عالمية الرسالة المحمدية

السؤال

ما رأيكم فيمن يقول إن النبي محمد بعث للعرب فقط، وأن من لا يتحدث العربية غير مكلف باتباع النبي، ويستدل بقول الله: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)، وقوله: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين )، وقوله: (لتنذر أم القرى ومن حولها)، كما يقول إن اختلاف الناس في الدين من غايات الخلق، وأن الله لو جعل الرسالة عالمية فسيجتمع الناس كلهم على أمة واحدة وذلك غير مراد لله لأن الله يقول: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم). كما أن القرآن قد أرسل كل رسول بلسان قومه، وكذلك النبي وهو لا يختلف عن الرسل السابقين بحسب قول الله : (ما كنت بدعا من الرسل).

الإجابة

القول بأن الرسالة المحمدية ورسالة الإسلام محلية خـــاصّة بالعرب دون غيرهم من الأعاجم- هي مقالة لم يقُل بها إلا طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية: أتباع رجل ظهر في زمن المنصور من بني أمية اسمه: أبو عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، ذهب إلى أن رسالة النبي خاصة بالعرب فقط، وليست عامة لجميع الناس ولا لبني إسرائيل، وأن الشريعة المحمدية ليست ناسخة للتوارة، وقد دلت قواطع الكتاب والسنة والعلم الضروري المتلقى بالتواتر عن النبي وصحابته وعمل الأمة على نقيض ذلك  .

تمييز الرسالة المحمدية بكونها خاتمة وباقية ومهيمنة.

امتازت الرسالة المحمدية عن الرسالات السابقة بعدة أمور لا خلاف عليها، أهمها : أنها رسالة خاتمة لكل الرسالات والشرائع السابقة، وأنها حلقة الوصل الأخيرة بين الأرض والسماء، {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] واستتبع ذلك أمرا واضحا وهو أن المعجزة الدالة على صدق نبينا عليه الصلاة والسلام لابد أن تكون مختلفةً عن جنس المعجزات السابقة التي أُيـّـد بها الرسل السابقون، فالمعجزات السابقة معجزات حسية وزمنية تنتهي بوقوعها، وتكون حجة على من رآها أما معجزة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم فهي معجزة عقلية باقية غير زمنية، ويمكن لمن شاء أن يطلع عليها، ولذا فقد تكفل الله بحفظها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ولو كانت معجزة النبي الخاتم من جنس المعجزات الحسّية الوقتية لربما تعلل شخص ما بأنه لم يرها أو ربما تعلل بأنها من جنس الخيالات والسحر، كما قال الله {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ } [الحجر: 14، 15] ، لذلك فمعجزتنا مقروءة معقولة، وكان أول ما نزل منها : “اقرأ” لبيان هذا المعنى، وكذلك استلزم أن تختص شريعته ومنهاجه بأمر زائد وهو صلاحيتها لكل الأمكنة والأعصار حتى قيام الساعة .

ولذلك قد فرق الله بين معجزة كل نبي وكتابه الذي حوى شريعته وجمعهما لسيدنا محمد فقط، فنبي الله موسى معجزته العصا وشق البحر وغيرها بينما كتابه المحتوي على شريعته هو التوراة، وسيدنا عيسى كانت معجزته إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وكتابه الإنجيل، لكن كانت المعجزة المحمدية هي عين الكتاب الموحى به إليه ليحفظ الوحي المعجزة، وتظل المعجزة باقيا ببقاء الوحي وحفظ الله له.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». رواه البخاري ومسلم.

فهناك اشتراك بين الأنبياء والرسل في أمور ، وهناك تمايز بينهم في أمور أخرى قد اختص بها بعضهم {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } [البقرة: 253]، وهذه أولى صور الفصل؛ أي فصل الخصائص النبوية عن الخطاب ، فلا يجوز حينئذ أن يقال إن النبي لا يختلف عمن سبقه من المرسلين وأنه {مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ } [الأحقاف: 9] فدلالة الآية أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أول الرسل التي أرسلها الله إلى خلقه، فمن بدع في الأمر أي كان فيه أوّل، وأوجه الاختلاف كثيرة بين نبينا عليه الصلاة والسلام وبين السابقين عليه من رسل الله.

والرسالة المحمدية أيضا حاكمة ومهيمنة وناسخة لما قبلها من الشرائع والرسالات، قال الله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 70] وقال سبحانه : {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] وقال أيضا: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَاب} [المائدة: 15] ، وقال : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} [المائدة: 19]، وقال : وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } [المائدة: 48].

والشرائع السابقة قد ظهرت في أمم وعصور كان نمط الحياة فيه بطيئا، وتواصل الأمم والحضارات من أقاصي الأرض إلى أقصاها يحتاج إلى سنوات متطاولة مديدة،  وكانت العزلة بين الشعوب والأمم قوية ولذلك أرسل الله في بعض العصور أكثر من نبي في زمن واحد كما حدث مع سيدنا إبراهيم وسيدنا لوط، لأن آفات ومشكلات الأمم مختلفة، وعاداتهم وأنظمتهم متباينة، أما وقد علم الله أزلا أن الزمان سيستدير ويتقارب الوقت، ويتسارع الاتصال بين شعوب آخر الزمان في العالم فكانت الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات والشرائع إلى قيام الساعة، وكانت أيضا حاكمة وناسخة لما قبلها من الشرائع ، وكونها مختصة بما ذكرناه من الخصائص يقتضي أنها عامة لجميع الخلق من أهل الكتب السابقة أو من المشركين، عربهم وعجمهم لا اختلاف في ذلك.

الفصل الثاني: دلالة مجموع آيات القرآن قاطعة على عالمية الرسالة المحمدية

ذكر في القرآن الكريم مواضع كثيرة تزيد على المائتين تدل دلالة واضحة على عالمية الرسالة لجميع البشر دون استثناء، فالوحي القرآني تعددت صور مخاطبته لأمة الدعوة وأمة الإجابة، فكثيرا ما يتلو: { يَا بَنِي آدَمَ} ، و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، ولم يرد الخطاب في آيِات القرآن موجها للعرب مثلا بتكليف أو توجيه فيقول : “يا معشر العرب”.

