هل يشعر الإلكترون بالخجل؟ «ميكانيكا الكم وموضوعية الحقيقة»

 

محمد عبد الظاهر
مسؤول سفارة المعرفة بجامعة أسيوط

‫”هل تعتقد حقا بأن القمر لا يكون موجودا إلا حين يكون هنالك من ينظر إليه؟!” – ألبرت آينشتاين[1].

هكذا تحدث آينشتاين منذ بداية القرن العشرين عندما بدأت اكتشافات عجائب ميكانيكا الكم، وتحديدا (مشكلة القياس)، هكذا تحدث مستنكرا الدعوى القائلة بأنّ هذه الاكتشافات العجيبة تهدم الاعتقاد بثبات حقائق الأشياء، لأنه لولا هذا الثبات لما تمكَّن العلماءُ أصلاً من صنع أجهزة الرصد وإجراء التجارب القابلة للتكرار والتي عُرِفت بها (مشكلة القياس)، وبالفعل أتت فيما بعد فرضيات أخرى أكثر اتساقا مع الواقع، لتفسر المشكلة بدون التشكيك في ثبات حقائق الأشياء.

 

لكن دعنا نبدأ القصة من بدايتها:

عام ١٨٠١م قام توماس يونج بعمل تجربة “الشق المزدوج” على الضوء، والتي أظهرت أنه عبارة عن موجات وليس جسيمات[2] -كما كان سائدا لحوالي قرنين قبل ذلك طبقا لإسحق نيوتن-فبوضع مصدر ضوئي خلف حاجز به شقين وأمامه شاشة تستقبل الضوء المار من الشقين، فإنه بدلا من أن تظهر بقعتان من الضوء على الشاشة، يظهر عليها نمط تداخل موجتين، ليكشف أن الضوء كان موجة واحدة، ثم تحول لموجتين بسبب الشقين وحدث بينهما تداخل هو الذي ظهر على الشاشة، كما في هذه الصورة الموضّحة.

إلا أن آينشتاين عام ١٩٠٥م عاود إثبات أن للضوء أيضا طبيعية جسيمية تحت ظروف مختلفة، وذلك بتفسير ظاهرة التأثير الكهروضوئي، ونال عنه جائزة نوبل عام ١٩٢١م[3]، وليس عن نظرية النسبية العامة أو الخاصة كما يعتقد الكثيرون، واستقر بعد ذلك أن للضوء طبيعة مزدوجة، أي أنه يتصرف أحيانا كجسيمات وأحيانا كموجة.

ثم جاء دي برولي لينال نوبل عام ١٩٢٩م عن نفس ما اكتشفه يونج ولكن على المادة وليس الضوء، حيث أثبت أن للإلكترونات طبيعة موجية[4]، ثم تبعاه طومسون ودافيسون في نيل جائزة نوبل بالمشاركة عام ١٩٣٧م[5] عن الإثبات التجريبي لاكتشاف دي برولي، وقام الثاني بتجربة الشق المزدوج على الإلكترونات وليس فوتونات الضوء، وثبت بذلك أن الإلكترونات أيضا لها طبيعة مزدوجة فهي تتصرف في ظروف معينة كموجات وفي ظروف أخرى كجسيمات، ولاحقا تم إجراء نفس التجربة على الذرات والجزيئات الأكبر[6].

وإذا كان من العجيب أن يمتلك شيء ما طبيعتين متغايرتين جسيم‪/ ‬ موجة، فإن الأعجب أن الإلكترون كان يغير سلوكه من موجة لجسيم عند محاولة رصد مساره، أو بصيغة أخرى فإن ‪جميع‬ المسارات المحتملة له (فيما يعرف بالدالة الموجية) تتقلص لتصبح مسارا واحدا محددا (فيما يعرف بانهيار الدالة الموجية) بمجرد محاولة رصد الموجة أثناء سريانها، فيتحول من موجة إلى جسيم، وبدلا من مروره كموجة من الثقبين كليهما، فإنه يمر كجسيم من أحد الثقبين فقط.‬‬‬

 

هذه الخاصِّيَّة الغريبة عُـرِفَتْ باسم: (مشكلة القياس) في ميكانيكا الكم[7]⁠، وهي من المشكلات التي لم تحل بشكل قطعي إلى يومنا هذا، لماذا يغير الإلكترون من سلوكه بل وطبيعته عند محاولة رصده؟ وكأنه يخجل من أن يشاهده أحد وهو في طبيعته الموجية، فيسارع بالتحول فورا إلى جسيم! لم يخرج أحد بتفسير نهائي، ولكن هنالك مدارس متعددة تضع فرضيات مركبة لمحاولة حل هذا اللغز.

