هل قانون حفظ الطاقة يعني أزلية المادة أو الطاقة؟

كتبه: مصطفى نصر قديح

باحث دكتوراه في الفيزياء النظرية، وصاحب كتاب “الصنع المتقن”

بدأت هذه الشُبهة تنتشر في الآونة الأخيرة من البعض خاصة من غير المتخصصين، العجيب أن شبهة مثل هذه كان يُمكن أخذها بجدية في القرن الثامن عشر، حينما كان الاعتقاد بأن الكون أزلي وعلى حالته الحالية منذ الأزل وإلى الأبد وكان ذلك هو الاعتقاد السائد في الأوساط الأكاديمية، لكن بعد حلول النسبية العامة واكتشاف نظرية الانفجار العظيم والحصول على مجموعة من الدلائل العلمية التجريبية التي تشير إلى وجود بداية حقيقية للكون وإقرار العديد من العلماء بهذا في كتبهم، بعد كل هذا أصبحت هذه الشبهة أمرا سطحيا غير دقيق ولا يعتبر بالاكتشافات العلمية الحديثة، ولذا سنحاول في هذا المقال تفنيد تلك الشبهة في مجموعة من النقاط بحيث نوضح المعنى الدقيق لقانون حفظ الطاقة وكشف الملابسات التي يفهمها البعض في إطار غيره من القوانين والنظريات اﻷخرى التي أصبحت ثابتة بالتجربة والدليل:

1- دعنا أوﻻ نُعرّف ما هو اﻷزلي؟

الأزلي هو القديم الذي لا بداية له، القائم بذاته والمستغني عن غيره، ولا يعتمد في وجوده على غيره[1].

وبمحاولة تطبيق هذا التعريف على الطاقة سيفشل اﻷمر، ﻷن الطاقة ذات بداية في الانفجار الكبير[2]، كما أن الطاقة غير قائمة بذاتها ولا مستغنية عن غيرها؛ إذ يعتمد وجود الطاقة على تحول المادة والعكس فكلاهما كوجهي العملة الواحدة لا وجود لأحدهما دون الآخر وتوجد هناك قوانين تحكم وتضبط سلوكهما، وهذا، أعني تحول كل منهما للآخر وخضوعهما لمعادلة آينشتاين، هو من أكبر الأشياء التي تنفي أزلية الطاقة. فكل من المادة والطاقة ليسا قائمين بذاتهما ولا مستغنيين عن غيرهما ويعتمدان في وجودهما على غيرهما.

2- بالنسبة لقانون الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم = قانون حفظ الطاقة. ومعنى حفظ الطاقة = أنها شيء محدود الحجم والمقدار، وإلا ما التزمت بحفظ لمقدارها، فالأزلي = شيء لا متناهي لا يمكن أن يكون ذا مقدار أو حجم محدد، ولا يمكن أن تحده حدود.

3- هذا الكون الذي ينطبق عليه القانون اﻷول للديناميكا الحرارية ينطبق عليه كذلك قانون الديناميكا الحرارية الثاني، بل إن القانون الثاني للديناميكا الحرارية هو أحد أكثر القوانين صلابة ورسوخا في تاريخ العلم، فأي نظام مغلق – مثل الكون – يميل إلى التغير أو التحول تلقائيا بزيادة «إنتروبيته» حتى يصل إلى حالة توزيع متساوٍ في جميع أجزائه. فجميع العمليات الطبيعية تحتوي على جزء من الانتروبيا اللاانعكاسية (Irreversible entropy)، فعند إلقاء قطرة من الحبر الأزرق في كوب ماء تذوب قطرة الحبر وتنتشر في الماء حتى يحدث حالة من التجانس بين كل جزيء من جزئيات الماء وقطرة الحبر، فعند هذه الحالة نقول: إن «إنتروبيا النظام» تزايدت، أي إن مجموعي «انتروبيا» نقطة الحبر والماء النقية أقل من «إنتروبيا النظام» (حبرمختلط بالماء). وينبهنا القانون الثاني إلى أن الكون سينهار وأنه اﻵن في حالة احتضار، وبهذا فقد أصبح القانون الثاني للديناميكا الحرارية دليلاً على أن الكون ليس أزليا.

4- يتنبأ القانون الثاني للديناميكا الحرارية بموت حراري للكون، حيث تنبأ العالم الفيزيائي  (هيرمان هولمهولتز) (Hermann von Helmholtz) في عام 1856م «باحتضار الكون»([3])  نتيجة لهذا القانون الذي يقضي بذهاب كل طاقات الكون الموجودة به وذلك للوصول إلى حالة الاتزان. إذ لو كان الكون أزليا في الماضي لانعدمت طاقته اﻵن ليصل إلى الصفر المطلق ويصبح ميتا حراريا لكننا نجد الواقع غير ذلك! ومنذ اكتشاف القانون الثاني بدأ انهيار القول بأزلية الكون. ويعتقد العلماء بموت الكون ونهايته بسبب هذا القانون، وكل ما له نهاية له بداية، ولذا يشير بول ديفيز قائلا: التنبؤ بموت حراري كوني نهائي لا يشير إلى مستقبل الكون فقط، ولكنه كذلك يقدم شيئا مهما عن ماضيه، فمن الواضح: أنه إذا كان الكون يتضاءل نشاطه بصورة مطردة لاانعكاسية.. فهو إذن لا يمكنه أن يكون سرمدي البداية. والسبب بسيط؛ فهو لو كان كذلك.. لكان قد مات بالفعل، وبمعنى آخر: أن الكون يجب أن تكون له بداية محددة([4]).

