إن كان الدين حقا لماذا لا يستجيب الله دعاء بعض المؤمنين؟

شبهة استجابة الدعاء

السؤال:

إن كان الدين حقا لماذا لا يستجيب الله دعاء بعض المؤمنين

الجواب:

ينبغي أن يؤسس الجواب على الاعتراف بوجود خالق مدبر مستحقّ للعبودية، فهذا السؤال جواب لاحق لسؤال سبقه لابدّ للسائل أن يقام له الدليل عليه، وهو وجود الله سبحانه.

فإذا تمّ ذلك الجواب، ألحقنا ذلك بجواب آخر، وهو استجابة الله للدعاء، ونؤسس الجواب على عدّة مقولات.

المقولة الأولى: مفهوم الدعاء.

المقولة الثانية: مكانة الدعاء في جملة الشعائر الدينية.

المقولة الثالثة: مواطن الإشكال.

أمّا عن المقولة الأولى: مفهوم الدعاء، فإنّ الدعاء في لغة العرب يطلق على الطلب والابتهال: يُقال: دعوتُ اللَّه أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير.. ودعا الله: طلب منه الخير، ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر. [المصباح المنير، للفيومي 1/ 194، ط. المكتبة العلمية].

والدعاء اصطلاحًا: هو سؤال العبد ربه على وجه التضرع، وقد يطلق على التقديس، والتحميد ونحوهما.

ثمّ إنّ الدعاء في الاستعمال الشرعي على معنيين:

المعنى الأول: دعاء العبادة، والمعنى الثاني: دعاء المسألة.

المعنى الأول: دعاء العبادة: هو التضرع وطلب الثواب بالأعمال الصالحة: كالنطق بالشهادتين، والعمل بمقتضاهما، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.

 وبعض هذه العبادات تتضمّن الدعاء بلسان المقال مع لسان الحال، كالصلاة. فمن فعل هذه العبادات وغيرها من أنواع العبادات الفعلية، فقد دعا ربه؛ لأنّها تحتوي على ذكر وثناء وتسبيح وتحميد وكلّ هذا من الأدعية.

المعنى الثاني: دعاء المسألة: ومعناه سؤال العبد ربّهُ في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة، بما يحقّق له النفع، أو يكشف عنه الضر، وطلب الحاجات عمومًا.

المقولة الثانية: مكانة الدعاء في جملة الشعائر الدينية.

أما عن مكانة الدعاء فقد وردت النصوص الدينية بكونه هو العبادة؛ لما فيه من قرب العبد من ربه، وسؤاله إياه، ولهج لسانه بذكره.

فقد روى أحمد في “مسنده” عن النُّعمان بن بَشِير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].

وقال الله تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 14].

وقال تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 65].

ولأنّ أحوال الإنسان متبدّلة ومتغيّرة، فلابدّ له من مرجعيّة يرجع إليها، يطلب منها العون والإعانة فيما يلمّ به من الأمور في دروب الحياة، فقد أرشد الله بقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]

 ولا يكون ذلك في حال الضراء فقط، بل يكون في حال السراء أيضًا، في حالة النعماء وحالة الضرر، فأرشد لذلك بقول: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] والإعراض: الانصراف عن شيء، وهو مستعار هنا للغفلة عن شكر المنعم أو التعمد لترك الشكر. [التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (25/ 14)، ط. المطبعة التونسية].

 وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].

وقال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 55].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5].

وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 11 ،13].

ولذا تقرر أنّ الدعاء إنما هو توسّل لله على سبيل العبودية؛ ذلك أنّ الدعاء هو العبادة كما وردت ونطقت بذلك النصوص الدينية، وفي هذا تحقيق لمعنى التوحيد الذي هو التوسط في الاعتقاد، بين اعتقاد الجبر بمعنى أنّ الإنسان مجبور على كلّ شيء، وزعمه أن لا عمل له، فهو كالريشة في الهواء كما تحركها الرياح، فإنّ القدر يحركه.

المقولة الثالثة: مواطن الإشكال.

يرد على الذهن أن هناك تضاربًا في النصوص الدينيّة المتقدّمة، فيعض النصوص ظاهرها يوحي بأنّ الإجابة مضمونة فور الدعاء، وبعضها يوحي بأنّ ما هو مقدّر واقع لا محالة، ولا فائدة من الدعاء، فأحدث ذلك تضاربًا.

