إمكان اليقين في قضايا الإلهيات

السؤال

هل من الممكن الوصول للمعرفة واليقين في القضايا المتعلقة بالغيب والميتافيزيقا مثل وجود الله واليوم الآخر، أم أن المعرفة في مثل هذه القضايا ظنية ؟ خاصة أن هناك عددًا من المفكرين والفلاسفة ينكرون إمكانية الوصول إلى حقيقة مطلقة في هذا الكون وأقصى ما يمكن للعقل هو الشك وإثارة التساؤلات لا سيما وأن العقل البشري محدود ومقيد بما تنقله إليه حواس الإنسان القاصرة؟

تمهـــيد

السؤال عن جوهر المعرفة وحقيقة العلم سؤال مهم ، تنازعه الفلاسفة وبحثوه منذ القدم، بل هو أول مباحث الفلسفة متمثلا في نظرية المعرفة ، إذ هو الذي يتوقف عليه النظر في كل العلوم والمعارف التي يكتسبها الإنسان منذ صغره حتى موته.

تعريـــف العــلــم

والمقصود بالعلم عند المناطقة والمشتغلين بمباحث المعرفة والاستدلال هو مطلق الإدراك، فكل معرفة اكتسبها الإنسان سواء كانت بدهية أم نظرية، أدرك فيها المفردات أو القضايا الخبرية، تسمى إدراكا وعلما.

قال الشيخ الملوي ([1]) : «المراد بالعلم مطلق الإدراك». اهـ

والمقصود بالعلم والمعرفة اليقينية ههنا في السؤال هو أخص من ذلك، فالعلم كما يقول الإمام ابن الحاجب ([2]) :«صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ».

ومعنى هذا أن العلم كما قال الإمام الشريف الجرجاني ([3])  «هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع».

مراتب الإدراك، وأقسامه من حيث مطابقته للواقع

فالمراد بالجزم ههنا عدم تردد النفس في الحكم بالنسبة التصديقية في الأخبار والمعارف، إذ أن مراتب العلم من حيث قبول النفس له وجزمها به خمس مراتب: هي اليقين أو الجزم أو العلم، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ثم الظن وهو درجة أقل من اليقين ومعناه هو الإدراك الغير جازم لكن مع وجود رجحان الصدق على الكذب، ثم الشك: وهو استواء طرفي الصدق والكذب عند النفس، ثم الوهم وهو إدراك يترجح فيه جانب الخطأ أو الكذب على جانب الصدق، ثم الجهل، وهو عدم الإدراك أصلا، وهناك ما يسمى بالجهل المركب وهو الإدراك الجازم الذي يخالف الواقع الخارجي.

قال الإمام الزركشي ([4])  :

« الإدراك معَ الحكم إما أن يكون جازماً أو لا، فإنَّ كانَ جازماً لا يقبل التغيير، أي: لا في نفس الأمر ولا بالتشكيك، فهو العلم، وإن قبله فهو الاعتقاد، ثمَّ إن طابق الواقع فصحيح وإلا ففاسد، وإن لم يكن جازماً فإما أن يتساوى طرفاه فهو الشك، أو يترجح أحدهما فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم، فهذه خمسة أقسام: اثنان باعتبار الجزم وثلاثة باعتبار عدم الجزم» اهـ

فههنا مبحث مهم: وهو أننا حين نقول : إن العلم واليقين والمعرفة الجازمة هي مطابقة الإدراك الحاصل في النفس للواقع الخارجي والحقائق الثابتة في نفس الأمر، يرد سؤالين مهمين؛ وهو: وهل ثمة حقائق ثابتة وموجودة أصلا خارج الذهن البشري أم أنها مجرد خيالات وأوهام؟ والسؤال الثاني: إن كان هناك حقائق بالفعل فهل يمكن التوصل إليها بما أوتي الإنسان من وسائل الإدراك والمعرفة أم لا؟

أثــر اتصال النفس البشرية بالواقع الخارجي

للإجابة عن السؤال الأول نقول: إن كل نفس بشرية تجد فيها أثرا وانفعالات في الوجدان البشري بالضرورة، عند اتصالها بما هو خارجها، فيشعر بالألم والفرح والتعجب والخوف والجوع وغيرها من المشاعر الوجدانية الإنسانية، فمثلا: الإنسان الذي يقترب من النار وتتصل إحدى أجزاء جلده بها ، فإنه يشعر في قرارة نفسه بالألم الذي سببته حرارة النار بالضرورة، فهذه هي الحقيقة الأولى التي ينازع فيها عاقل، وهو أن كل إنسان له نفس تقوم بها بعض الأمور الوجدانية كالإحساس بهذه المشاعر، وهذه الحقيقة الأولى هي من المطالب الضرورية التي لا يطلب عليها دليل بنظم الأقيسة والبراهين المنطقية، فإن من طلب دليلا على ما يجده في نفسه من المشاعر والوجدانيات كان مجنونا أو مكابرا، لا يجدي معه الكلام، ولذا قال الإمام الزركشي في لقطة العجلان وبلة الظمآن (ص 33 مع شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري) : «أربعة لا يقام عليها دليل ولا يطلب ، وهي : الحدود والعوائد والإجماع والاعتقادات الكامنة في النفس» اهـ ، فالمقصود بالاعتقادات الكامنة انفعالات النفس بها، لا أن نفس الاعتقاد غير مطالب بدليل عليه.

ثم يقال حينئذ فما الدليل أن هذه الانفعالات والمشاعر هي نتاج لحقيقة وواقع خارج هذه النفس؟ فنقول: الإدراك الحاصل في النفس سواء كان تصورا لشيء مفرد أو كان حكما ما، وكذلك المشاعر والوجدانيات التي يجدها في ذاته، هي نتاج اتصال بين ذاته وبين أمر آخر، فمثلا حينما تلمس يد الإنسان نارا مشتعلة فإنه يجد في نفسه إحساسا ضروريا بوجود الألم، وكذلك إذا تذوق الإنسان شيئا حلوا أو حامضا أو مُرّا فإنه يجد في نفسه إحساسا ضروريا بطعم هذا المأكول، ويجد في نفسه فرقا ضروريا بين هذه المأكولات التي ولّدت هذا الإدراك بالطعم، ولا يجوز أن يكون هذا المؤثر الذي نقلته الحاسة ليحصل الإدراك والانطباع داخل النفس من داخل هذه النفس؛ لأنه سيستحيل ألا تذهب تلك الانفعالات من نفوسنا، وكذلك أن تزول الإدراكات المتحصلة بالحواس المختلفة إن كانت من عين النفس التي تشعر وتدرك، إذ الحاسة مجرد ناقل للأثر الذي يحدثه المؤثر، ولذا يجب أن يكون هذا المؤثر خارجيا، وهو الذي نسميه الواقع أو الحقيقة الخارجية.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الكبير أبو حفص عمر بن محمد النسفي في أول عقيدته المشهورة بالعقيدة النسفية: «حقائق الأشياء عندنا ثابتة» أي أن ما ندركه من الأمور التي تنقلها لنا وسائل العلم هي حقائق وأمور موجودة في نفس الأمر خارج النفس، وليست خيالات وأوهام.

ولمزيد إيضاح لهذا المعنى فإننا لابد أن نبين كيفية الإدراك البشري ووصوله للمعرفة بالترتيب حتى ندلّل على استحالة كون الخيال والوهم سابقا على الحس.

مراحل الإدراك البشري

مرحلة الإدراكات الإنسانية للخارج تمر بعدة مراحل: أولها هي مرحلة الحس ثم الخيال ثم التفكر ثم التعقل.

فمرحلة الحس هي عبارة عن إدراك صور الأشياء التي تنعكس في الذهن عند الاتصال المباشر بين أحد الحواس الخمس والواقع الخارجي، فعندما يشاهد الإنسان شخصا أمامه، فإن صورة هذا الشخص تنطبع في ذهنه ، وهذه هي المشاهدة، ومثلا عندما يسمع الإنسان صوتا ما فإنه يتصل بإذنه إدراكٌ ما هو الذي يسمّى السمع.