5- وبالتالي: فمادام الكون خاضعًا لقانون كالقانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ قانون يُحتم الموت والفناء؟([5]).  فالكون ككلّ سيخمُد وسيموت، ككرة مطاطية متأرجحة تفقد طاقتها وتستكِينَ حركتها([6]).

6-ولقد أثبت ألكسندر فيلينكين في مبرهنة له عدم أزلية الكون وقال: “يقال أن الحجة هي ما يقنع الرجال العقلانيين، والدليل هو ما يقنع حتى الرجل غير العقلاني. مع الدليل الآن، الفلكييون لم يعودوا قادرين على الاختباء وراء احتمال أزلية الكون. لا يوجد مفر، عليهم مواجهة مشكلة بداية الكون!”[7]

7- قانون حفظ الطاقة نفسه حادث = فطبقا لما وصلنا إليه من علم، فالكون (الزمكان) له بداية وليس أزليا. والقوانين التي تنطبق على كوننا لم يكن لها وجود قبل بداية الزمكان. وقد أشار هوكينج إلى أنه “لم تكن المادة هي وحدها التي خـُلقت أثناء الانفجار العظيم، بل إن الزمان والمكان أيضاً خلقا، إن للمكان بداية إذاً للزمان بداية”[8]، فكيف نقول بأزلية المادة أو الطاقة إذن؟

8- هذا القانون لا ينطبق سوى على النظام المغلق = كالكون مثلا، لذا فإطلاق لفظ القانون هكذا وأخذه على هذا المحمل = خطأ وجهل بالقانون وما ينطبق عليه، لأن القانون لا ينطبق على نظام كالأرض مثلا لأنها نظام مفتوح، وبالتالي فالمعنى الأكمل للقانون هو = الطاقة في نظام مغلق لا تفنى ولا تستحدث من عدم.

9-أخيرا: لا يوجد أحد من العلماء الآن يقول بأزلية الكون اعتمادا على قوانين الديناميكا الحرارية وبخاصة القانون الأول (قانون حفظ الطاقة) إذ يتعارض الكون الأزلي مع استمرار وجود العمليات الفيزيائية التي تخضع للتغييرات اللاانعكاسية. فإذا كان ﺑﺈمكان الأنظمة الفيزيائية أن تخضع للتغييرات اللاانعكاسية بمعدل محدود.. فهي إذن ستنتهي من تلك التغييرات منذ زمن لانهائي مضى([9]). وبالتالي تشير كل الدلائل إذًن إلى: كون له عمر زمني محدود أتى للوجود في زمن محدد، ويتسم بالنشاط، ولكنه محتمٌ عليه في النهاية بالموت الحراري في مرحلة معينة في المستقبل([10]). وهكذا أثبت العلم أن الكون ليس أزليًّا، وإنما له نقطة بداية محددة بعكس ما كان يُتصور. العجيب: أن تصور أزلية الكون لم يكن عليه دليل علمي واحد، وإنما كان تصورا فلسفيًّا محضا، وظل متوارثا هكذا إلى أن تم التخلص منه تدريجيا إلى أن صار القول ببداية المادة والطاقة والزمكان في الانفجار الكبير هو الرأي السائد في الأوساط العلمية والذي أيدته التجارب المتعددة.

 

[1] انظر قاموس معجم المعاني الجامع – معجم عربي عربي وكذلك قاموس المعجم الوسيط ،اللغة العربية المعاصر. قاموس عربي عربي

[2] S. Hawking, The beginning of time. [ http://www.hawking.org.uk/the–beginning–of–time.html]

[3] Paul Davies, The last three minutes: Conjectures about the Ultimate Fate of the Universe, Basic Books, 1994, p.9.

[4] Paul Davies (1994). The last three minutes: Conjectures about the Ultimate Fate of the Universe. Basic Books. p.13.

[5] Ibid.

[6] بيتركولز: علم الكونيات، مقدمة قصيرة جدّا، ترجمة: محمد فتحي خضر، ط. هنداوي، القاهرة ٢٠١٥م، ص (13).

[7] Alexander Vilenkin, Many Worlds in One: The Search for Other Universe (New York: Hill and Wang, 2006), p.176.

[8] S. Hawking, The beginning of time. [ http://www.hawking.org.uk/the–beginning–of–time.html ]

[9] Paul Davies (1992). Mind of God: The Scientific Basis for a Rational World. New York: Simon & Schuster. p.46.

[10] Paul Davies (1994). The last three minutes: Conjectures about the Ultimate Fate of the Universe. Basic Books. p.18.

شارك معنا

تواصل معنا

Pin It on Pinterest

Share This