كالآية التي تقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وهو وعد من الله جل وعز يلزم الوفاء به، ولا يجوز وقوع الخُلف فيه؟

وجوابه: أنّ هذا مضمر فيه المشيئة كقوله: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام: 41]، وقد يرد الكلام بلفظ عام، مُراده خاص، وإنما يستجاب من الدعاء ما وافق القضاء، ومعلوم أنه لا تظهر لكل داع استجابة دعائه؛ فعلمت أنه إنما جاء في نوع خاص منه بصفة معلومة، وقد قيل: معنى الاستجابة: أن الداعي يعوض من دعائه عوضا ما، فربما كان ذلك إسعافا بطلبته التي دعا لها، وذلك إذا وافق القضاء. فإن لم يساعده القضاء، فإنه يعطى سكينة في نفسه، وانشراحا في صدره، وصبرا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة دعائه، وهو نوع من الاستجابة” ا هـ. [شأن الدعاء، أبو سليمان الخطابي (1/ 13)، ط. دار الثقافة الجديدة].

أما الدعاء بمعنى نفع الداعي فقط وتحقيق ما تمناه مباشرة، وكأنّ له إرادة ومشيئة تفوق إرادة ومشيئة الإله، أو حتى لا تفوقه فإنّها تحمل معنى البرجماتية pragmatism النفعية والتي تعني بأنّ تصورنا لموضوع سواء دينيًّا أو دنيويًّا ما هو إلا تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر، فتتعامل مع الإله من هذا المنطلق، وهو لابدّ من فوريّة الاستجابة للمطلوب.

وقد يرد سؤال آخر، وهو هل الدعاء في ذاته مفيد، يجب الاشتغال به؛ ليقع المقصود، أم ليس به نفع، فالالتفات عنه أصل؟

والجواب: أنّ الدعاء بمعنى العلّة للشيء، أمر لم يرد على لسان الشرع، فليس الدعاء في ذاته مرتِّبًا للإجابة، بل كالأمارة لها، والعلامة الدالة عليها؛ ولذا جاءت أوامر الشرع بمجموعة من الإجراءات التي يجب أن يتّخذها الداعي، حتى يكون دعاءه مظنّة الإجابة.

 منها: عدم العجلة في الجواب: كما ورد في الحديث: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجلْ فيقول: قد دعوتُ فلم يُستجَبْ لي».

ومنها: أن يكون الدعاء بغير إثم، أو قطيعة رحم.

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: «قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». رواه مسلم.

“فيستحسر” قال أهل اللغة: يقال حسر واستحسر إذا أعيا وانقطع عن الشيء، والاستحسار هو الانقطاع، والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء ومنه قوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19].

ومنها: البحث وتحرّي مصادر الحلال، واجتناب مواطن الحرام: كما جاء في الحديث: «ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك».

كلّ ذلك بإخلاص نيته، وإظهار فقره، ومسكنته، ويكون حاله متضرعًا، خاشعًا.

ولذا فإنّ الإشكال يرد معنا وهو كون الدعاء على جهة التضرّع أقوى من جهة الطلب، فإنّه من المقرّر أنّ الدعاء يكون على جهة التضرّع والرجاء، ففيه نوع تعلّق بمن يُرجى منه الإجابة، وطمعا في إجابته، بخلاف لو كان نفس الدعاء هو علّة الجواب، فيكون ههنا يقينًا سيتحقق المطلوب، وهذا مما لم يرد على لسان الشرع الشريف، ولا نطقت به النصوص؛ ذلك أنه لو كان الشأن كذلك لأدى ذلك إلى ترك العمل، والخلود إلى الراحة.

ولذا كان بعض الصاحين يقول: “إن العمل الدائر بين الظفر، بالمطلوب وبين مخافة فوته، يحرك على السعي له، والدأب فيه، واليقين يسكن النفس، ويريحها، كما اليأس يبلدها ويطفئها، وقد قضى الله -سبحانه- أن يكون العبد مُمتحنًا، ومُستعملًا، ومُعلّقًا بين الرجاء، والخوف اللذين هما مدرجتا العبودية”.

والله أعلم.