الاعتقاد في تشبيه الإله بالإنسان واضحا عند اليهود فالخالق عندهم خلق السماوات والأرض ثم استراح في اليوم السابع، والله عندهم يمشي في الجنة ويجلس على العرش كما يجلس الملك على كرسيه ويصارع بعض خلقه في الأرض، وهم الذين طلبوا من نبيهم موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهًا من صنم لمَّا أَتَوْا على قوم يَعْكِفُون على أصنام لهم، وكثر التشبيه في الأمم السابقة لأن النفس البشرية تميل إلى أنسنة جميع الموجودات من حولها حتى يَسْهُل عليها فهمها، والطبع البشري يأنسُ بالمحسوسات بحكم جريان العادة فيقضي الوهم لغير المحسوس بمثل ما ألِفَه في المحسوس كما يقول الإمام الغزالي.

ولذلك كان أول ما نزل من القرآن المكي ما يدعو إلى تنزيه الخالق ونفي التشبيه عنه ونزع الصفات البشرية التي ألصقها به وثنيو قريش والعرب من جهة أو اليهود والأمم السابقة من جهة، فجاء يقول: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74] أي لا تشبهوه بالمخلوقين، ويقول في سورة مريم: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] أي مثلا أو شبها، وجاء أيضا يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وجاء يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} أي ما أصابنا من تعب [ق: 38] وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] أي ليس له شبيه أو مثيل.

وكان أوّل ما تعلمناه في دراستنا لعلم الكلام أن الله لا شبيه له في ذاته أو صفاته أو أفعاله، ونفي التشبيه في الصفات معناه أنه ليس هناك اشتراك بين الخالق والمخلوق في أسمائه أو صفاته إلا الاشتراك اللفظي في التسمية فقط، وكذلك أفعاله ليس لها دوافع تُلجِئه أو بواعث تقهره فكل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك.

فمن يسأل عن «الدوافع النفسية» و«المصلحة» و«الفائدة» التي سيجنيها الإله من أفعاله؛ أو من يتصور أن الحياة الدنيا هي مجرد لعبة شبيهة بألعاب الـ Video Game صنعها الإله ليتسَلَّى بها ويَدْفَع عن نفسه المَلل والضَّجَر لم يستطع أن يفارق التصوَّر القديم للإله الذي يُجاري الإنسان في رغباته، ويتحرك بنفس دوافعه، ويفعل ليحصّل لنفسه فائدة وكمالا أو يدفع عن نفسه ضررا، فهذا صورة لإله صَنَعَهُ وَهْم الإنسان، وليس هو الإله الحق الذي يقول: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] وليس هو الإله الذي يقول: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17)} [الأنبياء: 16، 17] ومعلوم أن حرف “لو” في اللغة العربية هو حرف امتناع لامتناع أي يستحيل على الله أن يتخذ لهوا لأن ذلك لا يتصور في حق الإله المنزه عن أوصاف البشر.

كذلك ليس معنى نفي الأغراض والدوافع النفسية في أفعال الله أنه –سبحانه وتعالى –غير موصوف بالحكمة، لأن الحكمة في أفعاله هي المصالح والمنافع العائدة على المخلوق لا عليه، فكل فعل من أفعاله في السماوات والأرض أو في نفس الإنسان دالٌ عليه ومُوصّل إليه، ومن أيقن بهذا المعنى انفتح له من الأسرار والمعاني ما تجعله يرى الله في الشدة والابتلاء والشر كما يراه في النعمة والرخاء.

في كتابه: “الله موجود، أدلة فلسفية” يقول الفيلسوف الفرنسي فريدريك غيو ص188: «من المحال بالفعل صياغة فرضية إله “جشع” أو “شهواني” إذ أن هذه العيوب لا يمكن أن تمس بحكم تعريفها إلا كائنات ذات جسد تحركها الرغبة في الخيرات المادية، ويحكم طبع الإنسان أيضا سلسة كاملة من الرغبات التي تؤدي به إلى أسوأ الاختلالات مثل الخوف من الموت، شهوة التملك، شهوة التحكم، أما الإله فلا يسري عليه كل ذلك لسبب بسيط وهو أنه لا نهائي، يملك كل شيء ويحكم كل شيء، إذ أنه خالق وغير مخلوق، لا شيء يقوده إلى كل هذه الشرور التي يفسرها ضعف الإنسان ونقصه».