 

ومن هذه المدارس التفسيرية، تفسير نيومان-فيجنر الذي يقول بأن “انهيار الدالة الموجية” مرتبط بأن يمتلك الراصد وعيا، أي أن يكون إنسانا مثلا، حيث يحدث تفاعل بين وعيه وبين المادة –وذلك يتطلب أن يكون لها وعي أيضًا[8]، فيؤدي لتغيير سلوكها أثناء عملية الرصد[9].

 

ويطبق البعض هذه الفرضية على الكون المنظور كله، قائلين بأن وجوده المستقر هو نتيجة لرصدنا، وأما ما لم نرصده فهو ما يزال في حالة من الاحتمالية وليس له وجود حقيقي ثابت، ولن تصير له حقيقة واقعية إلا حين نتمكن من رصده، وبذلك لا تكون هنالك أي حقيقة مستقلة وموضوعية للأشياء، وإنما يتشكل الواقع تبعا لنظر كل فرد، وذلك الموقف هو السفسطة العندية بالتعريف والتي تقول بعدم وجود حقائق مطلقة وإنما حقائق نسبية متغيرة تبعا لنظر كل شخص، فمثلا لو كان السفسطائي يجلس على كرسي في غرفة وسألته:- هل يمكن القول بحقيقة وجود كرسي في هذه الغرفة؟ فإنه سيقول لك: -بالنسبة لي يوجد كرسي أراه وأشعر به، لكن بالنسبة لك قد لا يكون هنالك كرسي لو أنك لا تراه ولا تشعر به! وذلك من السخف الذي ينكره كل عاقل من أسذج طفل إلى أذكى العقول كما ورد في افتتاحية هذا المقال.

 

يقول ريتشارد فاينمان الحاصل على نوبل في الفيزياء، والذي غير من فهمنا لطريقة إجراء حسابات ميكانيكا الكم: ‫“الطبيعة لا تعلم ما الذي توجه إليه بصرك، وهي تفعل ما تفعله بغض النظر عما إذا كنت تسجل ذلك أم لا”[10].

 

وفيما يلي بعض المآخذ التي يمكن توجيهها لتفسير نيومان-فيجنر الذي يفترض تفسير مشكلة القياس بتفاعل وعي الراصد مع المادة:

١- هنالك العديد من المدارس التفسيرية لميكانيكا الكم⁠[11]، فتجدر الإشارة إلى أن هذا التفسير كان مجرد اقتراح من بين اقتراحات عديدة، وقد رفض عموم المجتمع العلمي شرط وعي الراصد[12]، وأشير لكونه نتيجة الفهم الخاطئ للدالة الموجية وأجهزة القياس⁠[13]، وذهبوا لاعتبار أجهزة القياس لابد أن تتفاعل بشكل ما مع الالكترونات لرصدها، وذلك ما يجعلها تغير من سلوكها المعتاد، كما قال فيرنر هايزنبرغ أحد الآباء المؤسسين لميكانيكا الكم[14]، وكما أثبت باول ديراك رياضيا في نظرية المجالات الكمية[15]، وأضيفت عليها إسهامات بواسطة العديد من الفيزيائيين الكبار مثل هايزنبرغ وباولي، وثلاثتهم حصل على نوبل، وأخيرا في عام ١٩٩٨م صدرت ورقة بحثية عن دراسة في معهد وايزمان للعلوم أشارت لكون نمط تداخل الإلكترونات في تجربة الشق المزدوج يتغير حسب شدة أداة الرصد وقربها من الشق المزدوج[16].

