هل الإيمان يناقض الفِكر والنظر والاستدلال؟

كتبه: أشرف صيقلي

باحث في العلوم الشرعية.

إذا نظرنا إلى الحيوانات من الكائنات الحية، ثم نظرنا إلى الإنسان، لوجدنا أن كليهما يأكل، وكليهما يشرب، وكليهما ينمو، وكليهما يتناسل، ثم إننا نجد أن الفرق الأساسي المميّز بين الإنسان وبين سائر أنواع الجنس الحيواني هو الفرق في القوة العقلية. لذلك عرّفوا الإنسان بأنه “حيوان ناطق” ناطق: أي مُفكِّر.

ثم وجدنا من يقول بأن الإيمان بالدين، يناقض النظر والفكر، وهو خصم للاستدلال واتباع الحجج والأدلة.

يقول: لأن هناك اتجاهين:

إما أنك تتبع الأدلة فأنت إنسان عقلاني مفكر.

أو أنك شخص مقلد، تأخذ النتائج دون نظر أو فكر أو تأمل.

فالدين أساسه هو الإيمان، والإيمان – belief – هو ضد للفكر والاستدلال.

فمن ثَمَّ تقدم العلم وتطور وحقق النتائج المذهلة التي نراها عندما ضَعُف الدين في النفوس، وسعى الإنسان إلى النظر والتأمل، لا إلى أخذ الأجوبة والإيمان بها بدون نظر ودليل.

فالدين يرسخ التقليد ويعادي الفكر والنظر والاستدلال، فيكون الدين معارضا لأهم ما يتميز به الإنسان، وهو قوية العقلية الفكرية.

انتهى كلام القائل.

(علاقة الإيمان بالدين، بالتفكير والنظر والدليل)

إن قضية الصراع بين من يطلب الدليل، في مقابل من يريد التسليم الأعمى، هي قضية كبيرة موجودة في تاريخ البشر، في شتى المذاهب والأديان.

فهناك صراع دائم بين:

الباحث العقلاني الحر الذي يمشي وراء عقله ويطلب الدليل على القضايا، وبين من يغلقون عقولهم ويتعصّبون ويطلبون من أتباعهم إلغاء عقولهم والاتباع دون استدلال أو نظر.

ويتجلى الصراع هذا على هذه المسألة: الإيمان بين التقليد والدليل.

الإيمان: هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل.

لو سَأَلَنَا سَائِل، ما هو الدين الإسلامي؟

نقول: الدين الإسلامي (وضع إلهي سائقٌ لذوي العقول السليمة لما فيه الخير لهم)

فنحن نقول إن الإسلام تنزيل من الله، لا أنه نتاج تطور البشر واختراعهم للأجوبة على الأسئلة المجهولة التي صارت العلوم تجيبنا عليها.[1]

ثم لو سأل عن الإيمان المطلوب من المكلفين فقال: كيف لا يضاد النظر في الدليل، و(الإيمان) ليس إلا (التصديق بما لا دليل عليه)؟

والجواب على هذا أن الإيمان المطلوب شرعا ليس هو التصديق بلا دليل، بل هو: أن يعلم المكلف ويشهد أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله، لا أن يقلد في ذلك.

فما بيان المراد بالعلم؟ وما الفرق بينه وبين التقليد؟

والجواب أن المراد بالعلم أن يحكم الشخص حكمًا جازمًا مطابقا للواقع عن دليل.[2]

فالمطلوب بالعلم هو:

  • أن يحصل في النفس أمر ما وتوافق عليه النفس وتذعن له وتقبله.
  • ويكون ذلك أمرا جازما يقينيا، لا شك فيه ولا ارتياب، بحيث لا يبقى في النفس أي تكذيب إلا وقد زال.
  • ويكون ذلك المجزم به مطابقا للواقع.
  • ويشترط أن يكون ذلك الجزم عن دليل وحجة.

فنحن مأمورون أن نعتقد بالأشياء الحقيقية لسبب أنها حقيقية.

فالاعتقاد تابع للحقيقة وليس مُنشِئًا للحقيقة. فنحن لا نعتقد فرضيات دينية ثم نبحث لها عما يبررها، بل نحن نمشي وراء مصادر المعرفة فإذا وجدنا حقيقة ثابتة بالدليل اعتقدناها.

فالواجب هو معرفة وشهادة أن دين الإسلام هو وضع إلهي، وأن يكون ذلك مبنيا على أدلة وحجج وبراهين.

هذا هو العلم، وهو المطلوب في العقائد الدينية.

فما هو التقليد؟

إذا صدّق المكلف بالعقائد الدينية، ولكن لم يبن ذلك عن دليل، فهذا يُسمى أنه: شخص مقلد.

والذي يقلد في العقائد الدينية هو عاصٍ آثم؛ لأنه خالف الحكم الشرعي من بناء إيمانه على دليل.

فهذا يبين مركزية الدليل في مفهوم الإيمان عندنا.

الإيمان المطلوب: علم، لا تقليد.

وإذا تأملنا في هذا الكلام وجدناه مخالفًا للمشهور بين الكثيرين أن: (الإيمان) يقابل (العلم عن دليل). Justified true knowledge vs belief

ويخالف فكرة أن أهل الإيمان هم الذين يصدقون تقليدًا لا عن دليل، ولا يُعمِلُون فِكْرَهم ولا نَظَرَهم لقبول إيمانهم.

