د.عزة رمضان العابدة

مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر

أتذكر ذلك اليوم حين عادت ابنتي من المدرسة وهي في سن الخامسة، لتروي لي ما حدث في يومها كما هي عادتها، وكان من ضمن ما حكته ذلك الحديث الذي دار بينهم في الفصل في حصة التربية الإسلامية عن وجود الله عز وجل وأين هو؟ ولماذا لا نراه؟ إلى آخر تلك الأسئلة التي يطرحها الأطفال في هذا السن بشكل بسيط.
لفت انتباهي في هذا الحوار طريقة تفكير ابنتي، وردّها على زميلاتها نيابة عن معلمتها، مما دعا المعلمة إلى التواصل معي، وسؤالى عن طريقة التعامل معها، خاصة فيما يتعلق بالتربية الإيمانية، نعم ربما يرجع هذا إلى تأثرها بي وبمجال تخصصي وعملي، من خلال حديثنا اليومي، ومحاولة إيجاد تفسير منطقي مقبول لكثير مما يحدث حولنا، لكن ما حرصت على فعله منذ البداية معها ومع أخيها، هو محاولة ربط كل التفاصيل والجزئيات الصغيرة، ووضعها في إطار التصور الإسلامي للكون والحياة، فالتربية في الرؤية الإسلامية ليست مجرد تخريج جيل وقوى بالمعنى المادي وفقط، يأكل ويشرب ويدرس ليعمل ويتزوج لينجب أطفالًا وهكذا، فيكون شخصًا متمركزًا حول ذاته ورغباته فقط، وإنما لا بد أن يكون واعيًا بمراد الله من وجوده، حتى يستطيع تحقيق رسالته في الحياة، ونقلها إلى من بعده.

إن التصور الإسلامي للحياة تصور كلّي يتعدّى حدود الفرد – وإن كان يهتم به – إلى المجموع، ثم تتسع دائرة التصور لتشمل العالم أجمع، والحياة بمعناها الممتد؛ الدنيوية والأخروية، ومعلوم أن الطفل بمجرد بلوغه يلزمه معرفة أركان الاسلام، وأركان الايمان وشعبه، أي معرفة ما يجب عليه تجاه ربه وتجاه نفسه ومن حوله وما حوله، لكن هل سيحدث ذلك فجأة في لحظة بلوغه؟

الإجابة: بالطبع لا، لأنه لن يكون من السهل إحداث هذا التحول المفاجئ، وتحميله بكل هذه المعارف والواجبات دفعة واحدة، لذا كان لا بد من البناء الإيماني المتدرج الذي يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة، من خلال الحوار معهم والاستماع اليهم باهتمام، والأهم محاولة الإجابة عن أسئلتهم مما كثرت وتسلسلت، لأن كثرة التساؤل ظاهرة صحية نابعة من حب الاستطلاع. فلو لاحظنا سنجد أن لماذا وكيف هما أكثر الكلمات التي تترد على ألسنتهم، مع بداية وعيهم وانفتاحهم على العالم الخارجي ومكوناته، خاصة مع  الخروج إلى الروضة، والاختلاط بأشخاص مختلفين خارج إطار الاسرة، فيبدأون في سلسلة من الأسئلة لا تنتهي. وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على الشغف المعرفي لديهم، ورغبتهم في استكشاف العالم من حولهم. ضمن هذه السلسة تأتي الأسئلة التي تتعلق بالإله الخالق، لأنها فطرية ومغروسة فينا، بسبب تلك النفخة الربانية الموجودة بداخلنا، نعم قد يعبّرون عنها بطريقة ساذجة، لكن لا ينبغي أن تقلل هذه السذاجة من اهتمامنا بهذا النوع من الأسئلة، بل وتشجيعهم على الاستمرار في التفكير وطرح المزيد منها. مع محاولة فهم الدوافع الأخرى للسؤال، فقد يكون بسبب الخوف أو القلق من أشياء لم يكن له خبرة بها، أو قد تكون من أجل التمرد، أو  بهدف اختبارًا لمعرفة الأبوين.

لذا من الواجب أن يبادر  الأبوان بطرح الأسئلة عليهم، ولفت نظرهم الى المعاني الإيمانية، مع أمثلة بسيطة، بهدف ربطهم بالله عز وجل، ثم التدرج معهم حسب مستواهم العقلي وقدرتهم على الاستيعاب، فنبدأ معهم مع بدايات النطق وتعلم الكلام، ليكون لفظ الجلالة الله دائمًا على ألسنتهم، وربط ذلك بلحظات الفرح والسرور لديهم، كأن يشتري الأب لعبة للطفل، فيخبره بأن الله هو من رزقه الأموال التي اشترى بها هذه اللعبة، وعلينا إذن أن نحمده ونشكره وهكذا،  فنجعلهم يدخلون على الله تعالى من باب شكر نعمه الكثيرة علينا، من أول اللقمة واللعبة إلى السماء والشمس والمطر. خاصة ان الأطفال في هذه السن عبارة عن صفحة بيضاء، لديهم من الوسائل ما يفهمون ويتعلمون بها، كما يخبرنا الله عز وجل في كتابه الكريم: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}.