٢-يدّعي أنصار التفسير بأنه من الممكن أن تأتي الإجابة على سؤال ماهية الوعي بشكل عام –وهو من أكبر أسئلة العلم المؤرّقة-من طريق فهم ميكانيكا الكم وبخاصة مشكلة القياس، وهم يفترضون أن كل الجسيمات لها صور نجهلها من الوعي⁠[17]، وذلك من التوسل بالمجهول[18]، فينبغي معرفة ماهية الوعي أولا ليتم تمثيله في الصيغ الرياضية كمؤثر على الدالة الموجية.

٣‫-حتى إن سلمنا جدلا بأن ذلك التفسير هو الوحيد أو أنه مقبول من المجتمع العلمي، فإنه يظل منطبقا فقط على العالم تحت الذري، كسائر قوانين ميكانيكا الكم التي تخالف قوانين العالم المرئي، ولا يوجد أي دليل على جواز تعميمه، حتى أن فيجنر نفسه اعترف لاحقا بخطأ ذلك التعميم ورجع عنه[19].

٤-وإن سلمنا أيضا بأنه يجوز تعميمه على عالمنا الكبير، فهنا يبرز سؤال: كيف ظهر الإنسان أصلا، في كون يتطلب أن يكون هنالك راصد واعي ليجعل أي شيء يتجسد في صورته المادية؟ من هو الراصد الواعي الذي شهد الانفجار الكبير مثلا‪؟[20] ويجيب أنصار تفسير نيومان-فيجنر عن هذا السؤال بأنهم افترضوا وجود راصد واعي أقدم من الانفجار الكبير، وهو ما تم رفضه من المجتمع العلمي لأنه يعتبر مجرد إزاحة للسؤال خطوة للخلف، فمن الذي كان موجودا قبل ذلك الراصد أيضا.

