روح العلم: معالم الإبداع الفكري في علم الكلام

عقدت مؤسسة طابة مساء أمس ندوة بعنوان: «روح العلم: معالم الإبداع الفكري في علم الكلام» للباحث المتخصص في مناهج العلوم الأستاذ أحمد حسين الأزهري.

اشتملت الندوة على محاضرة ألقاها الباحث استعرض فيها عددًا من النماذج النصية التي استخرجها من بطون المؤلفات القديمة الدالة على معالم الإبداع ومظاهر الأصالة في المؤلفات الكلامية لعلماء أهل السنة والجماعة. فتناولت المحاضرة صورًا من ابتكارات المتكلمين في تقريب المفاهيم المجردة والمعاني العقلية المحضة بالتمثيلات والتشبيات الحسية. وبيَّن الأستاذ أحمد الأزهري أن استعمال المتكلمين للتمثيلات لم ينحصر في تسهيل الأصول والمسائل الكلامية، بل تضمن أيضًا تيسير قواعد البحث والاستدلال. كما أظهر التطبيقات المتنوعة لهذا المعلم الإبداعي المهم في معالجة المتكلمين لأصعب القضايا الفلسفية على الإطلاق وهي ماهية الزمان. ثم عرَّج بعد ذلك على معالم إبداعية في البحث الكلامي فأوضح أولًا أن المتكلمين اعتبروا الإشكالات والمعضلات جزءًا لا يتجزأ من العلم. وشرح ذلك بأن البناء المعرفي لعلم الكلام كما يتكون من الأصول والقواعد والمسائل والأدلة كذلك يشتمل على المعضلات والإشكالات، فهي وسيلة لتوسيع العلم وآلة لتطويره. ثم أوضح ثانيًا أن المتكلمين انتهجوا منهجًا فريدًا في تطويع الآراء والأفكار للنقد والبحث. وألمح إلى الدور الكبير الذي قام به كل من الإمام فخر الدين الرازي والإمام سيف الدين الآمدي في تدعيم علم الكلام، وذلك أن الرازي أعمل الآلة النقدية في تحليل شبهات الخصوم واستغراق البحث الطويل في تنقيحها وتقريرها والآمدي أعمل الآلة نفسها في امتحان أدلة المذهب والكشف عن جودتها في مواجهة استدلالات المخالفين. فأتت الحركة النقدية للإمام الرازي بالدعم للكلام السني من الخارج إلى الداخل، وجاءت الحركة النقدية للإمام الآمدي بالدعم للكلام السني من الداخل إلى الخارج. وفي خلال هذا العرض نبَّه الأستاذ أحمد الأزهري على أن هذه المعالم الإبداعية ليست خاصة بعلم الكلام وحده، وإنما هي ظاهرة تراثية عامة لا يختص بها علم عن سائر العلوم، وإن كان التمايز في التطبيقات يحصل في كل مجال بحسب موضوعه. فقد قارن الباحث في كلامه بين دور الإشكالات في علم الكلام بالإشكالات في علم الرياضيات والحساب من خلال التعليق على نص مهم لعالم الرياضيات الفذ كمال الدين الفارسي. وختم الباحث محاضرته بالكلام عن إبداع التأخرين من علماء أهل السنة والجماعة في دمج التصوف بعلم الكلام. وذكر أن علم الكلام كما دعت الحاجة في زمن من الأزمان إلى ضرورة استيعابه لمباحث الفلسفة دعت الحاجة أيضًا في زمان لاحق إلى ضرورة تزاوج البحث الكلامي بالعرفان الصوفي. وفي هذا النحو قام الأستاذ أحمد الأزهري بعرض نموذج تطبيقي لهذا المعلَم من خلال كتاب «شرح عقيدة الغزالي» للعارف بالله الشيخ أحمد زروق.


وتناولت الندوة عقب المحاضرة التي ألقاها الباحث عددًا من الأسئلة التي طرحها الحضور. تطرقت هذه الأسئلة إلى الدور الذي يجب أن يقوم به الجيل المعاصر في إحياء هذا النسق الإبداعي في البحث والاستدلال وأيضًا في المناظرة والحجاج. كما تطرقت أيضًا إلى كيفية الاستفادة من هذه المعالم في الجوانب التعليمية والتربوية.

شارك معنا

تواصل معنا

Pin It on Pinterest

Share This