ومن الآيات القطعية الدلالة على عموم الرسالة قوله سبحانه: { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [يوسف: 104] ، وقوله تعالى : {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] وتأكيده على ذلك مرة أخرى: { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } [ص: 87]، ودلالة لفظ العالمين شامل لكل مخلوق من الإنس والجن، وكذلك وقع التحدي بالقرآن الكريم لكل الإنس والجن في قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء: 88]، وذلك دال على أن جميع الإنس والجن مكلفون باتباع الرسالة المحمدية بلا استثناء.

ثم يرد التأكيد في أكثر من موضع في القرآن الكريم على أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى جميع الناس بلا استثناء كما في قوله :  {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] وفي قوله : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] ، ويتضح من هاتين الآتين حرص القرآن على تأكيد عموم هذه الرسالة كي لا يدعي أحد ما بعد ذلك أن لفظ الناس من العام المراد به الخصوص، فجاء التأكيد بلفظتي “جميعا” و “كافة” حسما للجدل وتأكيدا على شرف الرسالة المحمدية. ولو تدبرنا خطاب السابقين من الأنبياء لوجدنا التصريح والإشارة إلى أنهم مرسلون إلى قومهم بخصوص، كما في قول الله في حق سيدنا موسى :  {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف: 5]، وكما قال في حق سيدنا عيسى {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف: 6] ، وقال في حق نبي الله نوح {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [يونس: 71]، وقال عن لوط عليه السلام : {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54]، وقال في حق سيدنا إبراهيم {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [العنكبوت: 16]، {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ} [الصافات: 123، 124]، لكن في حق رسولا لله صلى الله عليه وسلم لم يخصص بعثته بقوم مخصوصين بل قال في حقه : {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79].

ثم إن القرآن الكريم قد خاطب أهل الكتاب يأمرهم بالإيمان واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر بعموم من يصدق عليهم وصف أهل الكتاب، بلا تفرقة بين العرب منهم والعجم، فقال سبحانه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] ، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } [آل عمران: 70] ، {يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71]، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171] ، وكذلك قوله تعالى{يا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} [المائدة: 19].

وهذه الآية دالة دلالة قاطعة على أن أهل الكتاب مكلفون باتباع رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به وتصديقه، ولا فرق في ذلك بين كونهم عربا أو غير من غير العرب، إذ علّة توجيه الخطاب لهم أن الشريعة المحمدية ناسخة لما قبلها من الشرائع والأحكام ، وأنهم بدلوا وحرفوا ما جاءتهم به رسلهم ، وذلك عامّ بلا اختلاف في جنس أو لون أو لسان.

ومن هذه الآيات أيضا قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } [الأنعام: 19] فمعنى قوله تعالى : {ومن بلغ} أي من بلغه القرآن من سائر الناس غيركم وبعدكم إلى يوم لقيامة، فمن بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي تفسير الطبري عن مجاهد (11/ 291) «أنه قال في قوله :”وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به”، العرب =”ومن بلغ”، العجم».

قال الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار (9/ 255) «قوله: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ  أي وأنذر به كل من بلغه من الثقلين، فمن قال إنه يؤمن برسالته إلى العرب خاصة لا يعتد بإيمانه ; لأنه مكذب لهذه النصوص العامة القطعية مما جاء به، وما في معناها كقوله تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (25: 1) وقوله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  وهو يشمل عقلاء الجن. وفي هذا المعنى أحاديث صحيحة ناطقة باختصاصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لرسالة العامة كحديث جابر في الصحيحين وغيرهما». اهـ

الفصل الثالث: عالمية الرسالة أمر متواتر معنويا عن النبي بصورة تفيد العلم الضروري.

كثيرا ما يعرض بعض الباحثين عن الاستدلال بالسنة النبوية أو بالآثار في أصول الدين بدعوى أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، والاستدلال بها ضعيف في قضايا العقيدة الكبرى، والحقيقة أننا وإن كنا نقرّ بأن خبر الواحد يفيد الظن ، إلا أننا نقول أن هذه القضية لم تعرف بخبر الآحاد، بل هي من الأمور المنقولة إلينا تواترا بالمعنى بحيث أفادت جماهير المسلمين خاصتهم وعامتهم العلم الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر واستدلال على كون الرسالة المحمدية خاتمة وعامة بكل البشر على اختلاف أجناسهم وأنواعهم ولغاتهم.

والمقصود بالمتواتر المعنوي هو الخبر المستفاد من مجموع أحاديث وأفعال وتقريرات كثيرة جدا لها نفس المعنى وتدل على قضية واحدة بدلالة قاطعة بحيث تفيد العلم الضروري من غير التفات النفس إلى البحث عن دليل شرعي خاص بها.

ومن أمثلة هذا المتواتر المعنوي أمر النبي للمؤمنين بأداء الصلوات الخمس في اليوم والليلة، فليس هناك لفظ مخصوص قد تواتر لفظه من القرآن أو في السنة النبوية يفيد بأن الله قد فرض خمس صلوات على المؤمنين، وإنما هذا الحكم قد تواتر معناه، فإنه مستفاد من أحاديث كثيرة جدا كل منها يدل على ذلك المعنى من غير اتفاق في لفظ الحديث وصيغته. وكذلك يستفاد التواتر المعنوي من إطباق الأمة كلها على العمل بحكم ما في أجيال متعاقبة من غير نكير.

وقضية عالمية الرسالة المحمدية ووجوب مخاطبة العرب وغير العرب بها ودعوتهم إليها من قبيل المتواتر معنويا وعمليا بحيث دلت نصوص السنة النبوية وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وإطباق الأمة جيلا بعد جيل على الإقرار به والعمل بمقتضاه.

والحقيقة أن هذا التواتر المعنوي وإطباق الإمة كلها على العمل به من حيث دعوة غير المسلمين إلى الإيمان وإقامة الحجج عليهم بالبرهان- أقطع في الدلالة على المعنى من مجرد اللفظ المتواتر لفظا في القرآن أو السنة، لأن المقطوع بثبوت لفظه قد يختلف حول دلالته فتكون ظنية بخلاف هذا المتواتر المعنوي فإنه قطعي الدلالة.