بعد ذلك هناك مرحلة تسمى الخيال، إذ أنه بعد انتهاء الإدراك الحسي تبقى في الذهن صورا في الحافظة البشرية ، يستطيع الإنسان استحضارها متى شاء، وهي الصورة المتخيلة وهي بعينها الصورة التي حصلت عند الإدراك الحسي لكنها تختلف عنها بالشدة والضعف، فهي ليست في وضوح وقوة صور الإدراكات الحسية، وتختلف أيضا القوة المتخيلة عن القوة الحسية في أن شرط القوة الحسية هي اتصال الحواس بالعالم الخارجي أي  لابد من وجود الـمُبصَر لبقاء حاسة الإبصار بخلاف الخيال فإنه لا يحتاج إلى ذلك الاتصال، فهذه هي المرحلة الثانية من مراحل الإدراك وهي الخيال.

ثم هناك القوة المتفكرة: وهي القدرة على التصرف في الصور المتخيلة بالتركيب أو الحذف أو عزلها عن محيطها الذي وجدت فيه، فالإنسان يمكنه بواسطة هذه القوة المتفكرة أن يركب من الفرس والطيور -التي أدركها أولا بحواسه- صورة خيالية لفرسٍ يطير بجناحين، وكذلك لبحر لا من ماء، وإنما من الزئبق أو من العسل أو اللبن، وهذا الإدراك ليس موجودا عند الحيوان.

المرحلة الرابعة: وهي مرحلة التعقل ، وذلك أن العقل يستطيع أن يجرد من هذه القوى المحسوسة أو المتخيلة معاني مجردة ليست حسية، وإنما معاني كلية تصدق على أفراد كثيرين، وعلى صور لا نهاية لها، فمثلا: الإنسان حين يرى الغراب الأسود فإنه يجرد من ذلك اللون المشاهد معنى كليا وهو كونه صفة وعرضا قائمة بجسم الغراب، وإدراك التفرقة بين الذاتي والعرضي، وإدراك أن مساوي المساوي مساوي له، وغيرها.

يوضح الإمام أبو حامد الغزالي هذه المراحل بقوله في كتاب المستصفى (ص: 27):

«المعاني باعتبار أسبابها المدركة لها ثلاثة: محسوسة ومتخيلة ومعقولة؛ ولنصطلح على تسمية سبب الإدراك قوة، فنقول في حدقتك معنى به تميزت الحدقة عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، وإذا بطل ذلك المعنى بطل الإبصار، والحالة التي تدركها عند الإبصار شرطها وجود المبصر، فلو انعدم المبصر انعدم الإبصار وتبقى صورته في دماغك كأنك تنظر إليها.

وهذه الصورة لا تفتقر إلى وجود المتخيل، بل عدمه وغيبته لا تنفي الحالة المسماة تخيلا وتنفي الحالة التي تسمى إبصارا.

ثم فيك قوة ثالثة شريفة يباين الإنسان بها البهيمة تسمى عقلا محلها إما دماغك وإما قلبك وقوة العقل تباين قوة التخيل مباينة أشد من مباينة التخيل للإبصار، إذ ليس بين قوة الإبصار وقوة التخيل فرق، إلا أن وجود المبصر شرط لبقاء الإبصار وليس شرطا لبقاء التخيل، وإلا فصورة الفرس تدخل في الإبصار مع قدر مخصوص ولون مخصوص وبعد منك مخصوص، ويبقى في التخيل ذلك البعد وذلك القدر واللون وذلك الوضع والشكل حتى كأنك تنظر إليه.

ولعمري فيك قوة رابعة تسمى المفكرة شأنها أن تقدر على تفصيل الصور التي في الخيال وتقطيعها وتركيبها وليس لها إدراك شيء آخر، ولكن إذا حضر في الخيال صورة إنسان قدر على أن يجعلها نصفين فيصور نصف إنسان، وربما ركب شخصا نصفه من إنسان ونصفه من فرس، وربما تصور إنسانا يطير إذ ثبت في الخيال صورة الإنسان وحده وصورة الطير وحده؛ وهذه القوة تجمع بينهما كما تفرق بين نصفي الإنسان.

وإدراك المفردات المجردة بقوة اصطلحنا على تسميتها عقلا فيدرك السواد ويقضي بقضايا ويدرك اللونية مجردة ويدرك الحيوانية والجسمية مجردة وحيث يدرك الحيوانية قد لا يحضره الالتفات إلى العاقل وغير العاقل وإن كان الحيوان لا يخلو عن القسمين؛ وحيث يستمر في نظره قاضيا على الألوان بقضية قد لا يحضر معنى السوادية والبياضية وغيرهما.

وهذه من عجيب خواصها وبديع أفعالها، فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس المطلق الذي يشترك فيه الصغير والكبير والأشهب والكميت والبعيد منه في المكان والقريب، بل يدرك الفرسية المجردة المطلقة متنزهة عن كل قرينة ليست ذاتية لها، فإن القدر المخصوص واللون المخصوص ليس للفرس ذاتيا بل عارضا أو لازما في الوجود، إذ مختلفات اللون والقدر تشترك في حقيقة الفرسية وهذه المطلقات المجردة الشاملة لأمور مختلفة هي التي يعبر عنها المتكلمون بالأحوال والوجوه والأحكام ويعبر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ويزعمون أنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان». اهـ باختصار.

فعلم أن جميع الإدراكات البشرية على اختلاف وسائلها تابعة للحس، وهو شرطٌ لها، وأن ما نجده في أنفسنا من علوم وإدراكات وانفعالات يستحيل أن يكون جميعها راجع للوهم أو الخيال، بل لابد أن يكون مُستندُ بعضِها على الأقل حقائقَ خارجية موجودة وثابتة بالفعل؛ كي لا يلزم الدور.

 فإن قيل إن الذي ينقل بواسطة الحس إلى النفس لا يسمى حقيقية أو واقعا خارجيا، بل هو أمر آخر من جنس الأحلام التي يراها الإنسان في منامه، وليس لها وجود في الواقع أو نفس الأمر؛ فإن الإنسان في منامه يرى أشياء ليست واقعية ومع ذلك تخلّف في النفس انطباعا وأثرا مماثلا لما يراه الإنسان في اليقظة بل ربما يكون أشد.

فيُجَاب إن هذا الانفعال الذي يوجد في النفس عند رؤية المنام إنما هو من أثر قوة الحافظة التي ارتسمت فيها صور المحسوسات أولا قبل المنام، والنفس في الرؤية المنامية قد تستدعي هذه الصور وتتصرف فيها بالتبديل والتغيير كما هو فعل القوة المتفكرة، فلابد كما قلنا من وجود بعض الحقائق الخارجية أولا ، ويبقى للعقل بعد ذلك -كما سنبين – مهمة التبيين والتفرقة بين الحقائق والأوهام.

العلوم اليقينية الحاصلة لكل إنسان :

   أما السؤال الثاني المتعلق بكيفية الوصول إلى هذه الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه،  فلابد للإجابة عليه معرفة وسائل المعرفة والإدراك ، وطرق دلالتها على الواقع وحقائق الأشياء.

فللعقلاء والناس في هذا السؤال مذاهب وأقوال، لكن قبل ذكرها، يجب علينا أولاً أن نبين العلوم الضرورية التي يكتسبها الإنسان من غير بحث أو نظر، وهي من جملة العلوم اليقينية التي لا يتطرق إليها الشك أو الوهم، ولا تحتاج في إثباتها إلى ترتيب الأدلة والأقيسة ، وهذه العلوم الضرورية سواء كانت تصورات أي إدراك مفردات، أو أحكام هي التي سينبني عليها غيرها من العلوم والمعارف اليقينية الأخرى.

أول هذه اليقينيات هي الأوليات : وهي القضايا التي يصدق العقل بها لذاتها، أي بدون سبب خارج عن ذاتها، كأن يكون تصور الطرفين كافيا في الحكم والجزم بصدق القضية، من قبيل قولنا: “النقيضان لا يجتمعان”، و “أن الكل أكبر من الجزء” وأن الشيء هو هو، وأن لكل حادث سبب.

ولا يعقل أن يطلب دليل على هذه الأوليات، ولذا فكما قلنا دليلها فيها، وكذلك بطلان معارضتها فيها، فإن قال قائل : إن اجتماع النقيضين جائز أو غير محال لزم من هذا القول أن يكون هذا القول باطلا ، فكما أن دليل صحة هذه الأوليات فيها، كذلك دليل بطلان مخالفتها فيها.

