الشهادة مثالا

كوثر السعدني

باحث مساعد بمؤسسة طابة.

واحد من المواضيع الشهيرة المتعلقة بمكانة المرأة في الإسلام هو موضوع الشهادة، وحكم آية الدين في سورة البقرة، فهل يقلل الإسلام من شهادة المرأة ويجعلها نصف إنسان؟
علينا أولا أن نفهم كيف نتعامل مع القرآن في كل آياته، فلا يمكن فهم الحكم الشرعي من مجرد قراءة النص؛ لأنه يُفهم من خلال التفسير ومن خلال الأحاديث النبوية، ومناسبة نزول الآيات، وهذا دور العلماء المتخصصين لينتجوا لنا علم الفقه الذي يعرفنا بالأحكام الشرعية العملية.
فكيف تناول المفسرون الآية الكريمة؟
أرجع بعضهم مثل الفخر الرازي علة الحكم للفرق البيولوجي بين الرجل المرأة، وقوة ذاكرة الرجل عن ذاكرة المرأة، بينما رأى بعضهم العلة في الظروف الاجتماعية والثقافية وعدم انخراطها بكثرة في الأنشطة الاقتصادية والمعاملات المالية، وبتغير الأنشطة والممارسات اليومية للمرأة ، فإن شهادتها تعادل الرجل في جميع الظروف.
وللشيخ محمد رشيد رضا تعليق دقيق في المسألة فيقول: “من طبيعة البشر، ذكرا كان أو أنثى، أن ذاكرتهم ستكون أقوى بالنسبة للمسائل التي تهمهم والتي يشاركون فيها بوفرة أكبر”([1]).
والآن دعونا نعود معا في رحلة عبر الزمن لنصل إلى عصر النبوة ونحكي حكايتين تمسان موضوعنا:
 في أحد الأيام جاءت امرأة إلى أحد الصحابة (عقبة بن الحارث) وقالت له أنها أرضعته هو وزوجته، فذهب الصحابي ليسأل النبى (صلى الله عليه وسلم) عما ينبغي فعله، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) دعك عنها؛ أي عن زوجته([2]).
فُقبلت في هذا الموضوع شهادة امرأة واحدة للتفريق بين زوجين، قُبلت شهادتها على نفسها وعلى الرجل وعلى المرأة فتفرقا.

والحكاية الثانية حدثت عندما رأى أحد الصحابة زوجته وهي تخونه، فذهب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأخبره، فطلب النبي (صلى الله عليه وسلم) منه بينة على ذلك رافضا شهادته وحده، فلما عجز الرجل عن تقديم البينة أنزل الله آيات اللعان([3])، وهي تقضي بأن يقسم الرجل أربع مرات بأنه صادق، وتقسم المرأة أربع مرات بأنه كاذب لو أنكرت التهمة، فيُفرق بينهما إلى الأبد، ولذلك ثمرة فقهية لا مجال لتفصيلها في حكايتنا، لكن ما يعنينا أن شهادة الزوجة المتهَمة تعادل شهادة الزوج المتهِم في اللعان.
أيضا كانت تُقبل شهادة المرأة، بل وتقدم على شهادة الرجل فيما يتعلق بأمور النساء من ولادة ورضاع وغير ذلك؛ لأنها أخبر بأمور بنات جنسها وأكثر اطلاعا عليها بحكم الأعراف والتقاليد.
وتُقبل كذلك شهادة المرأة في رؤية هلال رمضان.

فما هو الضابط إذن في قبول الشهادة؟ و هل تُقبل شهادة أي أحد في أي قضية؟ أم هناك شروط يجب توافرها في الشاهد ذكرا  كان أم أنثى؟
1- يجب أن يكون الشاهد عدلا ضابطا، ليس بينه وبين المشهود عليه خصومة أو نزاع، وألا تكون بينه وبين المشهود له قرابة أو علاقة تبعثه على الشهادة لصالحه.
2- أن يكون للشاهد صلة ودراية تؤهله للشهادة في القضية المعنية.
وما سبق من الشروط لا علاقة له بالنوع، فلا تُقبل شهادة الرجل العاطفي مرهف الحس رقيق المشاعر والانفعالات في جريمة قتل وقعت مثلا، كما تُرد شهادة المرأة غير الضابطة في أمور النساء([4]).