قال إمام الحرمين الجويني في الشامل في أصول الدين : «فإن قال قائل: فما دليلكم على أنه كان مبعوثا إلى كافة الإنس والجن؟ قلنا: من اعترف بنبوته وأقر بوجوب صدق لهجته واستسلم لقضية معجزته فثبت ما ترومه من بعثته إلى الكافة يثبت على الفور، وذلك أنا نعلم ضرورة وبديهة أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان تعلق دعوته لمن على بسيط الأرض ولا يخصصها بقوم دون قوم وهذا مما نقل تواترا منه كما نقل أنه كان يأمر بالصلوات الخمس». اهـ

وقال رحمه الله في الإرشاد في الرد على العيسوية «وقد علمنا ضرورة أنه – صلى الله عليه وسلم – ادعى كونه مبعوثا إلى الثقلين». اهـ

وقال الإمام تقي الدين السبكي في فتاويه (2/ 621) بعد أن نقل كلام الجويني «وما قاله الإمام صحيح؛ لأنا نعلم قطعا بالنقل المتواتر المفيد للضرورة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – ادعى الرسالة مطلقة ولم يقيدها بقبيلة ولا طائفة ولا إنس ولا جن فهي عامة لكل من هو على بسيط الأرض». اهـ

وقال السبكي أيضا : «لكني أنبه هنا على شيء وهو أن المعلوم بالضرورة من الشرع قسمان: أحدهما يعرفه الخاص والعام، والثاني: قد يخفى على بعض العوام، ولا ينافي هذا قولنا: إنه معلوم بالضرورة؛ لأن المراد أن من مارس الشريعة وعلم منها ما يحصل به العلم الضروري بذلك وهذا قد يحصل لبعض الناس دون بعض بحسب الممارسة وكثرتها أو قلتها أو عدمها فالقسم الأول من أنكره العوام أو الخواص فقد كفر؛ لأنه مكذب للنبي – صلى الله عليه وسلم – في خبره، ومن هذا القسم إنكار وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها وتخصيص رسالته ببعض الإنس، فمن قال ذلك فلا شك في كفره وإن اعترف بأنه رسول إليه لأن عموم رسالته إلى جميع الإنس مما يعلمه الخواص والعوام بالضرورة من الدين».

وقال الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية (3/259) : «معلومٌ بالضرورة من الدين أن شريعة الإسلام جاءت شريعة عامةً داعيةً جميع البشر إلى اتباعها، لأنها لما كانت خاتمة الشرائع استلزم ذلك عمومها – لا محالة – سائرَ أقطار المعمورة، وفي سائر أزمنة هذا العالم، والأدلة على ذلك كثيرة من نصوص القرآن والسنة الصحيحة، بحيث بلغت مبلغ التواتر المعنوي». اهـ

فقضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرسلا إلى جميع الخلق على اختلاف أجناسهم ولغاتهم قد استقرت في وجدان المسلمين عقيدة وعملا بشكل ضروري لكثرة أدلته وقطعية دلالتها حتى صار طلب دليل مخصوص لها أمرٌ غريب ، وشأنها كمن طلب من عوامِّ المسلمين دليلا من القرآن أو السنة على أن الصلوات المفروضة في الإسلام خمس صلوات، فربما لا يستحضر العامي دليلا مخصوصا على ذلك، لأن أعداد الصلوات المفروضة لم يرد في القرآن، وهو بعينه نفس ما يقال عن عالمية الإسلام وعموم مخاطبته للعالمين من العرب وغيرهم، كما يفهم من كلام العلماء الذين نقلنا أقوالهم.

الأحاديث المتواترة المستفيضة في عموم الرسالة المحمدية لكل الخلائق عربا وعجما

وعلى سبيل التمثيل لا الحصر فإننا نورد بعضا من هذه الأحاديث والأخبار الصحيحة المستفاد منها ذلك العلم الضروري ومنها:

1- حديث «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». وهذا الحديث نص الإمام السيوطي في الأزهار المتناثرة والكتاني في نظم المتناثر أنه من الأحاديث المتواترة ، فقد جاء هذا الحديث من طريق عشرة من الصحابة وهم (1) جابر بن عبد الله (2) وأبي هريرة (3) وعلي (4) وابن عباس (5) وابن عمرو (6) وأبي ذر (7) وأبي موسى (8) وابن عمر (9) والسائب بن يزيد (10) وأبي سعيد الخدري. وقد رواه البخاري ومسلم وابن حبان والنسائي وأحمد والبيهقي وغيرهم.

– ولفظه عند مسلم «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». رواه مسلم والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم. ودلالته واضحة على ما ذكرناه من قبل بتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته بما لم يكن للرسالات السابقة وأهمها قضية القومية والعالمية.

ولفظه عند الدارمي في السنن وأحمد وابن حبان «بعثت إلى الأحمر والأسود». أي العرب والعجم

2- حديث «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» رواه مسلم وأحمد في مسنده وغيرهما. والخطاب عــــام لجميع اليهود النصارى.

3- وروى الإمام أحمد في مسنده مرفوعًا: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل” وفي لفظ مسلم: “من أهل الكتاب” فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فهدى به الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء، والشريعة الغراء». اهـ

4- وروى أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل». ودلالة الحديث أنه ما من بقعة يطلع عليها الشمس في العالم إلا وسيدخله الإسلام، أو يدخل بعض أهله في دين الإسلام، وقد كان.

5- حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «يا أيها الناس ألا ‏ ‏إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا ‏ ‏لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى». رواه أحمد في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في حلية الأولياء بإسناد صحيح. فإذا كان التفاضل ليس واقعا بين الأمم والأجناس إلا بالتقوى وهي موافقة الأمر واجتناب النهي فكيف يكون الخطاب الشرعي مخصوصا بالعرب وحدهم ؟!

6- وروى الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في الأسماء والصفات وغيرهم بإسناد صحيح «أيما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام , ثم  تقع الفتن كأنها الظلل».

– وكذلك الأحاديث الكثيرة التي أخبر فيها النبي بفتوحات المسلمين بعد انتقاله للرفيق الأعلى خارج الجزيرة العربية، فإن دعوة الإسلام لو كانت دعوة قومية للعرب في الجزيرة فكيف يخبر النبي صحابته وأمته من بعده بأنهم سيفتحون مصر وبلاد فارس وسيركبون البحر فتحا للبلاد والممالك غير العربية، سوى أنه أخبر أنه مبعوث لكل البشر بل دعا أمته وصحابته لنشر الدين في الأقطار والأمصار، وجعله من واجبات الأمة من بعده .