يقول الغزالي رحمه الله ([5])  :

«الأوليات: واعني بها العقليات المحضة التي اقتضى ذات العقل بمجرد حصولها من غير استعانة بحس التصديرَ بها مثل علم الإنسان بوجود ذاته، وبان الواحد لا يكون قديما حادثا، وأن النقيض إذا صدق أحدهما كذب الآخر، وان الإثنين أكثر من الواحد ونظائره. وبالجملة هذه القضايا تصادف مرتبة في العقل منذ وجوده حتى يظن العاقل أنه لم يزل عالماً به، ولا يدري متى حصل ولا يقف حصوله على وجود أمر سوى العقل، إذ يرتسم فيه الوجود مفرداً والقديم مفرداً والحادث مفرداً والقوة المفكرة تجمع هذه المفردات وتحسب بعضها إلى بعض، مثل أن تحضر أن القديم حادث ويكذب العقل به أو أن القديم ليس بحادث ويصدق العقل به، ولا نحتاج إلا إلى ذهن ترتسم فيه المفردات والى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات إلى البعض فيتربص العقل على البديهة إلى التصديق أو التكذيب». اهـ

وثانيها: المحسوسات : وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة الحس ، والحس على قسمين ظاهر وباطن ، فالقضايا المتيقنة بواسطة الحس الظاهر تسمى الحسّيات : كالعلم بأن هذه النار حارّة ومحرقة، وبأن الشمس مضيئة، وأن الثلج بارد ، والحديد صلب، والقضايا المتيقنة بواسطة الحس الباطن تسمى بالوجدانيات،  كالعلم بأن لنا أَلَــمَــاً ، وخوفا، ومحبة ، وغيرها.

والقسم الثاني من المحسوسات هي التي تسمى بالمحسوسات الباطنة، أو الوجدان، وهي التي يقول عنها الغزالي :

«وذلك كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وخوفه وفرحه وسروره وجميع احواله الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس. وهذه ليست مدركة بالحواس الخمس ومجرد العقل. لا يكفي في إدراكها بل البهيمة تدرك هذه الأحوال من نفسها بغير عقل والأوليات لا تكون للبهائم والصبيِان. فإذا يحصل من هذا المدرك يقينيات كثيرة وقضايا قطعية مثل قطعه بأنه جائع ومسرور وخائف، ومن عرف نفسه وعرف السرور وعرف حلول السرور فيه ينظم من هذه المعارف قضية يحكم على نفسه بأنها مسرورة، فكانت القضية المنظومة منه عند العقل قضية حقيقة». اهـ ([6])

الثالث من هذه اليقينيات: المتواترات، وهي قضايا تسكن إليها النفس سكونا يزول معه الشك ويحصل الجزم القاطع ، وذلك بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب بشرط أن يكون مستند انتهائهم الحس.

فعلمنا بوجود البلاد النائية والأمم العظيمة البائدة حاصل عن طريق النقل بالتواتر، وهذا علم لا يتطرق إليه الشك، ولا يحتاج لبحث في أحوال وصفات المخبرين به لكثرتهم كثرة تحيل العادة باجتماعهم على الكذب أو النسيان أو وجود أدنى احتمال للخطأ .

فاليوم لا يستطيع أي إنسان أن يكذب بوجود دولة مثل أستراليا مثلا أو نيجيريا رغم إنه لم يَزُرها، وكذلك لا يستطيع أي شخص التكذيب بوجود النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه عاش في مكة، ولا أنه ظهر عالم اسمه آينشتاين كان عبقريا في الفيزياء ، وغيرهم من الشخصيات العظيمة الواسعة التأثير في الدنيا والعالم؛ رغم إنه لم يشاهد بنفسه هذه الأماكن وهؤلاء الأشخاص، ومن يكذب مثل ذلك فإنه مجنون مكابر لا يلتفت إليه، والعلم بهذه الأمور كلها مستفاد مما أسميناه «الخبر المتواتر». وهو في الحقيقة وسيلة معرفةٍ مركبةٍ من الحس والعقل معا، لكنها أفردت لأهميتها وكثرة المعلومات اليقينية المستفادة منها.

الأمر الرابع من اليقينيات : الفطريات ، وهي المعروفة بالقضايا التي قياساتها معها ، أي إن العقل لا يصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات، بل لابد لها من وسط، إلا أن هذا الوسط ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى طلب وفكر، فكلّما حضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الوسط معه، مثل حكمنا بأن الاثنين نصف العشرة، فهذا حكم بديهي لكنه معلوم بوسط ، وهو كون الاثنين عدد قد انقسمت العشرة إليه وإلى أربعة قسام أخرى تساويه،  وكل ما ينقسم عدد إليه وإلى أربع أقسام أخرى كل منها تساويه فهو خمس ذلك العدد، فالاثنان خمس العشرة، وهذا قياس حاضر في الذهن لا يحتاج إلى قياس ونظر.

يقول الغزالي رحمه الله عن هذا القسم في كتابه : معيار العلم في فن المنطق (ص: 192)

«الصنف الرابع القضايا التي عرفت لا بنفسها بل بوسط ولكن لا يعزب عن الذهن أوساطها، بل مهما احضر جزئي المطلوب حضر التصديق به لحضور الوسط معه كقولنا: الاثنان ثلث الستة، فإن هذا معلوم بوسط وهو أن كل منقسم ثلاثة أقسام متساوية، فأحد الأقسام ثلث والستة تنقسم بالاثنين ثلاثة أقسام متساوية، فالاثنان إذن ثلث الستة، ولكن هذا الوسط لا يعزب عن الذهن لمقلة هذا العدد وتعود الإنسان التأمل فيه، حتى لو قيل لك: الاثنان والعشرون هي هي ثلث ستة وستين؟ لم تبادر إليه مبادرتك إلى الحكم بأن الاثنين ثلث الستة، بل ربما افتقرت إلى أن تقسم الستة والستين على ثلاثة، فإذا انقسمت وحصل أن كل قسم اثنان وعشرون عرفت أن ذلك ثلثه، وهكذا كلما كثر الحساب؛ فهذا وإن كان معلوما برأي ثاني لا بالرأي الأول ولكنه ليس يحتاج فيه إلى تأمل، فهو جار مجرى الأوليات فيصلح لأن يكون من مواد الأقيسة». اهـ

فهذه الأربعة هي جملة اليقينيات وبالتعرف عليها يمكننا التعرف على وسائل الإدراك ومصادر المعرفة البشرية التي تحققت بها ، وهذا يعيدنا إلى السؤال المهم عن كيفية وصولنا للحقائق ومعرفتها معرفة جازمة على ما هي عليه في نفس الأمر؛ فإن معرفة مقدمات اليقين والمعرفة في غاية الأهمية إذ يتوصل بها إلى كل قضية نظرية يحصل التردد فيها، وتحتاج إلى نظر، وبدونها تسقط المعارف البشرية كلها في سفسطة ولا أدرية لا تنتهي، بل لا يبعد أن نقول إنه يستحيل التواصل البشري بدون تأسيس هذه اليقينيات الأولية، حتى إن المناطقة قد سموها مواد الأقيسة لأنه مقدمة أي قياس يتوصل به إلى الحقائق والمعارف الجازمة.

وســــــائــل المـــعـــــرفــة ، ومجالاتها:

وبالنظر في هذه العلوم الضرورية المتحصلة نستطيع أن ندرك الوسائل التي اكتسبت بواسطتها ويمكن أن نحصرها في :

1- الحس : والمقصود بها الحواس الخمس الظاهرة، السمع والبصر واللمس والشم والذوق، وهذه الحواس هي آلات الاتصال بالمدركات الحسية أي الأصوات والمبصرات والروائح والمطعومات وغيرها، ولا ينكر أحد أثر الحسّ في عملية المعرفة، والمقصود بالحس ليس فقط هو هذه الأعضاء التي تنقل إلينا الصور الخارجية، بل الحس يشمل هذه الآلات المدركة والقوة المتحدة به،  فكما قلنا من قبل الحواسّ الخمس ما هي إلا آلات ناقلة لبعض الصور الخارجية والمدرك على الحقيقة هي النفس الناطقة أي المفكرة للإنسان.

