خواطر حول مدّعي النبوّة الجديد

مصطفى أحمد ثابت

باحث رئيس

امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي الأيام الماضية بحالة من السخرية من شخص لبناني قام بإعلان أنه نبي جديد أوحي إليه جبريل عليه السلام، وكعادة المصريين لم يتركوا هذه الفرصة بدون التندّر والسخرية وإثارة النكات “والإفيهات” على هذا الرجل الذي يمسك بعصا يدعي أنها تشفي من الأمراض ويرسم على جبهته بعض الرسومات العجيبة “لزوم” اكتمال الصورة الغرائبية التي يظن معها ملاءمتها لمنصب النبوة.

لكن هذا “الترند” الساخر استدعى عندي بعض الأفكار والخواطر المتعلقة بفكرة النبوّة، وهي أفكار وخواطر ربما تكون مفيدة في استباق الإجابة عن بعض الأسئلة الجادّة التي يمكن أن تكون متعلقة بالأسباب التي تجعلنا مصدّقين أو مكذبين بنبي أو بفكرة النبوة.

(1)

إثبات النبوّة فرع عن إثبات إله، واحد واجب الوجود، عالم قادر مريد، بمعنى أن العقل يبحث أولا عن سبب وجوده في هذه الدنيا، ويستدل من خلال وجوده ووجود الكون على وجود خالقٍ كلي العلم وكلي القدرة وله إرادة، ثمّ يتساءل: ماذا يريد هذا الإله منا؟ ولماذا خلقنا وأوجدنا؟ وما هي الحكمة من إيجاد البشر في هذه الحياة؟ وهل له أن يكلف عباده ببعض التكاليف أو لا؟ وهذه الأسئلة هي الأسئلة الرئيسية التي جاءت النبوات والأديان للإجابة عنها.

(2)

تخيّل لو أنّ النبوة لم تُختم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي لم يكن هناك نص قاطع من القرآن والسنة يمنع أن يُوحي الله إلى بعض الناس بالرسالة في عصرنا الحاضر، ثم ظهر من يدّعي النبوّة، فما الذي يدعوك إلى الإيمان به وتصديقه؟

هذا سؤال مهم؛ لأن إجابته تضع المعايير المتعلقة بصدق الأنبياء في أي زمان ومكان، وهي في رأيي تتلخص في:

1-ألا يخالف هذا النبيُ الأنبياءَ من قبله في الأحكام الخاصة بأصول الدين؛ أي الأحكام التي ثبت صحتها بالأدلة العقلية القاطعة، مثل وحدانية الله وإحاطة علمه وطلاقة قدرته، واستحالة مشابهته للمخلوق، وإمكان الرسالة وتكليفه البشر بالأوامر والنواهي.

2-إذا فهم العقل البشري صفات الخالق، وما يجب في حقه وما يستحيل وما يجوز من الصفات فإنه يمكن أن يدركَ كيف يستدل على صدق من يدّعي النبوة؛ وهي إظهار خوارق العادات الدالّة على طلاقة القدرة الإلهية، أو كشف ما يستقبل من الغيب الدالّ على إحاطة العلم الإلهي، وهو يمكن أن يكون نوعا من الخوارق أيضا.

(3)

حكى الإمام الرازي في بعضِ كتبه بعضَ شبهات المنكرين للنبوّة، وذكر منها قولهم: أن تكليف البشر عبث؛ لأن هذه التكاليف إن كان منها نفع عائد على الإله فهو إذا في منتهى الضعف والنقص، وإن كان النفع منها راجعا للبشر؛ فالإنسان قادر بعقله على الوصول لما يضره وما ينفعه، ويعرف بنفسه الحسن والقبيح، فلا فائدة إذا في التكليف لأنه تحصيل حاصل.

وهذه النظرة للنبوة موجودة اليوم عند كثير من الغربيين فإن اللامبالاة عندهم تجاه الأديان سببها تصورهم واقتناعهم أن الإنسان امتلك الأدوات التي تؤهله للسيادة في هذا الكون، فلا سلطة عليا تُملي عليه ما ينبغي أن تكون عليه تصرفاته، أو تُقيّد حريّته، أو تكبح شهواته، إلا تلك السلطة التي تمنع غيره من الاعتداء على حقوقه.

والحقيقة أن الأديان لم تأت لتقيد حريّة الإنسان بقدر ما كانت الحكمة من التكاليف الدينية هي أن يتحرّر الإنسان من أسْر نوعٍ آخر أشد وأسوأ أنواع العبودية، وهو أسْر النفس، فالله أراد للناس أن يتحرروا من قيود العبودية للنفس بأن يكون الإنسان ذليلا لشهواته ورغباته وملذاته العاجلة، وتزكية النفس لا يكون إلا بمجاهدة هذه النزعات والرغبات وكبح جماحها، ولهذا يقول بعض الصوفية: إن الحرية على مستويات: حرية صغرى ووسطى وكبرى، فالصغرى هي عبودية الجسم لغيره من البشر، والوسطى هي اشتغال الإنسان بالعمل الصالح الذي ينجيه من النار، أما الحرية الكبرى فهي أن يتحرر الإنسان من أسر النفس وقيود الهوى والشهوات وكل ما سوى الله، فهذه هي العبودية الحقة التي جاءت الأديان للدعوة إليها.

وبهذا نفهم سذاجة الاعتراض القائل: كيف يمنع الدين الخمر في الدنيا ويسمح به في الجنة؟ وكيف يُحرّم الزنا أو الزواج بأكثر من امرأة أو أربعة ويسمح بأكثر في الجنة؟ ولماذا يطلب الله من البشر عبادته وهو مستغن عنهم؟ فإن هذه التكاليف ما شُرِعتْ في دار الاختبار وهي الحياة الدنيا إلا لكي يصل الإنسان لتمام حريته بعبوديته لله، فإذا وصل إلى ربه حرًا جازاه الحق سبحانه -بإحسانه إلى نفسه التي حررها من أسر نفسه في الدنيا -إحسانا أعظم في الآخرة، وهو النعيم الذي لا ينقطع ولا يُحدّ.