7- ومن هذه الأحاديث الصحيحة ما وراه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تنبأ لأم حرام زوجة عبادة بن الصامت أنها ستركب البحر مع غزاة من أمة النبي، وذلك أن النبي استيقظ وهو يضحك، فقالت أم حرام : ما يضحكك يا رسول الله ، فقال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر. ملوكا على الأسرة- قالت فقلت له: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها فركبت البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر. فهلكت» وكان ذلك في غزوة قبرص في خلافة عثمان بن عفان.

8- وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه وأحمد وابن حبان والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما». والمقصود بها أرض مصر.

9- وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده وابن حبان من حديث عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره وبشر رجلا من أهل الفاقة بفتح الحيرة وبلاد فارس فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال «فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله، – قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد ، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى»، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: ” كسرى بن هرمز. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز». اهـ  فهذا الحديث وأمثاله من دلائل النبوة، ومن أوضح الواضحات على أن دعوة الإسلام ورسالته موجهة للعالمين.

وقبل هذه الفتوحات فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل الرسل والسفراء في حياته إلى الممالك الكبيرة خارج الجزيرة العربية، ودعا ملوكها وأباطرتها بدعوة صريحة إلى الإسلام ليسلِموا ويسلَموا، واستفاضت تلك الأحاديث وتواترت.

10- فمنها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس الذي ذكر فيه أبو سفيان بن حرب رسالة النبي إلى هرقل عظيم الروم ، وسؤال هرقل لأبي سفيان وكفار قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فما أن سأل هرقل أبا سفيان بعض الأسئلة عن النبي قال له : « إن يكن ما تقول فيه حقا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي، ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه فإذا فيه (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم سم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين،  {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.

فهذا الحديث وهو في أعلى درجات الصحة قد دلّ على عدة أمور بصورة قاطعة لا ظن فيها، أولها:

أن النبي قد أنذر هرقل وبشره وحذره من الكفر برسالة سيدنا محمد، وذلك يثبت أن المقصود بالدعوة هرقل وقومه وليس العرب الواقعين تحت ملكه كما يقول البعض، وكذلك ذكر الآية التي ختمت بها الرسالة النبوية {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله} دالّ على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى مكلفون بالإيمان بسيدنا محمد وباتباع شريعته سواء كانوا عربا أو عجما ما دامت بلغتهم الدعوة وأقيمت عليهم الحجة، وأيضا دلّ الحديث على أن صفة النبي وشمائله معروفة عند أهل الكتاب {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157].

11- ومنها ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، قال: « أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى رهط، أو أناس من الأعاجم»، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا عليه خاتم، ” فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله ».

– وفي لفظ مسلم: «أراد أن يكتب إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، فقيل: إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم، «فصاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما حلقته فضة، ونقش فيه محمد رسول الله».

فهذه الأحاديث المتفق على صحتها دالّة على أن النبي قد أرسل إلى ملوك العجم يدعوهم إلى الإسلام، وضعف بعض الروايات التي فصلت رسائل النبي إلى كسرى وهرقل وغيرهما لا يدل على نفي أصل الدعوة وتوجيه الخطاب النبوي لهم بالإيمان، حيث ثبتت بهذه الأحاديث الصحاح إجمالا.

كما نريد أن نوضح أيضا أن تلك الرسائل النبوية إلى الأقطار قد بدأت بعد صلح الحديبية الذي سماه القرآن فتحاً، حيث دخل الناس بعده في دين الله أفواجا من قرى الجزيرة العربية وقبائلها، واستقر الأمر للنبي في المدينة المنورة فناسب ذلك أن يكون وقت بداية إرسال النبي صلى الله عليه وسلم السفراء والرسل إلى الملوك الأعاجم خارج جزيرة العرب، فلا يعارض بأن المعقول أن تكون هذه الرسائل بعد فتح مكة؛ إذ الفتح والنصر وإعلاء كلمة دين كان عقب الحديبية كما أجمع العلماء.

  وقد نقلت إلينا كتب السير والحديث نصوص هذه الرسائل وأسماء السفراء المبعوثين من قبل الجناب النبوي إلى ملوك الأمصار بروايات كثيرة ومتعددة بحيث يستحيل كما قلنا تكذيبها والطعن فيها إجمالا، وثبت ذكر الهدايا التي رجع بها هؤلاء السفراء والرسل إلى النبي من الملوك في روايات متعددة ومن ضمن هذه الهدايا السيدة مارية أم ولد النبي إبراهيم، وقد أهداها له المقوقس عظيم مصر بل قد أثبت الواقع وعلم الآثار بعض هذه الرسائل الأصلية وعليها خاتم النبوة، كما وردت في كتب السنن والسيرة، وللشيخ عبد الوهاب طويلة والدكتور محمد أمين شاكر كتاب (عالمية الإسلام ورسائل النبي للملوك والأمراء) جمعا فيه هذه الرسائل ورواياتها ودلالاتها مع تحديد أسماء السفراء ومواقيت هذه الرسائل، وكل ذلك يفيد العلم الضروري بمجموع هذه الأخبار والروايات على ثبوت دعوة النبي لغير العرب إلى الإسلام.

الفصل الرابع: عمل الأمة المحمدية كلها بمقتضى هذا العلم الضروري بعالمية الإسلام

من أعجب ما نراه في الأطروحات النقدية للتراث المنطلقة من ثقافة الحداثة، ومن أقوى وأوضح صور الفصل في النموذج الحداثي هو الإقدام بكل سهولة على فصل فهم الأمة وعملها على مدار قرون عن دلالة الوحي والنص الشرعي، والأمر هنا ليس متعلقا بفهم إمام معين من الأئمة أو رأي مذهب فقهي قد يتعصب له البعض أو حتى تقديس للتراث كما تلوك بعض الألسنة، بل الطرح الذي بين أيدينا يتهم الأمة كلها بلا استثناء بداية من الصحابة والخلفاء والراشدين والتابعين وتابعيهم مرورا بالأئمة المجتهدين أجمعين في كل العصور بلا خلاف أنهم لم يفهموا النص القرآني ولم يعملوا بمقتضاه، بل تتابعوا على خطأ أسس ثقافة خاطئة.