وهذا معناه أن الحس هو قبول النفس لصورة المحسوس لا مادته، فكما يقبل الشمع الساخن صورة الخاتم أو المفتاح حين يوضع فيه ويُزال، فكذلك الذي ينطبع في نفس الإنسان ليس مادة الكتاب أو مادة الحجر بل صورته.

والمعرفة الحسية المتحصلة من هذه الأدوات والقوى الخاصة بها هي أول معارف الإنسان اكتسابا، وهي التي يكون بها الإنسان إدراكه عن ماهيات الأشياء التي تسمى عند الفلاسفة والمتكلمين بالمعقولات الأولى ، فالعقل في بداية الأمر يعقل ماهيات الأشياء بوساطة المحسوسات الجزئية ، التي تنقل الصور الجزئية إلى النفس، فمثلا إذا رأى الإنسان كتابا معينا فإنه يرتسم في ذهنه، وكذلك إذا رأى كتابا آخر يحدث نفس الأمر، ثم يجرد العقل معنى كليا من هذه الصور الجزئية لما يمكن أن يسميه مفهوم الكتاب.

خصائص المعرفة الحسية، وما تفارق به المعارف العقلية

وهذه المعرفة الحسية تتميز بعدة خصائص:

1- أنها معرفة جزئية – كما قلنا- فهي لا تتجاوز موضوعها الخاص ، سواء كان مبصرا أو مسموعا أو ملموساً وغيرها، فالمرء لا يحكم بحسه إلا على المحسوسات التي أدركها بالفعل، فهو حكم جزئي، كالحكم أن طعم هذه الليمونة لاذع، أو أن هذه النار محرقة، أو أن هذا الصوت حادّ، لكن الحكم على الجنس بأكمله بما يقع تحته من الأفراد كقولنا “الليمون حامض” أو “النار محرقة” فهو حكم عقلي وليس للحس.

2- أنها محدودة وليست مطلقة، فهي مقيدة بما هو واقع في مجال الحس ومرماه، فالحس يقف على الكيفيات الظاهرة والأعراض الواضحة للأجسام كاللون والرائحة والشكل والليونة والخشونة، وأما الخارج عنها فلا  كقانون السببية  وقانون العلية والمعلول، وغيرها؛ فإنها معاني عقلية خارجة عن أفق الحس.

3- أن المعرفة الحسية محدودة بالزمان والمكان ، فالحس واقف على الأشياء المتحققة في الحال، وليس ما تحقق فيما مضى أو ما هو آت من الزمان، وإن كانت أشياء محسوسة، بل لابد في إدراك الماضي والمستقبل من أداة أخرى .

4- أن المعارف الحسية متفاوتة شدة وضعفا، فقوة البصر واتساع مداه يختلف من إنسان لآخر، وكذلك السمع واللمس وغيرها، بل هناك قوى حسية تكون في بعض الحيوانات أقوى وأشد منها في الحيوان عن الإنسان، فحاسة الشم عند الكلاب أكثر قوة عنها في البشر، وكذلك مرمى نظر الصقر ووضوحه أشد في الصقر منه في الإنسان، كما أن المحسوسات نفسها تختلف في صفاتها شدة وضعفا وإن اشتركت في المعنى العام، فمعنى البياض مشترك بين بياض اللبن والعاج والورق، لكنه مختلف بينها شدة ووضوحا

أما المعارف العقلية – كما سيأتي- فهي تختلف اختلافا رئيسيا عن المعرفة الحسية فيما سبق، فهي معرفة كلية لا جزئية، وتتعلق بمفاهيم خارجة عن الحس، كما أنها غير مقيدة بالزمان والمكان والجهة، فهي واقعة في كل الحقول والعوالم ، كما تتميز المعرفة العقلية بأنها معارف مطلقة لا تفاوت في صحتها ووقوعها في الخارج على ما هي عليه، نعم قد يقع التفاوت في سرعة الوصول إليها بالذكاء أو البلادة والغباء، لكن نفس المعرفة لا تفاوت فيها، فليس هناك واسطة بين الحق والباطل والصدق والكذب.

وقد يُــعتـرَض : إن الحس كثيرا ما يخطئ ، فالعين مثلا ترى الشمس والقمر بحجم القرص الصغير، وهي في الواقع أكبر من ذلك الذي نراه بكثير، وكذلك قد ترى العين الكواكب ساكنة وهي في حقيقتها متحركة. فكيف تعد المحسوسات من اليقينيات ؟

والجواب: أن معنى كون الحس من اليقينيات أنه آلة صحيحة لنقل الإدراكات بصورها الخارجية إلى النفس، ثم يقوم العقل بما نقل الحس إيجابا أو سلبا،  فالحس ليس حاكما في الحقيقة، وإن وقع في بعض العبارات التي للعلماء أن للحس حكمٌ فهو من باب المسامحة والتساهل في العبارة، فليس من الصواب أن نقول إن الحس يخطئ لأنه مجرد ناقل وليس حاكما، أي أداة ووسيلة موصلة للإدراك ، وإنما الذي يخطئ ويصيب هو العقل، ففي الأحكام التي نسميها حسية يكون حكم العقل معتمدا بالأساس على واردات الحس،  فمعنى كون الحس جازماً أنّه لا يتوقف جزم العقل بعد الإحساس على أمر آخر ليحكم بالحكم.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله ([7])  :

«الصنف الثاني المحسوسات كقولنا: القمر مستدير والشمس منيرة والكواكب كثيرة والكافور أبيض والفحم أسود والنار حارة والثلج بارد، فإن العقل المجرد إذا لم يقترن بالحواس لم يقض بهذه القضايا، وإنما أدركها بواسطة الحواس، وهذه أوليات حسية. ومن هذا القبيل علمنا بأن لنا فكرا وخوفا وغضبا وشهوة وإدراكا وإحساسا، فإن ذلك انكشف للنفس أيضا بمساعدة قوى باطنة، فكأنه يقع متأخرا عن القضايا التي صدق بها العقل من غير حاجة إلى قوة أخرى سوى العقل ولا شك في صدق المحسوسات إذا استثنيت أمور عارضة، مثل ضعف الحس وبعد المحسوس وكثافة الوسائط.». اهـ

ويوضح إشكال توهم الخطأ -رحمه الله- فيقول ([8])  : «الثالث المحسوسات الظاهرة: كقولك الملح أبيض والقمر مستدير، والشمس مستديرة وهذا الفن واضح، ولكن يتطرق الغلط إلى الإبصار بعوارض فتغلط لأجلها مثل بُعدِ مفرط أو قرب مفرط أو ضعف في العين. وأسباب الغلط في الإبصار الذي على الاستقامة ثمانية، والإبصار الذي بالانعكاس كما في المرآة. والذي بالانعطاف كما يرى ما وراء البلور والزجاج تتضاعف فيه أسباب الغلط ومداخل الغلط في هذه الحالة على الخصوص لا يمكن استقصاؤُه في مجلدات». اهـ

فحينما يقال: إن الحسّ أو العين المبصرة ترى القمر في حجم القرص الصغير وهو أكبر من ذلك بمئات المرات فههنا ثلاثة أمور الأول: تصور القمر أي حصول صورته في الذهن بسبب رؤيته بالبصر، وهذا هو عمل الحس، الثاني : تصديق أن هذا القمر صغير أي الحكم بأنه بنفس حجم الصورة الأولى التي انطبعت في النفس بسبب الرؤية، وهذا يسمى : الوهم ، الثالث : الحكم بأن الحكم السابق خاطئ فليس القمر صغيرا كالكرة ، وإنما هو كبير جدا لما ثبت بالأدلة التجريبية والعقلية، وهذا هو حكم العقل الصادق.

