هل الإله مجرد افتراض خيالي؟

كتبه الدكتور هاني حسين

نقل دوكنز في كتابه «وهم الإله» عن العالم الفيزيائي الملحد الحائز على جائزة نوبل ستيفن واينبرغ قوله: «يحمل البعض رؤيا عريضة ومرنة جدا عن االله ومن المحتم انهم سيجدون الاله اينما بحثوا. نسمعهم اقوالا مثل “الرب هو النهائي” أو “الرب هو طبيعتنا المثلى” أو “الرب هو الكون.” بدون شك يمكن أن نعطي كلمة الله، ككل كلمة اخرى، أي معني نريده. وعندما تقول أن “الرب طاقة” فستجده في كومة فحم».

هذا من مسارات الملاحدة المفضلة في الجدال: الإيحاء بأن “الإله” مجرد فرض عقلي لدى المؤمنين به يقبل التشكل والتكيف تبعا لكل ما تريده أن يكون عليه، ومن ثم اختلفت الآلهة بين المؤمنين.

ولما نناقشهم ببراهين اثبات وجود صانع للكون كبرهاني الحدوث والإمكان فإن الملاحدة يستخدمون هذا التكتيك لمداراة العجز عن القدح في ذات البرهان العقلي الصارم بالمصير إلى التقليل من شأنه وايحاء أن غاية ما يعطيه البرهان وجود عقلي للإله، مجرد كائن افتراضي لا وجود له خارج العقل.

يقولون: أنتم معشر المؤمنين تفترضون وجود موجود واجب الوجود لتهربوا من الاعتراف بجهلكم بأصل الكون وكيفية تكونه، فينتج عقلكم كائنا افتراضيا خياليا يسميه الإله ليتوهم أنه بذاك يقطع الدور والتسلسل، لكن لا شيء فيما تقدمونه يثبت وجود هذا الكائن الافتراضي الخيالي الذي لا يتميز بشيء عن تخيل أي طفل وجود صديق له أو غول ذي أنياب في خزانة ملابسه.

ولما تسأل الملحد عن نوع الدليل الذي يريد تصل إلى انه يريد دليلا ماديا محسوسا على وجود الإله، وهو في هذا غير أصيل إذ طلب من قبله من رسلهم مثل هذا فطلبوا رؤية الله جهرة أو نزول قرطاس من السماء يلمسونه بأيديهم، وهو طلب يدل على قلة عقل إذ لا يمكن بحال اثبات وجود الإله القديم بالعلم التجريبي والرصد الحسي المباشر، ولو ظل العلم التجريبي يبحث ألف ألف عام ما وصل إلى اثبات وجود الإله، ولو سلمنا وصوله يوما إلى اثبات ورصد صانع يباشر صنع العالم فأنى له وكيف يثبت وجوب وجود ذلك الصانع الذي هو أخص خصائص الإله والذي لا سبيل إليه إلا بالعقل.

إن الملحد يتعامى عن أن هذا الكائن المنعوت عنده بالخيالي الافتراضي لا بد من أن يكون ذا وجود أصيل حقيقي خارجي وبذات البراهين التي يتحاشى نقاشها، فبرهان الحدوث وبرهان الإمكان ينطلقان من وجود هذا الكون المسلم وجوده الخارجي الحقيقي لدى الملحد ليصلا إلى وجود الإله باعتباره أثر فعله وقدرته، فالمستدل بهما ينطلق من الأثر ليصل إلى المؤثر، فكيف يستقيم في عقل الملحد أن يقود أثر وجودي إلى مؤثر افتراضي خيالي؟

هذا بمثابة من يقول إن بيتا مبنيا في الصحراء بناه افتراض عقلي لا وجود له في الخارج، أي بناه خيال فأفرز الخيال وجودا أصيلا.

ثم إنا وبذات الاستنتاج العقلي الصحيح المنطلق من الوجود المادي نصل إلى أن الإله الذي نعبد حي عليم مريد قدير واحد قديم باق مخالف للحوادث ومستغن عنها، وكل هذا انطلاقا من صنعته الموجودة الدالة على وجوده وصفاته، ثم بذات الطريق نتوصل إلى اثبات الرسالة ومن ثم الإيمان بما جاء به الرسول من وصف للإله وفق مقتضيات الخطاب اللغوي، فليس إلهنا هو الكون ولا طبيعتنا المثلى ولا شخصا مصلوبا لخلاص البشرية من ذنب لم تقترفه ولا روحا تسري في كل الموجودات ولا نورا ولا طاقة ولا كومة فحم، ولا يعنينا هنا ما يعتقده الآخرون من معتقدات تفارق المعقول بل يعنينا اقامة الحجج على ما نعتقده نحن، وهنا تبرز أهمية بناء الإيمان على العقل الصحيح لا على العاطفة أو التسليم لزعم مفارقة الإيمان للعقل والمنطق واقتضائه التسليم ولو خالف العقل كما يقول به كثر، وهو الأمر الذي نبه عليه وحذر من تجاهله الشيخ مصطفى صبري رحمه الله كثيرا في «موقف العقل».

تواصل معنا

مبادرة سؤال ترحب بالأسئلة والمقترحات والملاحظات والاستفسارات.

Pin It on Pinterest

Share This