فالمدقق في هذا الطرح يرى أنه ليس فقط متضمنا لنقد التراث أو لفهم علماء الأمة، بل هو في الحقيقة طعن في الشريعة وصاحبها وإن لم يكن هذا الطعن مقصودا من صاحبه؛ إذ اتهام الأمة كلها بالضلال والحياد عن صحيح الفهم في قضية متعلقة بأصول الدين هو طعن في صاحب الشريعة القائل «لا تجتمع أمتي على ضلالة» ، وطعن في وظيفة من وظائف النبوة ألا وهي تبليغ الرسالة وتشريع الأحكام لا سيما أصول العقيدة التي انبنى عليها إحدى واجبات الأمة على مر العصور ألا وهي تبليغ الدعوة للعالمين.

وقد عُلِم أن الخلفاء الراشدين وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم قد فتحوا البلاد والأمصار بعد انتقال النبي للرفيق الأعلى ودعوا الخلق كافة لدين الإسلام، بل لم يشرع الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام في الحقيقة إلا لهذه الغاية ألا وهي هداية الخلق إلى دين الله.

قال الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله في فتاواه (2/ 340) «وذكرنا في ذلك مع قوله – صلى الله عليه وسلم – لعلي لما وجهه إلى خيبر «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من حمر النعم» فرأينا قوله – صلى الله عليه وسلم – ذلك في هذه الحالة يشير إلى أن المقصود بالقتال إنما هو الهداية والحكمة تقتضي ذلك فإن المقصود هداية الخلق ودعاؤهم إلى التوحيد وشرائع الإسلام».

ثم تتابع الصحابة والتابعين وبقية خلفاء الأمة وولاة أمورهم على فتح البلاد ونشر الدين في العالم كله بلا نكير من علمائها، بل كان ذلك كما ذكرنا من الواجبات الكفائية المكلفة بها الأمة بحيث تأثم جميعها إن قصرت فيه، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت: 33].

وهذا المنهج الذي يغض الطرف عن عمل الأمة كلها وتلقيها لأمر ما بالقبول هو الذي أنتج لنا في هذا العصر الجماعات الإرهابية، والتيارات المتطرفة التي تعود فتقرأ النصوص الشرعية مجردة كل الآلات اللغوية والشرعية المعينة على فهم النص، فتجتزئ من هنا بعض النصوص، ولا تجمع الأدلة كلها ليحصل الفهم والترجيح ، ثم تستبعد إجماع الأمة وفهم علمائها كلهم وسلفا وخلفا من توجيه معاني النصوص الشرعية فيكون الخطاب الشرعي في وادٍ ، وفهم هؤلاء في واد آخر بعيد ومنقطع الصلة تماما بالوحي، وصدق من قال إن داعش وأخواتها آخر تجليات الحداثة وأبشعها.

وبعد أن ذكرنا أدلة عالمية الرسالة المحمدية نناقش بعض أقوال المعارضين وأدلتهم

الفصل الخامس : هل اختلاف الناس في الدين من غايات الخلق أم العكس هو الصحيح؟

يدعي القائل بمحلية الإسلام أن الله قد خلق الناس، وكان من مقاصد خلقهم اختلاف أديانهم وما هم عليه من الاعتقادات المختلفة في الله من الإيمان والكفر أو الشرك ، ويورد في ذلك قول الله {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} ، ثم يقول : لذلك فإن غاية الاختلاف تتسق مع فكرة أن يكون الدين قوميًا وليس عالميًا، ولو كانت دعوة الدين، أي دين عالمية، فإن ذلك يقتضي أن تكون غاية هذه الدعوة هو تجميع/ توحيد الأمم تحت راية هذا الدين، وهذه الغاية تقف موقف الضد من غاية الاختلاف، هكذا يقال!

والحقيقة قبل أن نبين خطأ هذا الكلام فإننا إن سألنا أنفسنا سؤالا واضحا ومهما، ألا وهو لماذا خلق الله الخلق والناس، لوجدنا الإجابة من خلال استقراء آيات القرآن لا تخرج عن ثلاثة أمور ومقاصد كبرى وهي (العبادة، العمارة، التزكية).

يقول الله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56). وقال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة الآية: 21].

وقال : {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] .

وقال: لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا منْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164]. وقال أيضا: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) } [الأعلى].

فهذه هي الغايات والمقاصد الكبرى للخلق: 1- عبادة الله، 2- عمارة الأرض، 3-تزكية النفس.

فإذا قال أحد ما: وكذلك من مقاصد خلق الله للناس أن يكونوا مختلفين في الدين فمنهم الكافر والمؤمن والبوذي والملحد والمسلم، فهل يكون ذلك الرأي صوابا؟

دعنا نقرأ القرآن، ونحاول البحث عن هذه الفكرة، يقول الله: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا } [يونس: 19].

وقال سبحانه : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213].

فمعنى الآية أن الله قد خلق الناس كلهم مؤمنين بداية من آدم وذريته ، وأنهم كانوا أمة واحدة على دين واحد وهو الإيمان والإسلام، ثم اختلفوا، فبعث الله النبيين، وكان أول نبي مرسل هو نبي الله نوح وأنزل معهم الكتب وأيدهم بالمعجزات حتى يكونوا هداة لمن وقع فيهم هذا الاختلاف والضلال عما كانوا عليه أول الأمر من كونهم أمة واحدة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي:  «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» رواه مسلم

وكذلك نهى الله في كتابه عن الاختلاف في أصول الدين والعقائد والخروج عن كلمة جماعة المؤمنين فقال :  {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} [آل عمران: 105]، وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].

فالذي دلت عليه نصوص الشريعة أن الناس كانوا على ملة الإسلام أمة واحدة متفقين، وأن الله لم يخلقهم كذلك مختلفين، وأن سبب الاختلاف هو البغي والظلم والحسد، كما قال الله بعدها في نفس الآية السابقة {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [البقرة: 213].

فالمتدبر يجد أن الله قد خلق الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع من أجل هداية الناس إلى الدين القويم، وردهم إلى الفطرة الأولى التي فطرهم عليها من التصديق والإيمان.