ولذا قال الإمام الشريف الجرجاني رحمه الله في شرح المواقف في علم الكلام ( 1/145) : « فإن جزم العقل ليس يحصل في الكليات ولا الجزئيات بمجرد الإحساس بالحواس ، بل لابد مع ذلك من أمور أخر توجب الجزم كما مرّ فإذا لم توجد تلك الأمور في بعض الصور لم يكن من العقل جزم ، وكان احتمال الخطأ هناك قائما». اهـ

ويقول الدكتور راجح الكردي ([9]) : « لابد أن ينضم العقل إلى الحواس فيصحح أخطاء الحس بسبب الظروف والمتغيرات، ومن ثمَّ فإن أخطاء الحواس لا يصح الاستناد إليها في إنكار العلم وإنكار إمكان المعرفة؛ لأن مثل هذه الأخطاء يمكن تصحيحها، سواء بحاسة أخرى أو بالتجربة مع العقل والبرهان، كما أنه من الممكن جدا تصحيح أخطاء الحواس في المسافات واختلاف الأوضاع والتمييز بين إدراك الإنسان السليم، وإدراك المريض، وبين النائم وإدراك اليقظان، وبين إدراك العاقل وإدراك المجنون، بمنهج عقلي سليم تمحص فيه الحقيقة». اهـ

2- العقل: هو الوسيلة الثانية والسبب الثاني من أسباب العلم والمعرفة، والعقل في اللغة هو الحجر والنهي، وقد سمي بذلك تشبيها له بعقال الناقة، لأنه يمنع صاحبه من العدول عن سواء السبيل، كما يمنع الناقة من الشرود.

ويطلق الفلاسفة العقل على ثلاثة أوجه :

الأول: قولهم أن العقل جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها، ورسومها ، وهو جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله. (تعريفات الجرجاني)

وهذا القول بجوهرية العقل موجود في أكثر كتب الفلاسفة، فالفارابي يقول أن القوة العاقلة « جوهر بسيط مقارن للمادة، يبقى بعد موت البدن، وهو جوهر أحدي ، وهو والإنسان على الحقيقة. ([10])

وثاني هذه المعاني قولهم أن العقل قوة النفس التي يحصل بها تصور المعاني، وتأليف القضايا والأقيسة. والفرق بينه وبين الحس -كما قلنا من قبل- أن العقل يستطيع أن يجرد الصورة عن المادة، وعن لواحق المادة، أما الحس فإنه لا يستطيع ذلك . فالعقل قوة تجريد، تنتزع الصورة من المادة، وتدرك المعاني الكلية كالجوهر والعرض، والعلة والمعلول، والغاية والوسيلة، والخير والشر، وهذه القوة عند الفلاسفة لها مراتب ([11]) :

أولاها: العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات ، وإنما نُسِب إلى الهيولي لأن النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولي الأولى الخالية في حد ذاتها من الصور لها.

والعقل الهيولاني مرادف للعقل بالقوة أي الصفحة البيضاء التي لم ينقش عليها شيء.

وثانيها: مرتبة العقل بالملكة، وهو العلم بالضروريات كاستحالة المستحيلات وجواز الجائزات، التي مثلنا لها من قبل كالعلم أن الكل أكبر من الجزء وبأن الواحد نصف الاثنين، واستعداد النفس بتلك الضروريات لاكتساب النظريات.

وثالثها : مرتبة العقل بالفعل، وهو أن تصير النظريات مخزونة عند القوة العاقلة بتكرار الاكتساب بحيث يحصل لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشم كسب جديد، لكنها لا تشاهدها بالفعل.

والمعنى الثالث للعقل أنه قوة الإصابة في الحكم أي تمييز الحق من الباطل، أي تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر ، والحسن من القبيح ([12]) .

ومعنى آخر للعقل: وهو أنه مجموع المبادئ القبلية المنظمة للمعرفة، كمبدأ عدم التناقض، ومبدأ السبيية، ومبدأ الغائية.

وهذه المبادئ تتميز بضرورتها وكليتها واستقلاها عن التجربة، فإذا قال الفلاسفة التجريبيون لا يوجد في العقل شيء قبل التجربة والحس، صحح الفلاسفة العقليون هذا القول لكن بإضافة قيد واحد عليه وهو قولهم : إلا العقل نفسه،  ومعنى ذلك أن المبادئ والمعاني الأولية التي يكشف عنها الفكر موجودة في العقل قبل اتصاله بالحس، وإن العقل الغريزي ليس صفحة بيضاء لم تنقش بنقش، وإنما هو ذو رسوم فطرية تنظم معطيات التجربة. وبعض المعاني الكلية كمعنى الضرورات ملازمة للعقل لا تفارقه، وبعض المعاني الأخر كمعنى الزمان والمكان حاصل للعقل بواسطة الفكر، والفرق بين العقل والفكر أن العقل مجموع المبادئ الضرورية والمعاني الكلية التي تنظم المعرفة ، على حين أن الفكر هو حركة النفس في المعقولات ، من المطالب إلى المبادئ تارة، ومن المبادئ إلى المطالب تارة أخرى ، أما الفرق بين العقل والاستدلال فهو أن العقل يدرك المبادئ الضرورية بذاته، إدراكا مباشرا، على أن الاستدلال هو النظر في شروط انطباق هذه المبادئ على موضوعات الفكر لاستخراج النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة.

المبادئ العقلية القبلية

ونعني بها القواعد الأولية التي يشترك في إثباتها كل العقلاء، وبدونها تقع المعرفة البشرية في سفسطة لا نهاية لها ، وهي التي ذكرنا من قبل أن برهانها فيها، فيصدق بها العقل بمجرد إدراك طرفيها، وقد كشف أرسطو أن هذه المبادئ القبلية في أربعة أمور.

1- أولها : مبدأ الهوية: يقضي أن الشيء هو هو ، ولا يمكن أن يكون إلا هو، أي أن الشيء يكون مطابقا لذاته.

2- مبدأ عدم التناقض: مضمونه أن النقيضين لا يجتمعان، فالقضية لا تصح إن جمع فيها النفي والإثبات مع الاتحاد في النسبية الحكمية كأن تقول زيد عالم ولا عالم.

3- مبدأ الثالث المرفوع: مضمونه أن لا وجود لحد وسط بين نقيضين، فالشيء إما أن يكون أو لا يكون.

4- مبدأ العلية : وهو أن لكل حادث سبب، فما دام الشيء ليس واجبا أو مستحيلا فلابد أن يكون هناك سبب لوجوده، لاستحالة ترجح جانب الإثبات على النفي أو العكس بدون مرجح.

وأشهر الذين أنكروا سببية العقل في اكتساب العلوم والمعارف هم السمنية في جميع النظريات، وبعض الفلاسفة في الإلهيات بناء على كثرة الاختلاف وتضارب الآراء ([13])  ، وسنذكر أكثر شبههم وأقاويلهم مع تبيين مواضع الغلط فيها.

والذي نريد أن نبينه بعد تلك المقدمة السابقة عن العقل أمرين:

الأول : مدى قدرة العقل على اكتساب المعارف النظرية، ومطابقة هذه المعارف للواقع.

الثاني: حدود العقل المحض ومجالاته في أمور الغيب ومباحث الإلهيات.

فأما الأمر الأول: فنحن ندعي أن كثيرا من المعارف النظرية تكتسب بالعقل بشرط أمرين: الأول: أن يتوصل إلى هذه العلوم بواسطة قياس صورته صحيحة ، والقياس هو القضية اللازمة لذاتها من قضيتين آخرتين ، كقولنا : الحديد معدن، وكل معدن عنصر بسيط. فهاتان القضيتان يلزم عنهما لذاتهما قضية أخرى، وهي أن الحديد معدن بسيط.

وبقية الصور الصحيحة المنتجة للأقيسة منصوص عليها في المنطق الصوري، وكذلك براهين كونها منتجة وصحيحة.

الأمر الثاني: أن تكون المواد المدمجة ضمن مقدمات القياسين الأولين يقينية ، وهي  جملة اليقينيات التي ذكرناها أولا، أو يكون إحدى مقدمات القياس قضية قد ثبت صحتها بقياس صحيح المادة والصورة من قبل.

وأما ما يخص حدود العقل المحض ومجالاته في أمور الغيب ومباحث الإلهيات، فنقول إن للعقل أن يحكم بكون الشيء واجبا أو ممكنا أو مستحيلا، بناء على ما يتوفر له من المواد اليقينية التي يمكن أن يبني عليها قياسا صحيحا لمعرفة الغيب، وقد يعجز العقل عن إدراك بعض المهايا لكونها لم تقع تحت دائرة الحسّ ، إلا أنه يحكم بوجوب وجودها أو جوازه أو استحالته، بناء على الظواهر والمعطيات المتوفرة بين يديه عن هذه المهايا.

فهناك فرق مهم بين ما يتصوره المرء أي يدرك ماهيته وهي صفاته الذاتية وبين الحكم بكون هذا الأمر جائزا أو مستحيلا أو واجبا بناء على تصور إحدى صفاته ولو بوجه من الوجوه.