هنا تأتي مسئولية الأب والأم والأسرة كلها في الحرص على تقديم معلومات وإجابات صحيحة دون تسرع او استخفاف حيث إننا نجد في بعض الأحوال التي يكون فيها الأب أو الأم أو كلاهما مشغولًا، ويريد أن يقطع الحديث على ابنه فيعطيه أي اجابة ليسكته، كأن يسألَ الطفل أمه مثلا: كيف جئتُ إلى الدنيا؟

الحقيقة أن هذه فرصة جيدة يجب على الأم استثمارها، حيث إن الطفل في هذه الحالة يكون شديد التركيز والإنصات، لأنه هو من يسأل ويريد أن يحصل على إجابة لسؤاله، فينبغي عندئذ أن تبدأ الام بإخباره أنه جاء بعد حمله فيه، وبعد أن ظل في بطنها فترة من الزمن، ثم خرج الى الدنيا عن طريق عملية جراحية أو غيره، وأن الله هو الذي خلقه في بطنها، لذا يجب علينا أن نشكره، وإذا كان أكبر سنا فسيكون من المناسب أن نذكر له قصة خلق سيدنا آدم، وكيف بدأت الحياة على هذه الأرض، ولماذا خلقنا الله تعالى وهكذا.

لكننا في الواقع نجد بعض الأمهات تستخف بعقول أبنائها، فنرى إحداهن تخبره بأنها وضعت بعض السكر تحت السجَّادة، فوجدته قد  جاء عليها، والذي حدث بعد ذلك أن الطفل – ببراءة – وضع بعض السكَّر على السجادة، فلما رأى بعض الحشرات عليها فرح بها، ولما قتلتها أُمُّه؛ لتنظف المكان، صرخ وبكى، قائلاً لها: كيف تقتلين أولادي؟!

هذا النمط من الإجابات، وإن كان سهلًا ومريحًا للأم في هذه اللحظة، إلا أنه يترك انطباعات سيئة لدى الطفل، سواء على المستوى العقلى أو النفسي، مما يساهم في تنشئة جيل إما ساذج ليس لديه أدنى معرفة صحيحة بدينه ولا بالغاية من وجوده، أو جيل لا يثق بنفسه ولا بمن حوله، لأنه لم يجد من يعطيه الإجابات الصحيحة لما يرد في ذهنه من أسئلة.
لذا لا بد من البحث عن الإجابات التي تتناسب مع عقولهم، وفي نفس الوقت تشبع نهمهم المعرفي وتلبي حاجتهم العقلية، وتساعد كذلك في بنائهم إيمانيا ودينيًا، مع الحرص على تعليمهم المبادئ الأساسية للتفكير النقدي وقواعده، بهدف فلترة ما يُعرض عليهم، فالأطفال عادة يتوجَّهون إلى من هم في مثل عُمرهم، أو إلى مواقع التواصل، أو أي وسيلة من وسائل الإعلام غير الموثوقة، فيأخذون منها ما يشاءون من معلومات مغلوطة، وأفكار مشبوهة، والأمر أخطر عندما يتعلق الأمر بالدين والعقيدةُ، خاصة في ظل الانفتاح وكثرة روافد المعرفة.

نعم قد لا يستوعب الطفل حقيقة العقيدة والإيمان، لكن عقله يقوم بتخزين هذه المعلومات ويستخدمها حسب حاجته بعد ذلك، لذا لا بد من وضع البذرة ورعايتها والتدرج في تربيتها والترغيب فيما عند الله من الثواب والعطاء حتى يعظم حب الله في قلبه فتزداد صلته به ويقبل بعد ذلك على عبادته.
بالإضافة إلى أن شعوره بأن هناك إجابات منطقية مقنعة عن الله والدين يطمئنه ويزيد ثقته بنفسه وعقيدته وانتمائه. كذلك لفت نظره إلى مواطن الجمال في الكون، وحسن صنع الله في الكائنات من حوله، مع شرح بسيط لسنن الله في خلقه، وكيف أن هذا الكون يسير وفق قوانين وضعها الله فيه، مثل قانون السببية مثلا، ومفاده: أن كل شئ يحدث لا بد له من سبب، فأي عاقل يستطيع أن يدرك انه ليس هناك ما يحدث صدفة أو من تلقاء نفسه، مع ضرب بعض الأمثلة البسيطة على ذلك، مثل نبات يقوم بزرعه ورعايته كيف نبت ونما؟ أو رسوم أو أي نشاط يؤديه، والتدرج من فكرة بسيطة لديه حتى نصل إلى قانون كلي أو مبدأ عام أو سنة كونية.

في النهاية أود التأكيد على أهمية ضبط التصورات الكلية الأساسية لدى الطفل عن الله وعن الإسلام وأركانه، وكذلك الإيمان وشُعبه بشكل مبسط منذ البداية، مع ضرورة  تقديم الإجابات المناسبة له، الأمر الذي يتطلب أن يكون لدى الأبوين الحد الأدنى من الثقافة الإسلامية حتى يتمكنا من تربية أولادهم تربية إيمانية، تثمر فيها معرفة الله وحبه وحب دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم فيحدث لهم التوازن الجسدي والعقلي والنفسي، ومن ثم ينطلقون في حياتهم بعد ذلك منتجين ومبدعين ومحققين لمراد الله فيه، وقبل ذلك كله لا بد الاستعانة بالله والصبر عليهم والدعاء لهم بأن يهديهم الله لما يحبه ويرضاه.