فقضية النبوة في الأساس -سواء كانت قومية أو عالمية- غايتها رد الناس إلى ما كانوا عليه قبل الاختلاف أمة واحدة على دين واحد، وهدايتهم لما التبس عليهم من الضلال والغواية، وفكرة العالمية والمحلية متعلقة بآفات من بعث إليهم الأنبياء والرسل ومشاكلهم كما وضحنا من قبل، وإمكانية معجزات النبي على إقامة الحجة على قوم مخصوصين أو على العالمين، فكيف يفهم إن الله لم يشأ أن تكون هناك دعوة عالمية لأنه خلق الناس للاختلاف ؟!

فمن قال إن الله قد الخلق ومن حكم الخلق وغاياته أن يكون الناس ذوي أديان مختلفة وعقائد متنازعة فهو يقول بنقيض الخطاب القرآني، وانظر إلى الأمر باتباع الصراط المستقيم أي طريق الهداية والإيمان في أكثر آيات القرآن:  و{َأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}، وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة: 6، 7].

إذن ما معنى قول الله: و”ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة” ، وما معنى قوله “ولذلك خلقهم” ؟

إن الله يخبر عن أمر واقع تعلقت به إرادته أزلا، وإن لم يكن آمرا به، وهو حصول الضلال والهداية والكفر والإيمان من عباده، ليثبت به قلوب أنبيائه كي لا يحزنوا إذا كذبتهم أقوامهم، كما قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)} [يونس: 99] . وكما قال : {كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112].

فالآيات تخبر أن الكفر والضلال واقع في ملك الله، وهذا الاختلاف في الحقيقة مذموم وليس محمودا، لأن الله يقول ” ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك” فعلق الحق سبحانه الرحمة على من استثناهم من الاختلاف وهم الذي اتبعوا الرسل وصدقوا بآيات الله، أما معنى قول الله “ولذلك خلقهم”؛ فهل للاختلاف خلقهم؟ أم للرحمة خلقهم؟ قولان للمفسرين، وهناك رأي ثالث أوجه وهو ما ذهب إليه سيدنا عبد الله بن عباس، فقال  «خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)».

فمعنى الآية حينئذ: أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة أو السعادة. فاللام في قوله: وَلِذلِكَ لام الصيرورة وليست لام التعليل أي وخلقهم ليصير أمرهم إلى ذلك، وإن لم يقصد بهم الاختلاف.

وقال الإمام الطبري في تفسيره : إن الله عقب على الآية السابقة (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) بقوله : (وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين) ، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار.

والذين قالوا إن معنى قول الله ولذلك خلقهم راجع للاختلاف، لم يقصدوا به تعليل مقاصد الخلق وغاياته بالاختلاف، بل قصدوا به كما نبهنا الصيرورة والعاقبة، أي ليصير أمر خلقهم إلى ما يترتب عليه اتباع الهدى أو الضلال بالسعادة والشقاء.

ولو قال قائل : إن من حكم الله في خلق الناس أن يكونوا مختلفين في نوعهم من ذكر وأنثى وكذلك في الأجناس والألوان واللغات والطباع والعادات لكان قوله وجيها وصحيحا، ليحصل الاستفادة والتعارف، والبناء والتنافس، المقتضي لعمارة الدنيا، وتواصل الحضارات.

قال الله:  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]. وقال أيضا : {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22].

فاختلاف الطبائع واللغات والأجناس ليس مانعا من حصول المقصود من الخلق وهو العبادة والتزكية والعمارة، بل هو سبيل في الوصول إليه ، أما أن يكون من الغايات والمقاصد اختلاف الناس في اعتقادهم في خالقهم بكفر أو جحود أو شرك فهذا ليس صحيحا، وهو سبحانه قد عقّب بعد أن ذكر خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوبا وقبائل أنه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات: 13]. فيتعين أن تكون التقوى والإيمان حاصلة مع الاختلاف في الثقافات والحضارات.

الفصل السادس : لماذا نزل القرآن بلغة واحدة ؟

إننا مع اعتقادنا أن الرسالة المحمدية خاتمة وعامة لكل الناس، نرى أن نزول القرآن بلغة العرب أقوى وأنفع في صلاحية هذه الشريعة لكل الأجناس وفي كل الأزمنة من لو أنه قد نزل بلغات متعددة تناسب لسان كل إنسان؛ وذلك لأن الشرائع والرسالات لما كانت تحتوي على القطعي المحكم الذي يبين أصولها ومقاصدها، والمتشابه الظني المتعلق بفروعها وأحكامها، كان أولى أن تكون بلغة واحدة كي لا تتسع دلالات القطعي أو تضيق دلالة الظنيات المختلف عليها، ولربما وقع التحريف والتبديل في معانيها، فلا يبقى أصل ثابت يمكن الرجوع إليه.

وفي بيان هذا المعنى يقول العلماء إنه لو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم ، وبينه رسول الله لكل قوم بلسانهم لكان ذلك مظنة للاختلاف وفتحاً لباب التنازع؛ لأن كل أمة قد تدّعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها ، وربما كان ذلك أيضاً مفضياً إلى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوي الباطلة التي يقع فيها المتعصبون.

ولذلك كان تعلم العربية ومعرفة أحوالها إعرابا وبناء وصرفا وبلاغة من شروط الاجتهاد أي من شروط معرفة الأحكام الشرعية، بخلاف معرفة أصول الدين وأدلة صدق النبوة فلا يشترط فيها ذلك بل تنوب في ذلك الترجمات، وبيان الحق من الباطل بلغة كل قوم من المكلفين.

فأولى الألسنة بما ينزل به الكتاب الخاتم هو لسان قوم الرسول ، لأنهم أقرب إليه وهم الذين يخلفونه في الدعوة والبلاغ، فيفهموا عنه أولا ثم ينوب العلماء والدعاة المترجمين عنه لمن لا يتكلم بلغته فيقومون مقام الأصل، ومع ذلك يؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد.

وقد ذكر الطاهر بن عاشور في كتابه “مقاصد الشريعة” أسبابا كثيرة لأجلها اختص العرب بكونهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن وجاء منهم نبي آخر الزمان فليراجع لمن أراد الاستزادة.

الآيات التي يفهم منها خصوصية الرسالة المحمدية بالعرب.

يدعي بعض الناس أن القرآن قد حوى بعض الآيات الواضحات على أن النبي مرسل للعرب، منها قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] ، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] ، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } [الشورى: 7].