فالإنسان يحكم بجواز وجود العنقاء وإن لم يكن موجودا بالفعل، ومتحققا في الخارج، ولم يقع تحت حسه أو يدرك كنهه.

وكذلك يحكم باستحالة اجتماع البياض والسواد في محل واحد رغم إنه يتصور كلا منهما.

وكذلك بناء على قانون العلية فإننا نجزم بوجوب أن يكون للحادث خالق قادر، إذ يستحيل أن يترجح جانب الوجود على العدم بلا سبب، وكذلك يستحيل أن يكون ذلك السبب راجع إلى نفس الحادث. وذلك الخالق القادر ليس مما هو يقع تحت الحس

الطريق الثالث من طرق اكتساب المعرفة: الخبر الصادق.

وهذا الطريق في الحقيقة مكون من الوسيلتين السابقتين: الحس والعقل معا، لكنها أفردت لأهميتها ، ولكثرة العلوم المستفادة منها.

والخبر الصادق على نوعين: الخبر المتواتر، وخبر الواحد المؤيد بالمعجزة، وهو النبي.

فأما الخبر المتواتر: فهو الذي تحيل العادة ناقليه أن يتواطؤوا على الكذب .

قال الإمام السعد التفتازاني : « وهو بالضرورة موجب للعلم الضروري كالعلم بالملوك الخالية في الأزمنة الماضية والبلدان النائية. ([14])

ولتوضيح معنى كون المتواتر مركبا من الحس والعقل معا، يقول الشيخ حسن محمد مكي العاملي ([15])  : تحت عنوان “عناصر عقلية في المعارف الحسية” : « هناك معارف تبدو للرأي العام أنها حسية، مع أنها في الحقيقة معارف عقلية، وإليك نماذج منها: 1- نحن نعتقد بوجود الإسكندر المقدوني ذلك الفاتح العالمي، ووجود نابليون بونابرت ذلك القائد العسكري، ونخال أن معرفتنا بوجودهما معرفة حسية، ولكن الواقع أنها معرفة عقلية، إذ نحن لم نر أيا منهما، ولا شاهدنا شيئا من بطولاتهما وفتوحاتهما، وإنما قرأنا ذلك في الكتب. فالمحسوس لنا في الحقيقة هو المكتوب والمقروء لا نفس الرجلين وما قاما به من أعمال.

ونحن نحتمل وراء ذلك أن يكون كل ما نقرؤه ونسمعه عنهما باطلا وكذبا، غير أن العقل يدفع هذا الاحتمال ، ويقول إنه من الممتنع أن تكون تلك الأخبار متضافرة كاذبة، إذ من المحال أن يتواطئ عبر القرون جميع المرخين على اختلاف مشاربهم، على جعل الأكاذيب حول الرجلين. فعند ذلك نذعن بصحة وجودهما ، وبطولتهما وآثارهما». اهـ

وأما خبر الواحد المؤيد بالمعجزة، فإن المعجزة قد دلت على صدقه فيما يخبر به عن الله من الوحي، وقد ثبتت العصمة للأنبياء بموجب هذا الوحي والرسالة، لئلا يجوز الكذب في حق الله سبحانه وهو محال. فلا يجوز في حقهم الكذب في التبليغ عن الله أو الذهول عن أداء  الرسالة، وإن جاز في حقهم العوارض البشرية  كالنسيان أو المرض وغيرها ، مما لا يعرى عنه إنسان، فالمحال في حق الرسل فقط إنما هو الكذب فيما يخبره مبلغا به عن الله مما يتعلق بالغيب أو بالأحكام الشرعية.

اختلاف التيارات والمذاهب في مصادر المعرفة

وتختلف التيارات والمذاهب في نظرية المعرفة تبعا لاختلافهم في وسائل المعرفة التي ذكرناها، فبعضها يعتمد الحس فقط ، وبعضهم يعتمد التجربة، وبعضهم يهجر الحس ويعتمد على العقل فقط ، وبعضها لا يسلم بوجود معلوم أصلا كما هو حال المثاليين ، واللا أدريين.

الرد على المثاليين

وبعض الشكاك الذين أنكروا جملة المعارف، أرجعوا عدم كون الحس مصدرا ومنهلا وطريقا للمعرفة وكشف الواقع الخارجي، بناء على هذه الظنون، فمثلا يقول الفيلسوف المثالي “باركلي” يقول: «إذا غمست يديك في ماء دافئ بعد أن تغمس إحداهن في ماء ساخن والأخرى في ماء بارد، أفلا يبدو الماء باردا لليد الساخنة وساخنا للماء الباردة؟ فهل يجب أن نقول عن الماء إنه ساخن وبارد في الوقت نفسه ؟ هذا هو الكلام الفارغ بعينه، إذن فلتستنتج معي أن الماء في ذاته لا يوجد كمادة مستقلة عن وجودنا فهو ليس سوى اسم نطلقه نحن على إحساسنا؛ فالماء يوجد فينا نحن . وفي كلمة واحدة: المادة هي الفكرة التي نصنعها عن المادة، وإذا كانت الإحساسات فارغة عن كل حقيقة موضوعية مطلقا لأنها ترتكز بصورة عامة على الحسّ، وإذا انهارت القاعدة انهار الهرم كله».

وهذا الكلام لا قيمة له عن الناظر فيه لأول وهلة ، لأننا قد قررنا سابقا وجود معارف عقلية أولية ضرورية للعقل البشري. وهذه المعارف الأولية لم تنشأ من الحس ولا يبدو فيها التناقض مطلقا.

يقول الأستاذ كمال الحيدري في المذهب الذاتي في نظرية المعرفة 233 : «لا يمكن اقتلاع المعارف بالعاصفة التي تثار على الحس والإدراكات الحسية، وما دمنا نملك معارف في منجاة عن العاصفة فمن الميسور أن نقيم على أساسها معرفة موضوعية صحيحة.

ثانيا: إن هذا الدليل يتناقض مع القاعدة الفلسفية لمثالية باركلي أي مع النظرية الحسية والمذهب التجريبي، وذلك لأن باركلي يعتبر مبدأ عدم التناقض حقيقة ثابتة ويستبعد من بداية الأمر إمكان التناقض في الواقع الموضوعي. وترتيبا على ذلك يستنتج من تناقضات الإدراكات والتجارب الحسية خلوّها عن الواقع الموضوعي، وغاب عنه أن مبدأ عدم التناقض ليس في المذهب التجريبي الحسّي إلا مبدأ تجريبيا يدلل عليه بالتجربة الحسية فإذا كانت الإدراكات والتجارب متناقضة كيف صح لباركلي أن يؤمن بمبدأ عدم التناقض ويبرهن عن هذا الطريق على عدم وجود واقع موضوعي؟ الحقيقة: أن باركلي استند لا شعوريا إلى فطرته الحاكمة بمبدأ عدم التناقض بصورة مستقلة عن الحس والتجربة.» اهـ

مذاهب الشكاك مطلقا

وهناك أصحاب الشك المطلق الذين يقعون في الحيرة فيمتنعون عن إصدار الأحكام، على خلاف أصحاب الشك المنهجي قد اتخذوا من الشك سبيلاً إلى اليقين، وهو عملية اختيارية هدفها إفراغ العقل مما فيه من معلومات سابقة قد تكون عرضة للمغالطة وعدم التأكيد، وذلك لتهيئة العقل لدراسة الأمور دراسة موضوعية غير متأثرة بالمفاهيم الشائعة والأخطاء المألوفة.

والشك المنهجي قديم في جذوره، إذ نجد له أساساً عند سقراط في أسلوب جدله مع السفسطائيين من خلال التهكم والاستفهام من موقع ادعاء الجهل وذلك بغرض تحرير العقل وتهيئته للحقائق الموضوعية.

ونجد كذلك عند أرسطو حثّاً على الشك بالقدر الذي يحفز على تلمس سبيل اليقين، حيث يقول في ذلك:

(إن الذين يقومون ببحث علمي من غير أن يسبقوه بشك يزاولونه، يشبهون الذين يسيرون على غير هدى فلا يعرفون الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكوه).