فهل يقلل الإسلام من المرأة لعدم قبول شهادتها وحدها في الأمور المالية؟
يقول معروف الدواليبي: “اتجهت الشريعة الإسلامية إلى تعزيز الشهادة في القضايا المالية بصورة مطلقة بشهادة رجل آخر، إلى جانب الرجل الأول، حتى لا تكون الشهادة عرضة للاتهام، ولم يعتبر أحد تنصيف شهادة الرجل هنا وتعزيزها بشهادة رجل آخر ماسًا بكرامته ما دام ذلك التعزيز أضمن لحقوق الناس، وأن شهادة الرجل لم تقبل قط (وحده) حتى في أتفه القضايا المالية، غير أن المرأة قد امتازت على الرجل في سماع شهادتها (وحدها)، دون الرجل، فيما هو أخطر من الشهادة على الأمور التافهة، وذلك كما هو معلوم في الشهادة على الولادة وما يلحقها من نسب وإرث، بينما لم تقبل شهادة الرجل (وحده) في أتفه القضايا المالية وفي هذا رد بليغ على مَن يتهم الإسلام بتمييز الرجل على المرأة في الشهادة”([5]).

ومما يبين لنا شكل مكانة المرأة وطبيعة ما يقبل منها من أخبار عموما روايتها للحديث النبوي، فيقول الإمام الذهبي: “روت زينب بنت الكمال الكثير وتزاحم عليها الطلبة وقرأوا عليها الكتب الكبار، وكانت لطيفة الأخلاق طويلة الروح، ربما سمعوا عليها أكثر النهار، وأصيبت عينها برمد  في صغرها، ولم تتزوج قط، ونزل الناس بموتها درجة في شيء كثير من الحديث حمل بعير”.
شكلت السيدة زينب بنت الكمال وغيرها من المحدثات الجليلات امتدادا للسيدة عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) التي كانت من أهم رواة أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم)، وللحديث النبوي أهمية بالغة لكونه المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، ولم يعرف قط عن امرأة أنها كذبت على النبي (صلى الله عليه وسلم)، فيقول الإمام الذهبي: “وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها”([6]).
فكانت المرأة كالرجل في رواية حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) وهي شهادة عليه، فكيف تقبل شهادة المرأة على النبي (صلى الله عليه وسلم) في أمر الدين والشريعة ولا تُقبل على واحد من الناس؟
فالخلاصة إذن أن:
1- شروط الشهاد لا علاقة لها بالنوع بالضرورة، إنما ترتبط بالعدالة والضبط وعدم توفر دواعي شهادة الزور من خصومة مع المدعى عليه، أو قرابة للمدعي.
2- تروي النساء الحديث النبوي كما الرجال، وهو المصدر الثاني من مصادر التشريع، ولم تُتهم بالكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) امرأة قط.
3- شهادة المرأة كشهادة الرجل في قضايا اللعان، وشهادتها تُقبل وحدها في قضايا النساء من حمل وانقضاء عدة ورضاع وبكارة.
4- اختلف المفسرون في علة الحكم الوارد في آية الدين، فأرجع بعضهم العلة للفرق البيولوجي وما يترتب عليه، وهو أمر مرده لعلم الطب لا الشرع، فلا يقول أحد الآن بقوة ذاكرة الرجل عموما عن ذاكرة النساء عموما، بينما ذهب آخرون إلى أن العلة راجعة لعدم اشتغالها بالمعاملات المالية، بالتالي ليس أمرا عاما لكل النساء، ولا كل الشهادات، لكن معرفة الحكم الشرعي في زمننا المعاصر لا تتم يالرجوع إلى كتب التفسير ومعرفة أقوال المفسرين، بل تتم بالرجوع إلى كتب الفقه ومعرفة أقوال الفقهاء وما هي علة الحكم عندهم وهل هو خاضع للتغيير الآن لكونه معقول المعنى ولاختلاف العوامل أم هو حكم تعبدي، وهذا يحتاج إلى بحث.


[1] تفسير المنار، ج3، سورة البقرة، آية الدين، دار المنار.

[2] صحيح البخاري، كتاب العلم.

[3] صحيح البخاري، كتاب الشهادات.

[4] موسوعة بيان الإسلام

[5] المرأة في الحضارة الإسلامية، علي جمعة، طبعة المؤلف المجانية، ص24.

[6] المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام، أسماء سيد، مدارات للأبحاث والنشر، ص27.