ومفهوم هذه الآيات أن الله قد بعث في أمة العرب رسولا عربيا منهم، كي يفهموا عنه أولا، ثم يبلغ من آمن منهم رسالته للناس بالتراجم كما ذكرنا من قبل، فأين الدلالة على الحصر والتخصيص ؟ فإن قيل إن القرآن قد ذكر أن النبي جاء لينذر أم القرى وهي مكة وما حولها من قبائل الجزيرة العربية، فنقول إن تخصيص الخطاب بذكر مكة أو العرب في هذه الآيات لا يدل على انتفائها فيما سواها ، وإلا : فإن الله قد قال لنبيه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، فهل يقول أحد إن النبي مبعوث فقط لأهله وأقربائه ؟ وإن قيل إن الآيات التي ذكر فيها أن النبي مرسل لكل الناس ، فالناس من العام المراد به الخصوص وهم العرب فنقول إذن يمكن أن نجعل العرب وأم القرى أيضا من العام المراد به الخصوص وهم أهل النبي وعشيرته فقط، وكل ذلك غلط .

إن القرآن الكريم قد أمر النبي أولا بإبلاغ الدعوة لأقرب الناس إليه سرا فقال:  {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، ثم أمره أن يجهر بدعوته فقال : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] ، ثم جاء الخطاب بدعوة العرب في قوله : {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7]، ثم أرسل النبي رسالته إلى ملوك العجم وأباطرتها لما نزل قول الله : {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] أي لأنذر به العرب والعجم ، على طريق التدرج في الدعوة بحسب القدرة والظروف، إلا أن القرآن قد بين من أول نزوله أنه رسالة الله لكل الناس أجمعين بلا اختلاف {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].

وقد ذكرنا من قبل الحكم والمقاصد من كون المجتهدين الأوائل الذين يتلقون عن النبي الوحي والأحكام على لسانه ومن لغته ولغة الكتاب الذي جاء به لأنهم المبلغون عنه الشرائع والأحكام وأعرفهم بمعاني كلامه وأساليب بيانه.

وقال القرطبي في تفسير قول الله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] «ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية، لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة، وقد قال الله تعالى:” وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا” «2» [سبأ: 28]. وقال صلى الله عليه وسلم:” أرسل كل نبي إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر وأسود من خلقه».

ونحن نعلم أن معجزات القرآن وحجيته على العالمين ليست فقط في الفصاحة والبلاغة ، وإنما تعددت أوجه إعجازه كمثل إخباره عن الغيوب ، وإخباره عن الأمم السابقة وأحوالهم، واحتواؤه على أفضل التشريعات القانونية في المعاملات والجنايات والمواريث والأحوال الشخصية ، ومن جهة إشاراته إلى الحقائق الكونية التي لم تعرف في عصر نزوله  وغيرها ، {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الإسراء: 89]. ونقل هذه الوجوه من الإعجاز إلى الأمم الأخرى قد اشتهرت واستفاضت وليست صعبة في الوصول إليها ومعرفتها في كل الأزمنة.

وقول الله تعالى : {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} هذه الآية لبيان شدة استنكاف واستكبار كفار قريش عن الإيمان بسيدنا محمد وليس فيها دلالة على اختصاص القرآن بهم ، فالله يقول : ولو نزلنا القرآن بإعجازه وفصاحته وبلاغته  على من لا يفهم العربية من الأعاجم فقرأه عليكم وأنتم أهل البلاغة قراءة صحيحة خارقة للعادة ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ مع انضمام إعجاز قراءة الأعجمي إلى إعجاز المقروء وهو القرآن. وهذا ما يقتضيه قوله بعده {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } [الشعراء: 200، 201] فهو كقول الله : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام: 7].

فالآيات فيها تسرية وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن عنادهم وإصرارهم على الكفر، حيث بدأت السورة بقول الله تعالى : {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)} [الشعراء: 3، 4].

قال الطاهر ابن عاشور في تفسير هذه الآية : (19/ 193)

«وقد أظهر الله بهتانهم في هذه الآية بأنهم إنما قالوا ذلك حيث جاءهم بالقرآن رسول عربي، وأنه لو جاءهم بهذا القرآن رسول أعجمي لا يعرف العربية بأن أوحى الله بهذه الألفاظ إلى رسول لا يفهمها ولا يحسن تأليفها فقرأه عليهم، وفي قراءته وهو لا يحسن اللغة أيضا خارق عادة لو كان ذلك لما آمنوا بأنه رسول مع أن ذلك خارق للعادة فزيادة قوله: عليهم زيادة بيان في خرق العادة. يعني أن المشركين لا يريدون مما يلقونه من المطاعن البحث عن الحق ولكنهم أصروا على التكذيب وطفقوا يتحملون أعذارا لتكذيبهم جحودا للحق وتسترا من اللائمين».

ما مصير غير المسلمين اليوم في الدار الآخرة ؟

يمكنني أن أقول إن السبب الرئيس الذي يجعل بعض الناس يطرحون هذه الفكرة الشــــــــــاذة اليوم عن محلية الإسلام، وهو السؤال المهم : ما مصير غير المسلمين اليوم في الدار الآخرة ؟ وهل من العدل أن يتساوى من ولد في بلد عربي وله لسان عربي في بيئة عربية يفهم القرآن، مع من كان أعجميا ولم يولد في بلاد الإسلام في معرفته بالرسول وشريعته؟

ويسأل بعض الناس: لماذا لم يدخل غير العرب في الإسلام ؟ وقبل أن تتلقى الإجابة  والأسباب كقارئ، تنسى أو تتناسى أن غالب المسلمين على وجه الأرض اليوم من غير العرب، في دول شرق آسيا لا سيما في الهند وإندونيسيا وباكستان أكثر من نصف مسلمي العالم من غير العرب، ثم إيران وتركيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة تحتوي على مسلمين بلغات غير عربية أكثر مما في بعض الدول العربية، والأعجب أن كل هذه الدول قد دخلت في الإسلام بغير فتح أو قوة.

إن شرط إقامة الحجة هي وصول الدعوة بصورة صحيحة غير مشوهة مع العلم بدلائل صدقها، سواء كان المدعو عربيا أو غير عربي.