ومع عودة الدراسات الفلسفية إلى الازدهار في أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ظهرت بذور مذهب الشك المنهجي ولكن لم يتأطر هذا الشك بوصفه نظريةً وأسلوباً علمياً مقنّناً للبناء المعرفي إلا على يد ديكارت الذي يصفه بأنه (وسيلة للحصول على معرفة الحقيقة معرفة أكثر وضوحاً). وهو الشك نفسه الذي يقول عنه الإمام الغزالي: (الشكوك هي الموصلة إلى الحقائق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال).

الشك عند الغزالي:

عرف الغزالي بالشك لدى الفلاسفة والمفكرين من المسلمين وغيرهم، ولكن الذي اختلفوا فيه أمران: الأول: هو مدى ارتباط الغزالي بالفلاسفة، ومن ثمّ مدى إمكان عدِّ أقواله وآرائه نظريات فلسفية، أو هي اجتهادات فقيه مسلم في نطاق صفته بوصفه فقيهاً مسلماً وسنّياً متصوّفاً، ومرد ذلك أنه رغم مناهضته للفلاسفة جملة، ورفضه كثيراً من القضايا التي شكّلت موضوعاً للمعرفة، أو طُرُقِ الخوض فيها، وأحياناً ينصب رفضه للنتائج التي يتوصل إليها الفلاسفة، فالمهم أنه في كل ذلك كان يستخدم كثيراً من أدوات الفلسفة، وأساليب الفلاسفة، بل عَدَّ المنطق والقياس من الأدوات اللازمة للفقيه المسلم.

ولعل براعته في استيعاب الأساليب الفلسفية واستخدامها هو الذي جعله يصنف في عداد الفلاسفة لاسيما حديثه وموقفه من الشك، واليقين، وتجربته العملية الشخصية. والأمر الآخر الذي أثار حوله الجدل هو موقفه من الشك فهل كان هذا الشك مطلقاً أم منهجياً؟ فالذين ينسبونه إلى الشك المطلق يتحدثون عن فترة عابرة في حياته شك فيها في كل شيء وكاد يقنط من تلمس طريق اليقين، وهو يقر بأنه تجاوز ذلك بنور قذفه الله في قلبه.

وأما الذين يضعونه في خانة الشك المنهجي، فيأخذون من أقواله أدلتهم إذ يدعو إلى النظر والشك الموصل إلى اليقين وتأسيس المعرفة على البديهيات الأولية بعد التثبت منها.

والرأي عندي أن الشك عند الغزالي لم يبلغ أبداً درجة الشك المطلق الذي يعصف بجميع البديهيات لأننا إن وصفناه بذلك فكأننا نظن أنه مرّ بمرحلة من الإنكار والإلحاد أو الشك في وجود الخالق، ولكن الواقع أن الغزالي وهو في أوج شكه، وقد اعتزل الناس والتدريس، كان مهموماً بأمر الحقيقة، وإن حار في السبيل إليها، فقد شك في مصادر المعرفة، ثم بلغ اليقين بنور قذفه الله في قلبه كما ذكر في كتابه “المنقذ من الضلال”.

ومعلوم أن الحدس والإشراق هو مصدر للمعرفة يعترف به العديد من الفلاسفة اليونان والأوربيين، وعلى ذلك يمكن تشبيه فترة الشك عند الغزالي بفترة الاعتزال وإفراغ العقل التي مرّ بها ديكارت من بعد، رغم أن مصدر المعرفة الذي اعتمده ديكارت هو العقل في المقام الأول.

القيمة العلمية للشك المنهجي:

بعد أن تلاشى الشك بوصفه نظرية في المعرفة توطدت أركان الشك بوصفه منهجاً للبحث والتدقيق في المعرفة، وتمدد بأدواته من الشك المعرفي (الشك الأبستمولوجي)، بوصفه موضوعاً فلسفياً إلى شك منهجي يحفز الإنسان للبحث، والنظر، والتدقيق؛ ليشمل العلوم النظرية والتجريبية كافة، سواء تلك التي تولدت عن الفلسفة، واستقلت عنها، أو تلك التي نشأت مستقلة بذاتها.

ثالثاً: مجــالات الشــك

بمدارسة نوعي الشك (مطلق – منهجي) تبين لنا أن الشك المطلق هو شك في أصل المعرفة وإمكانيتها لذا يُسمى (بالمعرفي) لإنكاره إمكان المعرفة أو (الفلسفي والمذهبي) لكونه مذهباً فلسفياً يعتقد صاحبه بانتفاء موضوع المعرفة، واستحالة إدراكها، وفي مقابله نشأ الشك المنهجي بوصفه منهجاً للبحث عن الحقيقة لذا سُمي أيضاً (بالعلمي) وهو لا ينتقص من يقينية أصحابه بوجود حقيقة يمكن معرفتها، ومن هذه العلاقة الجدلية بين الإطلاق والنسبية يثور التساؤل حول المجالات التي يمكن أن يتطرق إليها الشك، بل التي طرقها بالفعل.

ومجالات الشك تختلف في دائرة الشك المطلق عنها في دائرة الشك النسبي.

1- مجالات الشك المطلق:

أ- الشك في الحقيقة التي هي موضوع المعرفة، وهو شك في وجودها.

ب-الشك في إمكان معرفة الحقيقة (إن وجدت).

ج- الشك في إمكان إبلاغ المعرفة أو تداولها.

2– مجالات الشك النسبي:

بعد التسليم بوجود حقيقة وإمكان إدراكنا لها، يظل الباب مفتوحاً لألوان من الشك النسبي أو الجزئي ومن ذلك:

أ) الشك في طبيعة المعرفة: ومصدره تباين المذاهب في تكييف طبيعة المعرفة مما يوقف الفلاسفة موقف الشك تجاه هذا التباين.

ب) الشك في مصادر المعرفة: فإنكار كل مذهب ومدرسة فلسفية لمصدر أو أكثر من مصادر المعرفة هو شك في جدوى هذا المصدر، ومدى يقينية المعرفة المتأسسة عليه، فمن أصحاب المذاهب من يصب شكه على الحواس، ومنهم من يشك في العقل، ومنهم من يشك فيما سوى الحدس والإشراق، وكل ذلك من صور الشك.

ج) الشك طريق إلى اليقين:

وهو شك في المعلومات والآراء المسبقة، وهدفه إفراغ العقل توطئة لإعماره بحقائق يقينية تتأسس على بديهيات أولية، وهذا هو الشك الذي عاشه الغزالي، إذ ظل مؤمناً بالحقيقة الإلهية، كما آمن بالنبوة، واليوم الآخر، وجاء شكه شك باحث عن الحقيقة، مؤمن بوجودها.

وحالة إفراغ الذهن أيضاً مرّ بها ديكارت حتى استقر على نقطة من اليقين في حقيقة تفكيره التي أسّس عليها حقيقة وجوده (أنا أفكر إذن أنا موجود).

د) تأسيس العقيدة بين الفطرة والشك والنظر:

وهدف هذا الشك ومجاله ليس المعرفة النظرية، وإنما تأسيس إيمان يقيني بالله، وهذه القضية وإن كان لها شبيهات في الفلسفات، والفكر غير الإسلامي في قضايا الوجود والعليّة والإلهيات، إلا أننا نتناولها هنا في إطارها الإسلامي بحسبانها نقطةً من نقاط الخلاف المذهبي في قضايا العقيدة والفلسفة الإسلامية.

ومدار هذا الخلاف: واجب المكلف أو الصبي البالغ، هل يتوجب عليه معرفة الله بالفطرة؟ أم بالنظر لبلوغ هذه المعرفة؟ أم أن عليه أن يشك ثم يعرف؟.

وأكثر هذا الخلاف دائر بين المعتزلة والأشاعرة، إذ يرى بعض المعتزلة أن الأوجب هو الشك، وهناك من يرى منهم أنه النظر، غير أن النظر يجب أن يسبقه شك.

والقول بوجوب الشك هنا منسوب لأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، أما القاضي عبد الجبار فيرى أن الشك والظن يوجبان النظر، أما العالم والجاهل فلا يصح في حقهما، إذ النظر يوجبه التردد في الحكم، يقول في ذلك: (النظر لا يصح إلا مع تجويز كون المدلول على الصفة أو أنه ليس عليها، فيجب أن يقارنه هذا التجويز، وقد يحصل ذلك مع الشك وقد يحصل مع الظن.. ولا يصح ذلك مع العلم، ولا مع الجهل الواقع بالشبهة، لأن العالم والجاهل لا يجوزان خلاف ما اعتقداه) وذلك لأن العالم والجاهل يستشعران سكون النفس بخلاف الشاك والظان.