وأن الفريق المناقض للإيمان هم فريق أهل الدليل الذين لا يبنون معتقداتهم ومعارفهم إلا على الدليل، وبالتالي لا يؤمنون بالله ولا بالدين، لأن الإيمان على هذه القسمة هو ما يقابل الدليل.

ولكن كما بينا: أن هذه القسمة لا تنطبق على الإيمان الواجب في الإسلام!

فهناك فرق بين:

  • الإيمان الواجب
  • وبين: الـ belief.

فالـ belief هو الذي يسميه علماء المسلمين: بالتقليد.

أما الإيمان بالمعنى الذي ذكرناه أولا: (التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل) فهذا ليس تقليدا، بل هذا يندرج تحت (العلم) إذ هو مبني على (الدليل).

فمن الخطأ ترجمة “الإيمان” إلى belief، لأن الإيمان مفهوم شرعي، وقد عرفنا من الشرع أن المطلوب فيه ليس هو belief.

وأما belief فهي التقليد.

وهذا أمر في غاية الأهمية، وهو مفتاح للإجابة على العديد من الأسئلة.

ومن أشهر ما يحفظه طلبة العلم ويدرسه في المدارس الشرعية عبارة الإمامِ إبراهيمَ اللقاني الـمالكي (ت 1041هـ-1631م) في منظومته «جوهرة التوحيد» التي هي معتمد تدريس علم العقيدة الإسلامية في الأزهر الشريف وغيرها من المدارس السنية حول العالم لسنوات طويلة:

إذ كلُّ من قلَّد في التّوحيدِ ** إيمانُهُ لم يخلُ من ترديدِ

فعلى هذا: الإيمان الذي هو أهم المطالب الدينية، وعماد الإسلام، وما عليه مدار النجاة والفوز يوم القيامة لا يُقبل من المسلم أن يقلِّد فيه غيره.

النَّظَر هو طريق الإيمان.

لما كان الوجوب على المكلف هو: العلم بصحة الدين، لا فقط التقليد في ذلك، فما السبيل إلى ذلك العلم؟

والجواب: أن الطريق إلى ذلك هو (البحث والنظر والتأمل والتفكر).

فقد وهبنا الله تعالى العقل لنفكر به في أمورنا، ونصل إلى معرفته والإيمان به.

فالعقلُ هو مناط التكليفِ، فلا يكون الإنسان مكلّفا بأي شيء إلا إذا كان عاقلا.

ثم أوجب تعالى على كل مكلف إعمال عقله في الوصول إلى العقائد الدينية.

يقول الله تعالى في ذم أولئك الذين يأخذون عقائدهم بالتقليد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].

ويقول سبحانه: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: 23، 24]

ويقول تعالى آمرا الناس بإعمالِ العقلِ: (أَفَلا تَعْقِلُونَ)، (أَفَلا يَنْظُرُونَ)، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)، (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا)، (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

وانظروا إلى هذه الآية العجيبة التي تشير إلى كيفية بناء الإيمان في النفوس: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191]

وأين نحن من هذا الأمر الصريح الذي جاء في القرآن: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] والعلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل، والأمر هنا هو أمر يفيد الوجوب، فالآية تقول: عليك أن تصل إلى إدراك جازم مطابق للواقع عن دليل أنه لا إله إلا الله.

فهذه آيات صريحة في بيان أهمية العقل، آمرة المكلفين بترك التقليد، وإعمال العقل في الفكر والتدبر في خلق الله تعالى طالبة الأدلة اليقينية على وجود الله تعالى وتوحيده.

وهذا يُظهِر خطأ من يقول إن (الإيمان في الدين الإسلامي) مضاد لاتباع الدليل والنظر والفكر، وأنه ليس إلا تقليدا للآباء.

فإن سأل سائل: فما الأدلة التي ننظر فيها التي نستدل بها على وجود الله؟

بالجواب أننا إن شاء الله تعالى فيما يأتي من المقالات سنتناول ذلك بالبيان:

  • فنتكلم على الأدلة على وجود الله تعالى
  • والآلات التي نستعملها في الاستدلال على وجود الله تعالى: من الحواس والعقل

خلاصة ما نريد قوله في هذا المقال:

أن الإنسان يمتاز عن غيره من الكائنات بالعقل.

وأن مفهوم “الإيمان” في الإسلام، ليس هو belief، الذي هو التصديق عن غير دليل، فإن هذا هو التقليد، والتقليد في العقائد (التي هي أساس الدين) لا يجوز، بل لابد لكل إنسان أن يؤسس إيمانه على الأدلة، وفي القرآن الكريم تعرض في آيات كثيرة إلى هذه المعاني.

 

[1]  وهذه دعوى تحتاج إلى الاستدلال عليها، وهو ما سيأتي بإذن الله في مقالات قادمة.

[2]  وهذا الكلام الذي ذكرناه موجود في آلاف المصادر الإسلامية وهو مستفاد من النصوص القرآنية والحديثية.

شارك معنا

تواصل معنا

Pin It on Pinterest

Share This