(4)

هناك فكرة عند بعض الناس في الغرب مفادها أن المعجزات التي ادعاها الأنبياء السابقون ما هي إلا حيل وألاعيب “tricks” راجت على البسطاء البعيدين عن نور العلم التجريبي، وفي أحد حوارات الإنجليزي داعية الإلحاد الشهير ريتشارد دوكنز يسأل محاوره المسلم: هل أنت تؤمن أن النبي محمدا قد صعد إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج على ظهر البراق؟ فيجيب المذيع: نعم. فيستغرب دوكنز أشد الاستغراب ثم يقول لمحاوره: كيف هذا يا رجل نحن في القرن الحادي والعشرين وفي عصر العلم، هذه معتقدات منافية للعقل وللعلم، ولماذا يصعد الرسول إلى السماء خصيصا على ظهر حصان وليس بوسيلة أخرى». اهـ

وكنت أنتظر أن يبين داوكنز السبب في كون هذه المعجزة أمرًا غير عقلاني، وتعريف المعجزة أنها أمر خارق للعادة وليس خارقًا للعقل وقوانينه، لكنه مجرد استبعاد نفسي؛ وكأنه ظنّ أن الله إذا أراد لنبيه أن يصعد للسماء قبل أربعة عشر قرنًا أن يُهيئ له مركبة فضاء مجهزة بأحدث التقنيات الحديثة كالموجودة اليوم ليكون الأمر بالنسبة له عقلانيا! وهو في الحقيقة منتهى السذاجة المنافية لمفهوم الإعجاز.

وفي لقاء آخر يقول دوكنز في إجابة على سؤال: ما الدليل الذي يجعلك تؤمن بوجود الله؟ فيجيب: «ربما نزول المسيح على عربة من السماء يبدو دليلا مقنعا ولكني أظن أن الاحتمال الأرجح أنها حيلة خادعة أو شيئا قامت بها حضارة أكثر تطورا منا».

وفي الحقيقة الرجل يعيد ما حكاه القرآن بالنص عن كفار قريش لما قالوا لسيدنا محمد: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كِسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا.

لذا فمن المهم أن يسأل كل إنسان نفسه: ما هو الدليل الكافي على صدق الأنبياء، وما الفرق بين المعجزة والحيل السحرية؟ ولعل الحكمة من أن تكون معجزات أكثر الأنبياء من جنس ما برع فيه أقوامهم وتخصصوا فيه أن يكونوا قادرين على التفرقة بين المعجزات والسحر أو الحيل، ولأجل هذا أيضا كان القرآن معجزة خاتم الأنبياء، لأنه يتميز بوضوح عن السحر والحيل والألاعيب، بالإضافة لكونه معجزة باقية على مر العصور واشتمل مع إعجازه البلاغي على الإخبار عن الغيوب أيضا.

اقرأ أيضا:

إعجاز القرآن الكريم

مدى حجية إعجاز القرآن الكريم

(5)

هناك مُرجحّات قوية على صدق النبي إذا انضمت إلى المعجزة يحصل العلم الضروري للسامع والمشاهد بصدق صاحبها، ومنها حال هذا الذي يقول إنه نبي، فإن النبي يكون من أكمل الناس خلقًا وأحسنهم سيرة وأكملهم طبعًا، ولذا قيل: إن الذي يدعي النبوة لا شك يكون أصدق الخلق وأفضلهم أو أكذبهم وأشرهم، لأنه إن كان صادقا في دعواه فلا شك أن الله يريده قدوة للناس فيكون أعظمهم خلقا، وإن كان كاذبا فهو يكذب على الله، ولا يريد بهذا الكذب إلا نيل الدنيا من منصب أو مال أو جاه أو ملذات الدنيا العاجلة، ولا يشتبه أصدق الناس بأحقر الناس إلا على من انطمست بصيرته وقل إدراكه.

ومعلوم لمن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه كان من أكثر الناس بعدا عن طلب الدنيا وزهدا فيها، وإقبالا على الآخرة ليس فيما يتعلق به فقط بل حتى ما يتعلق بأهله وأولاده، فقد كان يمر الشهر والشهرين لا يوقد في بيته نار كناية عن الزهد والصدقة بما في يده على الفقراء، بل كان النبي كما يقول علي بن أبي طالب يقدم أقربائه على غيرهم من الصحابة في ميادين القتال والغزوات، ففي غزوة بدر قُتل ابن عمه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وفي أحد قتل عمه حمزة، وفي مؤتة قتل ابن عمه جعفر، وعرض عليه الملك والمال من أجل أن يترك دعوته فلم يوافق، بل ظل على هذه الحال من الزهد حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى، ويؤكد الفخر الرازي على هذا وهو يقول في كتابه المطالب العالية 8/114: «ولهذا لما أورد على النبي أنه لماذا لا يكون ما جاء به من الوحي والرسالة من تنزيل الشياطين عليه، فأجاب القرآن بأن: «تنزل على كل أفاك أثيم» والمعنى: أنه إن كانت الدعوة إلى طلب الدنيا وطلب اللذات والشهوات، كان ذلك الداعي أفاكا أثيما، والذين يعينونه عليه هم الشياطين. وأما أنا فأدعو إلى الله، وإلى الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، ولا يكون هذا بإعانة الشياطين بل بإعانة الله تعالى».