قال الله : {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]

وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم (2/ 188)  تعليقا على حديث «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». اهـ قال :وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور وهذا جار على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح والله أعلم». اهـ

وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار (7/ 285) : «وقوله تعالى: (لأنذركم به ومن بلغ) نص على عموم بعثة خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام، أي لأنذركم به يا أهل مكة أو يا معشر قريش أو العرب وجميع من بلغه ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم في كل مكان وزمان إلى يوم القيامة. قال البيضاوي وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه اهـ. يعني أن العبرة في دعوة الإسلام بالقرآن، فمن لم يبلغه القرآن لا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة، وحينئذ لا يكون مخاطبا بهذا الدين». اهـ

ومعلوم أن بعثة النبي ومعجزاته وشرائعه وأصول دينه والفرق بينها وبين الملل والأديان الأخرى قد استفاض ذكرها لأكثر الأجناس واللغات، فلم يعد العلم بها متوقفا على العربي الذي قرأ القرآن، ويمكن لأي إنسان على وجه الأرض اليوم يريد التعرف على الإسلام أن يجد العلماء فيسألهم وكذلك والمراجع وصفحات الانترنت وتراجم القرآن التي تعطيه تصورا عن العقيدة الإسلامية وشريعة الإسلام.

وإذا سلمنا –ونحن نعترف بهذا في الحقيقة- وجود أمم من الناس اليوم لم تبلغهم شريعة النبي أو رسالته ومعجزاته، أو وصلتهم الدعوة بصورة مشوهة ناقصة نتيجة لتأثير الإعلام والثقافات المعادية للإسلام على العقول، مع اجتهادهم في معرفة الحق وعدم التقليد، فإنا نعتقد أن هؤلاء يلحقون بأهل الفترة الذين لم يرسل إليهم رسول في حكمهم، فإما يمتحنون يوم القيامة أو يدخلون الجنة مع المؤمنين وهذا هو المرجو برحمة الله سبحانه وتعالى.

فالعلة في نجاتهم ليس في كونهم من العجم الذين لا يحسنون الحديث بالعربية، أو كونهم غير مكلفين باتباع رسالة سيدنا محمد، بل السبب هو عدم وصول الدعوة إليهم مع اجتهادهم في التخلص من التقليد ومعرفة الحق، وصدق إرادتهم في الوصول إلى الحقيقة، وهذا الحكم يشترك فيه العرب أيضا الذين ولدوا أو تربوا في بيئة أو دولة لا تعرف عن الإسلام إلا اسمه، فهؤلاء يلحقون بأهل الفترة في حكمهم، وهو النجاة في الآخرة.

ويكون الآثم حينئذ هو جماهير المسلمين لتقصيرهم في البلاغ عن الله وإيصال الدعوة إلى غيرهم من البشر بكل السوائل الممكنة، وردّ الشبهات عن الدين وإجابة السائلين والمستشكلين بالأجوبة الوافية.

إن القائل بمحلية الإسلام يدعي أن هذه الرؤية مبنية على قضية العدل الإلهي وأهمية ألا يتساوى العربي وغير العربي في فهم القرآن وإدراك حجيته، لكننا وإن كنا ننتمي إلى مدرسة أهل السنة الأشاعرة التي تعتقد أنه لا يجب على الله شيء وأنه لا يتصور الظلم في أفعاله أصلا، فإننا نرى أن الظلم والقبح يرد على من يقول بمحلية الإسلام ورسالته، فكيف يكون الكتابي من اليهود والنصارى العرب مكلفا باتباع سيدنا محمد والإيمان به، واعتقاد أن شريعته ناسخة لشريعة التوراة والإنجيل، ثم يكون الكتابي الأعجمي من اليهود والنصارى باقيا على شريعته المنسوخة واعتقاده الباطل في الألوهية، وإيمانه بكذب سيدنا محمد وأنه متنبي لا نبي ؟! وكيف يكلف الملحد أو الوثني العربي بالإيمان والاستقامة، ويكون الملحد الأعجمي الذي بلغته دلائل التوحيد ومعجزات النبي وأدلة صدقه: غير مكلف باعتقاد في وجود الله أو الإيمان بنبوة الرسول، وكذلك غير مكلف باتباع الأوامر والنواهي الشرعية، فيتخذ إلهه هواه، ويعيث في الأرض فسادا خلقا ومعاملة، أيستوي هذا بعد ذلك بمن آمن وصدق؟ إن هذا هو الظلم والقبح بعينه على مذهب الخصم، بل هو مفضي إلى القول بنسبية الحقيقة وجواز تساوي الحق والباطل في نفس الأمر.

إن فكرة نسبية الحقيقة هي أخطر ما في أطروحات ما بعد الحداثة، وقد رأينا ظلالا كثيرة شديدة الشذوذ والغرابة لها في أطروحات بعض المنتسبين إلى التجديد والتحديث والتنوير في هذا العصر، فظهرت فكرة التعددية الدينية على يد الفيلسوف الإنجليزي جون هيك، ثم تلقفها بعض المسلمين كالدكتور عبد الكريم سروش وكتب تحت الفكرة كتابا سماه باسم “الصراطات المستقيمة” ، وعنوانه يعبر عن القضية التي يطرحها، وهو أن جميع الديانات الإبراهيمية صحيحة وأن الحق متفاوت بينها وجميع أتباعها ناجون يوم القيامة، وظهر بعض الدعاة في النمسا يقولون بفكرة أغرب، وهي أن أهل الكتاب مكلفون فقط بالإيمان بصدق النبي محمد، لكنهم  غير مكلفين باتباعه في شريعته ويكفيهم أن يكونوا مصدقين به فقط مع بقائهم على التعبد بالشريعة المسيحية أو اليهودية، وليت شعري كيف يكون مصدقا بنبي يقول إن كتابه محرف وأن شريعته منسوخة وأن عقيدته في الله باطلة!

إن الثقافة الإسلامية في الحقيقة قامت على ميراث يُفتخر به من العلوم والمعارف والأدوات المتصل بعضها ببعض، والمحررة أصولها بالعلوم العقلية والكلامية المتقنة، وأصول تلقاها الصحابة والسلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف عنها رجال هم من أذكياء العالم من علماء الأصول والفقه والتفسير والحديث والكلام والفلسفة، ولم تُــبْــن على مجموعة من القواعد المهلهلة وأســـــاطير الحداثة .