وأما الفكرة الغريبة الثانية وهي فكرة تأليه الإنسان فهي الدافع النفسي والثقافي لسؤال السائل: “ليه ربنا مستأذنيش قبل ما يخلقني وليه مخيرنيش قبل ما يكلفني”؟ ونحن قد تعلمنا أثناء دراسة الفلسفة إن السؤال إذا توَّجه بطريقة صحيحة فإنه يساوي نصف والمعرفة؛ ويَبدو في هذا السؤال مجموعة من التناقضات الداخلية؛ أوضحها: افتراض أن الإنسان نِدُّ مُكَافئ لِلإله فِي الرُّتْبة وأن هناك عقد شراكة أو اتفاقا ضمنيا بين الله والإنسان ألا يمضي أحدهما قرارا دون مشورة الآخر واستئذانه، وهذا فَرضٌ مُتنافٍ بشدة ووضوح مع الاعتراف بألوهية الخالق واختلافه في الحقيقة والرُّتبة والصفات عن المخلوق، وهذه الإشكالية قد تعاظمت عند أغلبنا وأغلب البشر في هذا العَصْر الذي تموج فيه ثقافة الفردانية Individualism والإنسانوية  Humanism وتعزيز الثقافة الدَّاعية إلى حُرية الإنسان في جميع قراراته وعدم تقييده بقيود الدين أو الأسرة أو المجتمع، وأصبحت المنفعة الشخصية والبرجماتية هي الإطار الذي تدور حوله الثقافة العالمية اليوم، ومع شعور الإنسان بقدرته على السيطرة على الطبيعة وفهم ألغاز الكون منذ بدايات عصر النهضة ؛ شُرْعِن العلم باعتباره الدين الجديد، واعتُبر التنوير تعبيرا عن فكرة التقدم وأضحى الهدف منه تحرير الإنسان من الخوف وجعله سَيِّدًا، السِّيد الحقيقي للكون بعد موت الإلهْ، وانتشرت نزعة الأنسنة في كل شيء، في الأخلاق وفي السياسة والاجتماع وغيرها، ثُمّ صارت إرادة الإنسان لا إرادة الرب هي المصدر المعترف به لتحسين العالم وتحرير البشرية الصاعد[1]، وشكلت اللاءات الأربعة الصورة النهائية المتطرفة للنزعة الإنسانية المغالية وهي « لا سلطة فوق الذات، لا قيم أخلاقية إلا من خلال منافع الذات، لا سعادة إلا من خلال إشباع الذات، لا حقيقة إلا من خلال معرفة الذات».

وبالرغم من كون أكثر الذين تربوا في البيئات المتدينة والإسلامية لا يُقرون بأكثر هذه الأفكار إلا أن أكثرنا كما قلت تشبع -فكريا وسلوكيا -ببعض هذه الفلسفات أو بفحواها دون وعي خاصة مع تأكيد قيم الثقافة الرأسمالية باستمرار على معنى Be yourself وتوجيه الفَرد إلى إشباع جميع احتياجاته النفسية على الدوام عبر ثقافة الاستهلاك والهيمنة، فأصبح كثير منا نرفض –لا إراديا -أيَّ توجيه أو إلزام خارجي ما لم يُعد علينا بمنفعة مباشرة، فانتشرت ثقافة رفض النصيحة من الآخرين لأنها ضد الذاتية والحرية الإنسانية، كما وُضِعت كثير من الأوامر الدينية على الهامش بحجة أنها لا ترجع بفائدة ماديّة مباشرة على النفس أو لا تُلبي حاجة من حاجات الإنسان.

وهذه النظرة التأليهية للإنسان، والتي تجعله نِدّا للرب سبب مباشر في تصور بعض صفات النقص عند الإله عند النظر لبعض أفعاله التي لا تتماشى مع نظرة الإنسان لنفسه كَسيِّد، فيظن بعضنا أن الله يعاقِب إرضاء لشهوة الغضب، أو يمنع عن الناس الرزق من منطلق الحرص أو الجشع أو يبتلي الخلق لوجود نزعة الشر عنده –تعالى الله عن ذلك عُلوًا كبيرا.

 وإشارة إلى هذا المعنى يقول فريدريك غيو في كتابه: الله موجود ص 199 : «يؤول بنا الحال إلى فهم أن وجود الشر والكره والحسد والعداوة والغرور والاحتقار والإهانة فينا ونحن معرضون لها لكوننا كائنات يعتبر النقص جزءا من تكوينها فهناك كائنات أدنى منا وأخرى أعلى منا وأخرى معادلة لنا، وفي كل هذه الوضعيات لا نعرف كيف نُبْرِزُ ذَوَاتنا بالشكل الصحيح، أما الواجب فلا يعاني من كل هذا، وإذا كان أصل الشر يقع في رفض الكائن التابع وضعيته ككائن تابع كما في اللاهوت فإن جوهر خطيئة الشيطان وكل البشر بعده هو رغبتهم أن يكونوا مثل الآلهة –ألا أن الله لا ينطبق عليه كل ذلك». اهـ

_________________________________________
[1] ريتشارد تارناس. آلام العقل الغربي ص 385

أشترك الأن

Pin It on Pinterest

Share This