ألم يأن للمرأة أن تتفلسف؟! دعوة للتفكير

د.عزة رمضان
مدرس مساعد بكلية الدراسات الإسلامية
جامعة الأزهر الشريف

بينما كنت أقلب اليوم في قنوات التلفاز استوقفني اسم لفيلم شاهدته قبل سنوات وأنا في المرحلة الإعدادية، هذا الفيلم هو “عدو المرأة”. جلست أتابع لأرى الفرق بين نظرتي له الآن ونظرتي السابقة حينما كنت طفلة، فبالتأكيد حدث اختلاف ما. لكن بعد دقائق قليلة نسيت أمر هذه المقارنة التي جلست من أجلها، وانشغلت بفكرة الفيلم. صحيح أن الدراما والحبكات السينمائية قد سيطرت على أحداثه بعد ذلك، إلا أن ما يعنيني هي الفكرة في حد ذاتها؛ فكرة الرجل عن المرأة ونظرته إليها. تُرى ما العوامل التي يمكن أن تتداخل لتشكّل هذه الفكرة وتبلورها؟ وما الخلفيات التي تقف وراء هذه النظرة؟ وما الذي يترتب عليها؟ هل فعلًا كما يدّعى بطل الفيلم -مستشهدًا بآراء لفلاسفة وعلماء- أن المرأة في منزلة أقل من الرجل، وأن مهمتها في هذه الحياة مقصورة على كونها زوجة وأمًا؟

هذه الأسئلة وغيرها جعلتني أفكر. والحقيقة أنها ليست المرة الأولي التي انشغل فيها بهذه المسألة، لا أعلم إن كان هذا لكوني امرأة، أم بسبب اشتغالي بدراسة وتدريس العلوم العقلية، فقبل سنوات كان لي لقاء مع المستشرق الألماني بروفيسور جوزيف فان إس بجامعة توبنجن بألمانيا، عندما علم الرجل أنني أدرس المنطق وعلم الكلام بجامعة الأزهر، اندهش لكوني امرأة تهتم بهذا النوع من العلوم. دهشته تلك ذكّرتني باليوم الأول لى في السنة الثالثة من سنوات الجامعة، كان لا بد لى أن أختار من بين ثلاث تخصصات في شعبة أصول الدين. بالفعل ذهبت إلى الموظفة المختصة لتسجيل اسمي في قسم العقيدة والفلسفة. كان رد الموظفة الذي لا أنساه: هل أنتِ متأكدة؟! فكل من يدخل هذا القسم لا يأتي الى هنا بارادته واختياره، بل نحن في الغالب من نقوم بتوزيع الطالبات على حسب تقديرهن.

 بدأت دراستنا بالفكر الشرقي القديم والفلسفة اليونانية، مرورًا بفلسفات العصور الوسطى، ووصولًا إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة، كنت دائمًا في انتظار اسم لفيلسوفة مشهورة، أو على الأقل امرأة لها باع طويل في العلوم العقلية. انتظرت سنة وراء الأخرى لكنى للأسف لم أجد بغيتي. ظل هذا التساؤل يلازمنى، لماذا لا يوجد عبر التاريخ الإنساني فيلسوفة واحدة مشهورة في مقابل هؤلاء الفلاسفة الرجال الكبار؟ هل المرأة حقًا ليست لديها القدرة على التفلسف والتأمل؟ أم أن الفلسفة والعلوم العقلية تقع خارج نطاق اهتمامات المرأة؟ لماذا لمعت أسماء لنساء في الحُكم والملك والأدب والشعر والطب والفيزياء ولم يحدث ذلك في عالم الفلسفة؟ أعرف أن هناك أسماء لنساء يُقال عنهن أنهن فيلسوفات، وقد قام بعض المتخصصين بإفراد كتاب أو عدة كتب لهن، لكن مَن مِن غير المتخصصين يعرفهن؟ وأين هي رؤيتهن الفلسفية المتكاملة التي من خلالها نستطيع إطلاق “فيلسوفات” عليهن؟