‪والآن وبرغم كل المآخذ العلمية، فإن هنالك من قد يختار أن يتبع حدسه ويتخذ موقفا فلسفيا معتقدا بصحة هذا التفسير، وهو حينئذ -طبقا للنقطة ٤- سيضطر للتسليم بوجود راصد يمتد وجوده لما قبل نشأة الكون، محيط بكل شيء، لا يغفل أبدا، أو بتعبير آخر سيضطر للتسليم بوجود إله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] “Einstein once asked his young friend Abraham Pais if the Moon existed only when someone was looking at it”
1. Pais, Einstein, and Quantum theory, Rev. Mod. Phys. 51, 863 (1979).
link: https://arxiv.org/pdf/1008.2892.pdf
[1] توفي توماس يونج عام ١٨٢٩م، في حين بدأت جوائز نوبل في الفيزياء عام ١٩٠١م، ووصفه الموقع الرسمي لمؤسسة نوبل بأنه أحد أذكى وأبرع العلماء في التاريخ.
link: https://www.nobelprize.org/prizes/themes/the-dual-nature-of-light-as-reflected-in-the-nobel-archives/
[1] https://www.nobelprize.org/prizes/physics/1921/summary/
[1] https://www.nobelprize.org/prizes/physics/1929/summary/
[1] https://www.nobelprize.org/prizes/physics/1937/summary/
[1] Eibenberger, Sandra; et al. (2013). "Matter-wave interference with particles selected from a molecular library with masses exceeding 10000 amu". Physical Chemistry Chemical Physics. 15 (35): 14696–14700.
link: https://arxiv.org/abs/1310.8343
[1] ميكانيكا الكم: وتسمى أيضا (فيزياء الكم) وهي فرع الفيزياء الذي يصف نطاقات الطاقة بالغة الصغر في الذرة والجسيمات تحت الذرية.
[1] Chalmers, David (1996). The Conscious Mind: In Search of a Fundamental Theory. Philosophy of Mind Series. Oxford University Press, USA. pp. 156–157.
link: https://books.google.com.eg/books?id=XtgiH-feUyIC&pg=PA156&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false
[1] Wigner, Eugene; Henry Margenau (1967). "Remarks on the Mind-Body Question, in Symmetries and Reflections, Scientific Essays". American Journal of Physics. 35 (12): 1169–1170.
link: https://aapt.scitation.org/doi/10.1119/1.1973829
[1] "Nature does not know what you are looking at, and she behaves the way she is going to behave whether you bother to take down the data or not." (Feynman, Richard (2015). The Feynman Lectures on Physics, Vol. III. Ch 3.2: Basic Books. ISBN 9780465040834.).
link: https://books.google.com.eg/books?id=6wZM3xnjaJYC&pg=PA61&lpg=PA61&dq=bother+take+down+data+feynman&source=bl&ots=sCu8lQO2Js&sig=gvCIUzT3EaQy2lrNbSAZ1YDg_dQ&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwim-PXv6MvdAhXHy6QKHU8ZCi4Q6AEwAXoECAkQAQ#v=onepage&q=is%20going%20to%20behave%20whether%20you%20bother%20to%20take%20down%20the%20data%20or%20not%20feynman&f=false
[1] link: https://www.scientificamerican.com/article/the-many-interpretations-of-quantum-mechanics/
[1] Schlosshauer, M.; Koer, J.; Zeilinger, A. (2013). "A Snapshot of Foundational Attitudes Toward Quantum Mechanics". Studies in History and Philosophy of Science Part B: Studies in History and Philosophy of Modern Physics. 44 (3): 222–230.
link: https://arxiv.org/abs/1301.1069
[1] "Of course the introduction of the observer must not be misunderstood to imply that some kind of subjective features is to be brought into the description of nature. The observer has, rather, only the function of registering
decisions, i.e., processes in space and time, and it does not matter whether the observer is an apparatus or a human being; but the registration, i.e., the transition from the "possible" to the "actual," is absolutely necessary here and cannot be omitted from the interpretation of quantum theory." - Werner Heisenberg, Physics and Philosophy, p. 137
link: http://www.naturalthinker.net/trl/texts/Heisenberg,Werner/Heisenberg,%20Werner%20-%20Physics%20and%20philosophy.pdf
[1] ”The transition from the 'possible' to the 'actual' takes place as soon as the interaction of the object with the measuring device, and thereby the rest of the world, has come into play; it is not connected with the act of registration of the result by the mind of the observer. The discontinuous change in the probability function, however, takes place with the act of registration, because it is the discontinuous change of our knowledge in the instant of registration that has its image in the discontinuous change of the probability function.") Heisenberg, Werner (1958). Physics and Philosophy. Harper & Row., p. 23.
link: http://www.naturalthinker.net/trl/texts/Heisenberg,Werner/Heisenberg,%20Werner%20-%20Physics%20and%20philosophy.pdf
[1] نظرية المجالات الكمية: تصف التفاعل بين المجالات الكهرومغناطيسية (كالضوء) والجسيمات المشحونة (كالإلكترونات) بما يتفق مع ضرورة حدوث تأثير عند محاولات رصد الإلكترونات باستخدام أي مجال كهرومغناطيسي.
[1] “The scientists found that the very presence of the detector-"observer" near one of the openings caused changes in the interference pattern of the electron waves passing through the openings of the barrier. In fact, this effect was dependent on the "amount" of the observation: when the "observer's" capacity to detect electrons increased, in other words, when the level of the observation went up, the interference weakened; in contrast, when its capacity to detect electrons was reduced, in other words, when the observation slackened, the interference increased.”
link: https://www.sciencedaily.com/releases/1998/02/980227055013.htm
[1] نفس المرجع رقم 9
[1] مغالطة التوسل بالمجهول: أحد المغالطات المنطقية وفيها يذهب الشخص لصحة ادعاءه بمجرد عدم العلم بدليل يدحضه، فهو بذلك يستند إلى الجهل بدلا من العلم
[1] Michael Esfeld, (1999), Essay Review: Wigner’s View of Physical Reality, published in Studies in History and Philosophy of Modern Physics, 30B, pp. 145–154, Elsevier Science Ltd.
link: https://www.unil.ch/files/live/sites/philo/files/shared/DocsPerso/EsfeldMichael/1999/SHPMP99.pdf
[1] 15 R. Penrose, The Emperor's New Mind, Penguin Books, 1989, p. 295.

شارك معنا

تواصل معنا

Pin It on Pinterest

Share This