وانقسم الأشاعرة أيضاً بين الرأيين، فالإمام الجويني يرى أن أول واجب على المكلف هو النظر – وهو رأي المعتزلة – بينما يرى الإمام الإيجي أن المعرفة تتقدم وطريقها النظر ومن ثم يكون واجباً، ولكن الإيجي لا يرى النظر هو السبيل الوحيد إلى المعرفة فقد تحصل بالإلهام، والتصفية، والتعليم، ولكنه قد يكون السبيل الوحيد لمن وقع في الشك، والشك على العموم حالة طارئة لا يلزم سبقه لكل نظر أو معرفة.

فالشك إذن تتعدد صوره ومجالاته من كلّي إلى جزئي، ومن مطلق إلى نسبي، فيصل في قمته إلى درجة إنكار الحقائق الموضوعية، وفي أدنى منازله يكون شكاً في وسيلة من وسائل تحصيل المعرفة أو أداة من أدواتها، ويتلون اسمه بحسب نوعه ومجاله فالمتعلق بأسس الاستنباط يكون منطقياً، وربما كان جزئياً متعلقاً بالأسس المعرفية كالتجريبي، وغير ذلك ممّا أتينا عليه من أنواع.

دراسة مذاهب التيقن (Dogmatism):

ويسمى التيقن أيضاً بالاعتقادي، أو اليقيني، أو القطعي، أو النزعة التوكيدية، أو الإيقانية، أو القطعية لاختلاف في الترجمة، وقد يُعَرَّبُ اللفظ عوضاً عن ترجمته؛ فيقال (دوجماتي) أو (النزعة الدوجماطيقية).

والتيقن في المعرفة يقابل الشك، ولكن الشك المعني ليس المعرفي، لأن التيقن نفسه بوصفه مذهباً فلسفياً، لم يعد موجوداً بغياب مذاهب الشك المطلق، فلم يعد التيقن يعني الاعتقاد بإمكانية المعرفة لغياب الفكر المناهض لهذه الدعوى، فماذا يعني التيقن إذن؟

علاقة الشك المطلق بإمكان المعرفة:

الحديث عن موقف الإسلام من الشك المطلق، هو حديث عن الموقف من إمكان المعرفة – بالضرورة – لطبيعة العلاقة الجدلية بين الشك المطلق وإمكان المعرفة، أو لكونهما على النقيض فإثبات أحدهما نفي للآخر.

قبل الحديث عن موقف الإسلام من الشكّاك، وردّهم عليهم، يتوجّب أن نرى أولاً من هم الشكّاك في نظر هؤلاء العلماء، وصفتهم، وتصنيفهم. ونأخذ هنا بتصنيف الإيجي الذي يكاد يمثل رأي متكلمي الإسلام من حيث تقسيم الشكّاك إلى ثلاث فئات تجمع الشكّاك والمغالطين (السفسطائيين) في جانب واحد وهم بحسب هذا التقسيم:

أ- العنادية: والتسمية من معاندتهم في إنكار الوجود وحقائقه، وعدّ المعرفة محض أوهام وضلالات، فهم ينكرون حتى البديهيات، ومن عجب أنهم يشكون بجزم ويقين يناقضان الشك.

ب-اللا أدرية: وهؤلاء يشكون في كل شيء حتى شكهم، وسمّوا بذلك لأن ردهم على كل سؤال (لا أدري) بل من مغالطاتهم قولهم (أنا لا أدري ولا أدري أنني لا أدري) أو (أنا أشك وأشك في أنني أشك) وهم يشكون في قدرة الحواس والعقل على تبليغ المعرفة الحقة، ولأن بلوغ اليقين في أي أمر محال عندهم فهم يدعون إلى تعليق الحكم على الأشياء ووقفها، وعدم المبالاة بأي شيء لأن ذلك – عندهم – هو السبيل إلى طمأنينة النفس.

ج -العندية: وهم يؤمنون بتعلق الحقيقة بالذات المدركة، فكل إنسان يرى الحقيقة والصواب من جانبه فقط، أي عنده، ومن هنا سميت بالعندية، وهو مصيب في ذلك لنسبية الحق فلا مجال للخطأ، وهو رأي المغالطين أو السفسطائيين القدامى.

ونلاحظ أن الإمام الغزالي قد عدّ الشك والسفسطة شيئاً واحداً بحسبان إلغاء المذهبين لوظيفة العقل، وعدم الثقة فيه، بل توسع الغزالي في هذا المفهوم وضمّ إليهم دعاة التقليد (المقلدة) للسبب نفسه وهو – إلغاء العقل – يقول في ذلك:

(فكل من يناظر في إيجاب التقليد سفسطائي في الزجر عن النظر).

ويعلّل سبب نسبتهم إلى الشكّاك بقوله (لا مستند لهم إلا أن العقول لا ثقة بها، والاختلافات فيها كثيرة، فسلوك طريق التقليد أولى).

الــــرد على الشكاك:

تفاوت الرد على الشكّاك، والموقف منهم بين فلاسفة الإسلام و مفكريه، فمنهم من ردّ على الشكّاك بالمنطق نفسه الذي استخدمه أفلاطون وأرسطو من قبـل، وهو منطق عقلي قياسي، ومنهم من رد عليهم من منطلق الأساس العقدي برفض حججهم المنافية للفطرة، والمنافية للمحكم من نصوص الشرع، وشريحة ثالثة ردت عليهم من داخل منطقهم بإبراز تناقضه مع نفسه وأنه محض مغالطة.

والذين أخذوا برد أفلاطون عليهم ركزوا أولاً على نفي ادعائهم بأن المحسوسات هي مصدر المعرفة الوحيد، ومن ثم فإن الخطأ والتوهم الناجم عن الحواس يمكن تصحيحه إما بالعقل، والبرهان، والتجربة، أو بتصحيح الحواس لبعضها البعض حيث أن معرفة الحواس جزئية وكل حاسة تعطي جانباً من حقيقة المحسوس وهذه الصورة تكملها الحواس الأخرى أو العقل.

أما إنكارهم للبديهيات بحجة اختلاف الآراء والبيئات وغيرها فإن كل ذلك جائز ولكنه لا ينفي وجود بديهيات يلتقي الناس حولها ويتفقون عليها كالحقائق الأخلاقية والقواعد الرياضية.

وأما رفضهم للبديهيات العقلية بحجة امتناع البرهان التام، فقد ردّ بأن للعقل قضايا كلية لا يمكن الاختلاف فيها أو المغالطة فيها كبديهية (الكل أكبر من الجزء والجزء أصغر من الكل).

ولكن الغزالي يرد حجة الشكّاك بعدم الاعتراف بقبول النظر العقلي بأن قبولهم بمناظرة الغير هو نفسه اعترافاً ضمنياً بقبول النظر العقلي، يقول: (فالسفسطائي كيف يناظر؟ ومناظرته في نفسها اعتراف بطريق النظر).

أما الإمام الإيجي فقد رجح منع العلماء لمناظرتهم إذ يقول (والمناظرة معهم منعها المحققون؛ لأنها لإفادة المجهول بالمعلوم، والخصم لا يعترف بمعلوم حتى يثبت به مجهول.

ويتبين أن تحصيل اليقين في أمور الاعتقاد والغيبيات حاصل، ومبني على البرهان الصحيح، وليس على الظنون.

____________________________________________________________

[1])) شرح السلم المنورق في المنطق (ص 42)
[2])) مختصر ابن الحاجب (1/44 مع شرح الأصفهاني)
[3])) التعريفات (ص 155 )
[4])) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (1/ 221)
[5])) محك النظر (ص: 232)
[6])) محك النظر (ص: 232)
[7])) معيار العلم في فن المنطق (ص: 187)
[8])) محك النظر ص 232
[9])) نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة ص 92
[10])) عيون المسائل 64
[11])) جميل صليبا المعجم الفلسفي
[12])) ديكارت، مقالة المنهج ص 1
[13])) شرح العقائد النسفية للسعد التفتازاني مع الحواشي البهية 1/ 62
[14])) شرح العقائد مع الحواشي البهية 1/51
[15])) نظرية المعرفة المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات ص 200