في محاولة منها لسد هذه الثغرة قامت ماري إيلين ويث بعمل سلسلة عن تاريخ النساء الفلاسفة تقع في أربعة مجلدات. لكنها ما إن شرعت ويث في وضع معايير لاختيار الفيلسوفات منهن حتى وجدت نفسها بإزاء إشكالية أساسية جعلتها تحاول استعمال تعريف خاص للفلسفة. إلا أن محاولة حل هذه الإشكالية تتضمن هي الأخرى إشكالية نسائية مهمة، تتمثل في أنه إذا كانت الفلسفة بمعناها التقليدي على طول الخط ابتكارًا ذكوريًا في أساسه، ألسنا إذن عندما نختار أعمال النساء التي تناسب تلك التعريفات التقليدية، إنما نختار فحسب الأعمال التي وضعتها النساء اللائي يفكرن مثل تفكير الرجال؟ غير أن ويث قامت بالفعل بتنفيذ مشروعها على عدة مراحل، هذه المراحل فرضت عليها عدة أسئلة من أهمها، ما هو تاريخ الفلسفة؟ وهل أخفق الفلاسفة في القيام بمهمة الفلسفة العظيمة؛ وتعني بها التنقيب عن فروض الفيلسوف الأساسية التي يرتكز عليها فكره لاكتشاف أين توجد الحقيقة؟ وهل حدث وتوصلنا إلى فهم مختلف لطبيعة الفلسفة نفسها نتيجة لمعرفتنا بفكر النساء؟

الحقيقة أن هذا المشروع لم يكن هو المحاولة الوحيدة في هذا الباب، فقد كانت هناك محاولات عديدة لإثبات بعض الأسماء ووصف أصحابهن بالفيلسوفات، من أشهر تلك النساء “ثيانو” زوجة فيثاغورس ومعها بعض الفيثاغوريات. أيضا “هيباثيا” السكندرية التي يُنظر اليها بوصفها شهيدة الفلسفة. في العصر الحديث لدينا “حنا اريندت” و”سيمون دي بوفوار”، هذه الأخيرة التي قررت أن تبدأ من قبل نقطة البداية عندما طرحت سؤالها: من هي المرأة؟ إلا أنه عند ذكر بوفوار لابد أن نميّز بين أمرين مهمين: بين ما نحن بصدد الحديث عنه وهو الفلسفة النسوية، وبين الحركات النسوية. فاهتمامي هنا منصب على الأمر الأول في محاولة للإجابة عن سؤال المرأة والفلسفة.

فريق من الباحثين يفسر غياب المرأة عن الساحة الفلسفية بقضاياها الكلية العميقة، بأن المرأة لم تحظ بفرص مناسبة لتطوير ذاتها نتيجة لظروف اجتماعية أو أعراف قبلية، غير أن هناك من يرجع الأمر كله إلى تأثير الجانب البيولوجي، حيث يرون أن الاختلافات في التشكيل البيولوجي بين الذكر والأنثى تؤدي بطريقة أو بأخرى إلى اختلافٍ بين طريقة تفكير الرجل وطريقة تفكير المرأة، ومن ثم يقولون بأن المرأة غير قادرة على التفلسف. نعم الاختلاف سنة كونية وحقيقة علمية نوافق عليها ونسلّم بها، لكن ما نمنعه هو الغلو والمبالغة في التأكيد على هذا الاختلاف وإرجاع كل أمر إليه.

أثناء قراءتي في هذا الموضوع لفت انتباهي تصاعد النزعة العدائية والإحساس بالاضطهاد من قِبل “الفيلسوفة” سالي هاسلانغر التي تقول: ضمن تجربتي فإنه من الصعب جداً أن تجد مكاناً في الفلسفة ليس مُعادياً بفاعلية للنساء والأقليات. البعض يتفق مع هاسلانغر في ان المؤسسات الفلسفية تقوم بوظيفة أيدلوجية وهي حراسة التفوق الذكوري. الأمر الذي أصبح يمثّل إشكالاً في التعاطي مع المرأة في دوائر الفلسفة، خاصة في الغرب، بكل مساحات التنوير، ومشروعات المساواة التي يدّعون أنهم متفوقون بها على دول الشرق.

إذا انتقلنا بالسؤال ذاته إلى دائرة التاريخ والتوثيق، فلنا أن نسأل هل يمتلك المؤرخون الرجال شجاعة إيمانويل ليفناس الذي صرّح بأنه ينطلق من وجهة نظر ذكورية بحتة؟ إنه تصريح يوفّر علينا الكثير من البحث والدراسة، وعندئذٍ نقول إن تغييب الفيلسوفات كان أمرًا مقصودًا من قِبل المؤرخين الرجال.

 يرى آخرون أنه ليس ثمة مؤامرة على المرأة، بل إن عامل الفقد كان له دور في ذلك؛ بمعنى وجود مشتغلات بالفلسفة لكن أعمالهن مفقودة. غير أن هذا السبب ليس مقنعًا لأن الفلاسفة أو المفكرين الرجال منذ بداية التفكير الشرقي القديم وأعمالهم مسجلة بطريقة أو بأخرى، فلماذا فُقدت أعمال المرأة على وجه الخصوص؟ هذا السبب كما نرى يعود بنا إلى نظرية المؤامرة مرة أخرى.

إن علاقة المرأة بالفلسفة قد شغلت الكثيرين من المفكرين والفلاسفة خاصة في العصر الحديث، إلا أن النظرة الدونية للمرأة كانت هي المسيطرة، فهذا نيتشه يصرح بأن ” المرأة فخ نصبته الطبيعة”، فهل بعد قوله هذا ننتظر منه أن يكون محايدًا في الحكم على المرأة في عموم الأمر، فضلًا عن علاقتها بالفلسفة؟ هل المرأة فعلًا غير قادرة على تمثّل الكونيّ كما يرى هيجل؟ أم أنها عدم رغبة منها في استعمال العقل كما يقول كانط؟ أم أن الأمر يتعلق بحرية المرأة كما يدّعي ماركس؟

 على أية حال نستطيع أن نجمل الأسباب التي أوردها الباحثون في هذه المسالة في ثلاث مجموعات رئيسة؛ أسباب تاريخية وتوثيقية؛ وهذه في رأيي أضعف الأسباب، وأخرى تتمحور حول النظرة الثنائية: ذكر وأنثى واختلاف طبيعة كل منهما عن الآخر، وأخيرة تتعلق بالموقف الفلسفي الذكوري من النساء، والذي يتلخص في عجزهن عن التفلسف.

إذا نظرنا في هذه الأسباب وحاولنا الإجابة عن التساؤلات السابقة سنجد جوابًا عن السؤال المهم الذي يطرحه البعض – ربما يريد به إحراج المتدينيين-  لمَ اقتصرت النبوة والرسالة على الرجال؟ ولماذا لم يرسل الله للناس نبيّات؟ إذ الأمر كما يبدو ليس مقصورًا على قدرة المرأة العقلية بل إنه أيضًا يتعلق بطبيعة تكوينها البيولوجي والنفسي.

وفيها أيضًا الرد على الزعم بأن الإسلام أو الدين عمومًا يحط من شأن المرأة، لأن الأمر في حقيقته على العكس من ذلك تمامًا، خاصة إذا عرفنا أن أول واجبٍ على المكلف هو النظر الموصل إلى معرفة الله. لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، الكل مأمور بالتفكر والنظر بوجه ما.

نبي الإسلام صلوات ربي وسلامه عليه يقول ويقرر أن ” النساء شقائق الرجال”، هذا التقرير لم يقف عند حد التنظير، بل نجد بالفعل للمرأة في عصر النبوة والصحابة مشاركات سياسية وعلمية واضحة، حتى وصل الأمر إلى مشاركتها في إدارة الدولة، مثلما حدث في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. نفهم من هذا أن الشرع الحنيف لم يفعل شيئًا أكثر من تحديد مهام وتوزيع مسئوليات تناسب طبيعة كل صنف؛ من أجل إحداث توازن في المجتمع، لكنه أبدًا لم يغلق باب التفكر والتعقل في وجه المرأة، وأبدًا لم ينظر إليها على أنها في مرتبة أقل من الرجل، وإذا كان هناك بعض النصوص التي قد يوهم ظاهرها هذا المعني، فإنه ببيان السياق وسبب النزول وفهم دقائق اللغة سيتجلى لنا معناها الحق متمثلًا في عدم ظلم المرأة أو التقليل من شأنها. أضف إلى ذلك أن لدينا في التراث الصوفي الإسلامي من يُعلى من شأن المرأة، فلم يقتصر فقط على مساواتها بالرجل، بل إنه فضلها عليه وأضفى عليها بعض القدسية، كما هو الحال عند الشيخ الأكبر ابن عربي في فصوص الحكم.

في النهاية لا يسعنا إلا الإقرار بأن القضية بالفعل متشعبة، لها أبعاد واعتبارات شتى، تحتاج في جمعها وفهمها وتحليلها إلى مزيد دراسةٍ وعناية. ربما لو بحثنا فيها بموضوعية وتجرد لوجدنا أن الأمر في جانبٍ كبيرٍ منه يرجع إلى المرأة ذاتها، وإلى تحديد دائرة اهتماماتها وترتيب أولوياتها ومسئولياتها. لكني في الحقيقة لم أكتب هذه المقالة من أجل تحديد أسباب بعينها وترجيح بعضها دون بعض؛ إذ الأمر أكبر من أن تعالجه دراسة فردية أو رؤية شخصية. لكنها دعوة للتفكير.. وربما دعوة للبحث والدراسة من جهات عدة وبمنظورات مختلفة، علّنا نصل في يومٍ إلى الأسباب الحقيقية، فنستطيع سردها ومعالجة ما بها إن استطعنا، حتى يتسنى لنا الاستفادة الكاملة من جهود المرأة وتعزيز دورها في هذه الحياة.

مقالات ذات صلة

    None Found

أشترك الأن